ارشيف من :أخبار لبنانية
المشنوق يقدّم أوراقه إلى السعودية ولو على ظهر الحريري
ماهر الخطيب - صحيفة "البناء"
«في مثل هذه الاجتماعات نحن دائماً في حضرة صاحب السمو الراحل ولي العهد السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله، أمير الحكمة والبصيرة والعزيمة، الذي كانت جهوده في أصل فكرة اجتماع وزراء الداخلية العرب، والذي أسّس منذ سنوات طوال مؤسسة لتبادل الرأي والتعاون العربي في المسائل الأمنية والتنظيمية، وقضايا صون الاستقرار، ومكافحة الجريمة والإرهاب، والذكر موصول اليوم في حضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية في المملكة العربية السعودية الذي تابع نهج والده رحمه الله، مراكماً خبرة عميقة في مواجهة قضايا وتحديات الأمن والاستقرار، وله جولات وصولات في مكافحة الإرهاب».
من خلال هذه الكلمات، انطلق وزير الداخلية والبلديات اللبناني نهاد المشنوق من أجل تقديم أوراق اعتماده الى المملكة العربية السعودية، ولو على حساب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، خلال إلقائه كلمة لبنان في المؤتمر 31 لوزراء الداخلية العرب المنعقد في مراكش، عبر الهجوم على دولتين صديقتين للبنان بالحدّ الأدنى، والهجوم على مكوّن أساسي من مكوّنات المجتمع اللبناني، من دون أن يتنبّه الى أنّ الحكومة التي هو عضو فيها لم تقدم حتى الآن البيان الوزاري الذي من المفترض أن يستند إليه في مواقفه خلال هكذا مؤتمرات.
من وجهة نظر الكثير من الأوساط المتابعة لنشاطه، لدى وزير الداخلية والبلديات الجديد طموح أكبر من منصبه الحالي. هو يريد الوصول الى رئاسة الحكومة بأيّ شكل من الأشكال. على رغم المنافسة الكبيرة داخل تياره السياسي مع رئيس التيار النائب سعد الحريري ورئيس كتلته النائب فؤاد السنيورة، الا أنه يعتبر أنّ التجربة في وزارة الداخلية والبلديات قد تنقله سريعاً الى السراي الحكومية، خصوصاً اذا جاء القرار من السعودية.
من حق مستشار رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، بحسب ما تؤكد الأوساط نفسها، أن يكون لديه هذا الطموح، لا سيما أنه يُعتبر من القيادات البارزة في تيار المستقبل، ولديه القدرة على قراءة التحوّلات السياسية البارزة محلياً واقليمياً بشكل جيد، لكن الأوساط تشدّد على أن ليس من حقه أن يغامر بعلاقات لبنان مع دول صديقة من أجل ذلك، ولا من حقه التهجّم على حزب أساسي عبر مواقف يلزم الدولة اللبنانية بها، في حين أنّ وزراء سابقين تولوا المنصب نفسه لم يقوموا بالأمر عينه، لا بل راعوا حساسية الأوضاع الداخلية الناتجة عن الانقسام السياسي الحاد منذ عام 2005.
وفي هذا السياق، تعتبر الأوساط المتابعة أنه من الضروري العودة الى مواقف وزراء داخلية لبنان السابقين في المناسبة نفسها لمعرفة الخلفية التي ينطلق منها المشنوق في مواقفه، حيث كان التشديد على محاربة الإرهاب والابتعاد عن الخلافات الداخلية من الثوابت الأساسية في كلماتهم، فقد اكتفى الوزير مروان شربل، في آذار من عام 2012، بالإشارة الى «تزايد أعباء المهام الجسام التي تتحمّلها وزارات الداخلية والأجهزة الأمنية في دولنا العربية، بسبب تنامي قدرات الشبكات الإجرامية، التي باتت على قدر كبير من التنظيم، حيث تستخدم آخر ما تتوصل اليه البشرية من تقنيات حديثة، وتنفذ أعمالها بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية في أحيان كثيرة»، وبالتحذير من «تفاقم أخطار ظاهرة الإرهاب التي تهدّد كيانات دولنا العربية، والتي لا تقلّ خطورة عن جريمة الاتجار بالمخدرات والإرهاب، وسائر الجرائم الموصوفة».
وفي شهر أذار من عام 2009، شدد الوزير زياد بارود على «أنّ الإرهاب بات يهدّد الجميع من دون استثناء، وأن استتباب الأمن يرتبط بالدرجة الأولى بهيبة الدولة العادلة والحازمة وثقة الناس بمؤسساتهم الحامية وقدرة الأجهزة الأمنية على مواجهة الجريمة»، داعياً الى «تعزيز التطبيقات العملية للاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب والى إنشاء مكتب عربي مختص بمكافحة الجريمة المنظمة».
وقبلهما، دعا الوزير الياس المر الى محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، وطالب بتفعيل العمل العربي المشترك في مجال الأمن، مؤكداً «ألا خيار إلا محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة لأنهما مرض سريع الانتشار لا يمكن القضاء عليه إلا باستئصاله».
وشدّد المر على ضرورة «تفعيل العمل العربي المشترك خصوصاً في مجال الأمن، حتى لا يضيع لنا حق ولا تسقط لنا قضية»، محذراً من «أنّ يتعب البعض من المواجهة أو يتوهّم بأنّ بلاده غير مستهدفة».
