ارشيف من :أخبار لبنانية

عون والحريري: أسئلة سرية...

عون والحريري: أسئلة سرية...

جان عزيز - صحيفة "الأخبار"

تلهج الطبقة السياسية اللبنانية، حتى تكادها تهجس، بالعلاقة المستجدة بين ميشال عون وسعد الحريري. علماً أن ثمة أسباباً موضوعية لانشغال هؤلاء بالمسألة. أولها أن طابعاً كبيراً من السرية أحيط به لقاء باريس في كانون الثاني الماضي. سرّية كافية وحدها لإثارة الحشرية والجاذبية والتطفل. وثاني تلك الأسباب أن الرجلين دخلا منذ عام 2005 في صراع حاد بلغ مراحل قاسية من الطرفين، وتضمن كلاماً إعلامياً وسياسياً و«صالوناتياً»، جعل انطباعاً يتكون عن أن لقاءهما بعد ذلك سيكون من مستحيلات هذه الدنيا. ثالث أسباب الضجة، أن الملتقيين ليسا عاديين.

يكفي وجودهما في كفة واحدة من أي استحقاق لبناني، لترجيح كفة هذا الاستحقاق. أياً كان نوعه أو آليات حصوله. رابعاً، إن اللقاء يحصل عشية استحقاقات كبيرة من النوع الذي يثير لعاب كثيرين. خامساً، إن هذا التلاقي وهذه الاستحقاقات، كانت تخضع حتى حصول اللقاء، لحسابات وتحليلات من نوع، أن عون ملتزم مع فريق من الحلفاء، والحريري ملتزم مع فريق مقابل ـــ أو حتى مناقض مضاد ـــ من الحلفاء الآخرين، ما يجعل تلك الاستحقاقات المرتقبة مستعصية. وسادساً وأخيراً، إن الزعيمين الملتقيين في باريس، متموضعان ـــ على الأقل، كي لا يقال مرتبطان ـــ بمحورين كبيرين يمتدان من لبنان إلى إقليمه أو حتى حول الكرة الأرضية... وهما محوران يخوضان مواجهة ساخنة شاملة في كل نقاط تماسهما، فكيف يمكن ممثلين عنهما أن يلتقيا في نقطة من تلك؟

هي نصف دزينة إذن من الأسباب الموضوعية الكافية لإثارة التساؤلات والاستغرابات والاستفهامات حول ذاك اللقاء الباريسي، وخصوصاً حول ما قبله وما بعده. تضاف إليها ربما دزينات من الأسباب الذاتية للاهتمام أو الانزعاج أو الاستياء، لدى كل فرد أو جهة من المهتمين بالحدث. غير أن المستغرب في كل الموضوع، هو هذه الظاهرة من «إطلاق النار الصديقة» على التلاقي، من داخل كلا الطرفين. حتى إن قراءات كاملة، ومطالعات مطولة باتت تصدر كل يوم من هنا ومن هناك، في سعي إلى التخفيف من أهمية الخطوة، أو حتى لمحاولة وأد الفكرة واعتبارها ولدت ميتة أو محكومة بالموت غير الرحيم.

مثلاً، في الجانب «المستقبلي» غير القريب فعلاً من الحريري، ومنذ اللحظة الأولى لمبادرة عون إلى الكشف عن حصول اللقاء، انطلقت سلسلة لم تنته بعد من التصريحات التخفيفية: كان تبادل عام للآراء... لا اتفاق على شيء... لا حديث عن الاستحقاقات المقبلة... لا تفاهمات ولا تفاوضات ولا وساطات. علماً أن جميع موزعي هذه الأحكام من غير المعنيين بالحدث، ومن غير المطلعين على خلفياته. بعدها بدأت تصل ردود فعل الحريري نفسه عبر دائرته الضيقة. فصارت النقزة أكبر لدى المشككين أو المتضررين. حتى إن نواباً «مستقبليين» ذهبوا أبعد في تخيلاتهم وأكثر في رفضهم الضمني لأن يكون قد حدث لقاء أو بدأ تفاهم. أحدهم قال إن عون ذهب إلى الحريري سراً ليعتذر منه. آخر أصرّ على أن ذهاب الجنرال إلى باريس كان بعد تسليم منه بالتنازل عن ترشحه للرئاسة لمصلحة مرشحين آخرين. وصولاً إلى شائعات على ألسن أخرى، من أن «اللقاء كان مسجلاً وأننا اطلعنا على مضمونه كاملاً وأطلعنا حلفاءنا، واطمأنا وطمأنا!».

في المقابل، بدا الطرف العوني أكثر هدوءاً في الشكل والعلن والإعلام. لكن في السر والهمس وخلف جدرانه المفتوحة، كانت أحاديث أخرى: أكيد أن الرياض والحريري يناوران علينا. إنها عملية «بلف كبيرة». لو أراد سعد فعلاً مقاربة حزب الله، لاعتمد قناة نبيه بري، كما صرح في خطاب 14 آذار، لا قناة الرابية. وبالتالي فلقاؤه مع الجنرال ليس من باب التفاوض الصادق والمقتنع، بل من باب محاولة استمالتنا وإبعادنا عن حلفائنا، لضربنا وضربهم. ثم إن ما بيننا وبين السعودية لا يصلحه أي «عطار». هل من يصدق أن السعوديين سيقبلون بتموضعنا الراهن إقليمياً ولبنانياً؟ هل يقبلون بإعادة النظر في نظام وُلد في رحمهم قبل ربع قرن؟ هل يسمحون ببناء دولة، كما رفعنا شعارها، على أساس الإصلاح؟ مستحيل. تماماً كما يستحيل أن نبدل نحن مواقفنا تلك أو أهدافنا المنبثقة منها. تحت طائلة أن نغتال سياسياً. تصورونا ذاهبين إلى انتخابات نيابية مقبلة: تحت اي شعارات نخوضها؟ ماذا نقول لناسنا وللناس؟! إنها مناورة كبرى، كما تخلص انطباعات الحذرين في المقلب العوني. قبل أن تستدرك: لكن إذا كانت نهايتها وصول الجنرال إلى بعبدا، فهي لا شك تستحق المحاولة...

بعيداً عن ردود فعل المشككين من الطرفين والمتضررين من خارجهما، ماذا لو كانت الخطوة جدية؟ ماذا لو افترضنا حسن النية والحس الوطني وإدراك خطورة المرحلة ومقتضى اللحظة التاريخية، لدى الطرفين؟ ماذا لو كان الرجلان، قد اعتبرا فعلاً من دروس ما مضى، وتهيبا مصيرية ما سيأتي؟ ثم ماذا لو كان الخارج، كل الخارج، أو المؤثر منه فعلياً، قد بات مستعداً لتركنا نرتاح ونريح؟ وأخيراً ماذا لو كان كل الحلفاء، على علم مسبق بما حصل، ومباركين ومشجعين ومسرورين؟ مسألة تستحق المحاولة، بهذا المعنى. لا لكرسي ولا لمنصب ولا لتكرار «ترويكا» بائدة. بل لمجرد خلق فرصة جدية للبلد. فهو ـــ أي أولادنا وناسنا لا غير ـــ يستحق كل الفرص.
2014-03-08