ارشيف من :أخبار عالمية

سقطة الجامعة

سقطة الجامعة
قاسم حسين-"الوسط"
 

بعد الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر الخميس الماضي، (13 مارس 2014)، بدأت تتسرب من إحدى قاعات جامعة البحرين بالصخير، صورٌ وتعليقاتٌ على مواقع التواصل الاجتماعي، عن حفلٍ سنوي تقيمه الجاليات، أصبحت مثار جدلٍ محتدمٍ تجاوز الحدود المحلية إلى الكويت.

الحفل كان سيمرّ كبقية الحفلات السابقة، دون أن يثير ضجيجاً، لولا ما خالطه من تحدٍ واستفزاز، إذ عمد مقدّمو الفقرة الخاصة بالعراق، إلى تضمين صور الرئيس السابق صدام حسين، فصفّق له بعض الحضور بحماسٍ كأحد الأبطال القوميين.

هذه الحركة الاستعراضية أثارت ردود فعل عنيفة، وسريعة، وتردّد صداها بقوةٍ في «تويتر»، حيث بدأ المغرّدون البحرينيون والكويتيون يستنكرون هذا العمل الخارج عن اللياقة. فمن حيث الأصل، هذا الشخص كان حاكماً دكتاتورياً متسلّطاً، دفع العراق ودول المنطقة ثمن سياساته المتهورة، مالاً ودماً غزيراً، في ثلاث حروب متتالية، كان هو المؤجج لنيران اثنتين منها، فيما جاءت الثالثة ضده لتكون القاضية.

في الحرب الثانية، دفع صدّام بجيشه لاجتياح دولة الكويت، وألحقها كالمحافظة الـ 19 بالعراق، وحوّل شعبها إلى لاجئين لمدة ستة أشهر. وحين تشكّل التحالف الدولي وقام بطرده بالقوة من الكويت، أقدم على تفجير المئات من آبار النفط الكويتي، حيث ظلّت 720 بئراً تحترق لأكثر من عام، وتغطّي سماء الخليج بالسحب السوداء. مليارات الدولارات من ثروة الكويت احترقت في تلك الجريمة النكراء، غير المليارات التي دُفعت من ثروات الدول الخليجية لتسديد فاتورة التحرير.

أثناء الاحتلال العراقي للكويت، سقط مئات الشهداء الكويتيين، وبعد انسحاب جيش صدام، اقتاد مئات الأسرى رهائن، وظلّت حكومة الكويت تبذل قصارى جهدها عبر الأمم المتحدة لإعادتهم دون جدوى، وظلّ مصيرهم مجهولاً حتى سقوط النظام بعد 13 عاماً، حيث وُجد رفاتهم في بعض المقابر الجماعية التي انتشرت في العراق. وهذه حقائق إمّا يجهلها من صفّقوا لصدام، أو يتجاهلونها من باب المكابرة والعصبية الجاهلية.

ذكرى الأسرى والشهداء ظلّت تنزف، وجرح الاحتلال لم يندمل في الكويت بعد، رغم أنه لم يطل لأكثر من ستة أشهر. وفي العام الماضي، أنتج الكويتيون (بعد عشرين عاماً)، مسلسلاً عُرض في رمضان، يصوّر معاناتهم في تلك المرحلة السوداء. من هنا كانت غضبتهم شديدةً مع سماعهم خبر احتفالٍ بجامعة البحرين، يمجّد من احتل بلادهم وشرّدهم في بقاع الأرض.

شخصياً، تربطني علاقةٌ وجدانيةٌ وثيقةٌ بالكويت، من البوابة الثقافية، ومنذ دراستي نهاية السبعينيات بكلية الخليج الصناعية (جامعة البحرين حالياً)، كنت أحرص على شراء المجلات والصحف الكويتية، ومازلت مداوماً على قراءة مجلة «العربي». وكان شعوري بالغضب كبيراً حين قرأت التغريدات الأولى عن هذا الحفل المهين. وهو شعورٌ مشتركٌ بين أبناء شعب البحرين، بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية، لأننا شعبٌ أصيلٌ، نعرف الأصول ونحفظ الود للأشقاء، خصوصاً الشعب الكويتي، الأقرب إلينا ثقافةً وتطلعاً وتسامحاً وكرماً.

كثيرون عابوا على المحتفلين بالجامعة، هذه السقطة الأخلاقية الكبرى، وذكّروهم بأفضال الكويت التي مدّت يدها بسخاءٍ لبناء الكثير من المدارس والمراكز الصحية في طول البحرين وعرضها. ومعيبٌ جداً أن تستضيف جامعتنا الوطنية حفلاً يمجّد هذا الدكتاتور، والأسوأ من ذلك أن تُصدِر بياناً تبرّر فيه هذه السقطة، مدعيةً أنه تم إخراج الفيلم من «سياق معين» و»وضعه في سياق آخر». كنا ننتظر اعتذار الجامعة لشعب البحرين قبل شعب الكويت الشقيق، فهذه السفسطة لا تليق بجامعتنا الوطنية على الإطلاق.

2014-03-16