بعد هذا العرض، تسأل الأوساط عما اذا كان المشنوق نسّق كلمته مع رئيسي الجمهورية العماد ميشال سليمان والحكومة تمام سلام، لا سيما عندما قال في معرض حديثه عن الارهاب: «نحن نعرف أنّ لظواهر العنف هذه أسبابها السياسية والاستراتيجية الناجمة عن التدخل الإيراني، والتدخل السوري في الداخل اللبناني، وليس منذ الآن، بل منذ ثلاثة عقود وأكثر، ولأنّ النظام السوري يواجه ثورة، وإيران تواجه تحديات مصيرية كبرى، فقد ارتفعت وتائر الحركة الدموية في سورية ولبنان، وهذا الأمر مدان بالطبع، لكنني ما قصدت ذلك فقط، بل أردت الوصول الى أنّ قسماً رئيسياً من هذا العنف الذي تعانيه دول عربية عدة، ومنها لبنان، يعود إلى الاضطراب في العلاقات مع إيران، وهو ما يتطلب ان يجتهد السياسيون ووزراء الخارجية وقادة الأحزاب الكبرى وقادة الدول لإيجاد المخارج في مواجهة هذا التحدي، كي تصبح البيئات الأمنية أهدأ، ونصبح أقدر على المعالجة والتصدي»، وتشير الى أنّ ذلك يتناقض كلياً مع سياسة النأي بالنفس ومع إعلان بعبدا، اللذين يشدد رئيس الجمهورية على ضرورة الالتزام بهما، وتلفت الى أنّ هذا الأمر كان يستدعي من سليمان أن يبادر الى الاتصال سريعاً بوزير الداخلية والبلديات من أجل سؤاله عما اذا كان يلقي بياناً لكتلة المستقبل باسم الجمهورية اللبنانية.
على صعيد متصل، تطرقت الأوساط نفسها الى كلام المشنوق عن «تحد جديد تواجهه القوى الأمنية والجيش اللبناني. فمنذ عام ونيّف أعلن حزب لبناني على لسان أمينه العام أنه ذاهب الى سورية لقتال من وصفهم بالتكفيريين. وكأنما ما كفانا القتل السوري على الحدود، وأكثر من مليون نازح سوري، أي ما يعادل 25 في المئة من سكان لبنان، صار علينا أيضاً أن نتحمّل مسؤوليات التورّط في دم الشعب السوري المطالب بالعدالة والكرامة، وصار علينا القبول بأنّ هؤلاء الثائرين كفار، دمهم حلال، بحجة أنهم يكفّرون المذاهب الأخرى. هذا مسار يلتقي مع ذاك الذي ذكرته منذ قليل عن الاستثمار في خطوط الانقسام المذهبي، هناك، من يعمل عن سابق تصوّر وتصميم لإعادة إنتاج الحروب الأهلية داخل الاسلام وفق برنامج محدد»، وتعتبر أنّ وزير الداخلية والبلديات ربما يريد من مجلس وزراء الداخلية العرب من خلال هذه الكلمات أن يشكل قوة عسكرية لإرسالها الى لبنان من أجل مواجهة حزب الله بحجة أنه «يعمل عن سابق تصوّر وتصميم لإعادة إنتاج الحروب الأهلية داخل الاسلام وفق برنامج محدد»، وتسأل: «هل بهذه الروحية يريد المشنوق أن تكون انطلاقة حكومة المصلحة الوطنية، التي أشار الحريري الى أنّ قوى الرابع عشر من آذار ستشارك فيها رغم مشاركة حزب الله في الحرب السورية، أم أنه يريد منذ الآن القضاء علي أي فرصة لنجاحها من أجل أن يقدم نفسه كمشرح أساسي للدخول الى نادي رؤساء الحكومات؟»
وتعتبر الأوساط أنه كان من الأفضل لوزير الداخلية والبلديات لو اعتمد في كلمته أمام وزراء الداخلية العرب، القاعدة الأثني عشرية، التي تعتمد على الصعيد المالي عند الفشل في إقرار الموازنة العامة في التاريخ المحدد دستورياً، أي أن يلتزم بمضمون آخر بيان وزاري مصادق عليه من مجلس النواب، لأنه هو الذي يرسم ويحدّد سياسة الدولة اللبنانية وموقفها تجاه كلّ القضايا، فهل ما قاله المشنوق في مراكش يتطابق مع منطوق آخر بيان وزاري؟ أم أنه عبّر فيه عن رأيه الخاص الذي بكلّ تأكيد لا يلزم الدولة اللبنانية، ولا يمكن أن يصرفه الا في الحسابات السعودية التي يدركها جيداً؟
وفي الختام، تشدّد الأوساط على أن هناك مسؤولية على رئيس الجمهورية، تحتم عليه استدعاء وزير الداخلية والبلديات، عند عودته من المغرب، من أجل سؤاله عن مواقفه هذه، خصوصاً أنّ قوى الرابع عشر من آذار لم تكن تقبل أن يمرّ أقلّ من ذلك خلال إلقاء وزير الخارجية والمغتربين السابق عدنان منصور كلمة لبنان في المحافل العربية والدولية!!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018