ارشيف من :أخبار لبنانية

سؤال عرسال وعكار

سؤال عرسال وعكار

ابراهيم الأمين - صحيفة "الأخبار"

في سوريا حرب بوجوه كثيرة. ميدان يتسع لكل حسابات العالم. وشعب بات يختصر مشاكل المنطقة. تماماً كما الشام تختصر العرب. وفي سوريا، مواجهة لا تحتمل الوقوف على الحياد. والإيغال لا يعني الإيغال في الدماء فقط، بل في ما بعد الدماء لمسح الخطايا وعودة الحياة الى من تبقى على هذه الأرض.

في سوريا، لا حاجة إلى سؤال عمن يقاتل، ومن لا يقاتل. لم يعد لهذا السؤال من جدوى. لن يبقى أثر للحدود ولا للهويات ولا للجنسيات. في سوريا، أتون يصلح لحرق الجميع، كما يصلح لحياة الجميع. لكن ليس في سوريا صوت انطواء، أو مزاج انعزال.

ليس بمقدور أحد جعل سوريا بلداً مستقلاً بحدود رسمها الاستعمار. وما كان من أثر لسوريا في كل محيطها قبل الأزمة، سيظل ويكبر بعد هذه الأزمة. لكن السؤال المقلق لا يتعلق بمن يقود الدفة، بل في كيفية إقناع الناس بأن ما حصل لا يمنع العودة الى العيش بهدوء، ولا يمنع العمل من أجل شيء مختلف.

ما حصل في يبرود أمس كان ذروة في جولة. كان منطقياً أن نصل الى هذه النتيجة. الأمر لا يتعلق فقط بالتخطيط والقدرات والمهارات، بل يتعلق، أكثر، بالحقيقة القاسية التي تمنع على فكرة غريبة أن تعيش في أرض غريبة عنها. درس يبرود لأصحاب الفكر الإقصائي ــــ الانقلابي، بأي وجه كان، هو أنه لا مجال لرسم حقيقة غير تلك التي تطابق صورة هذا العالم. ودرس يبرود، لكل معارضي حكم بشار الأسد، أن مشكلتهم ليست مع شرطة أو جيش أو أجهزة أمن، بل مع فكرة أوسع، تشتمل على بشر وعلى ناس لهم موقفهم المعارض لما يحمله هؤلاء من أفكار... غداً، سيخرج من بين هؤلاء من يقول أيضاً: أصلاً، أبناء هذه المنطقة هم أقرب في مزاجهم الى النظام؟
ما حصل في يبرود، أمس، له أبعاده في السياسة والأمن والعسكر. وكل الحكايات الملفّقة أو المركبة، التي وردت وسترد، لن تنفع في تغيير اقتناع أهل الأرض الذين يعرفون بالضبط ما الذي حصل. ولماذا حصل ما حصل. هم وحدهم يعرفون أن المجموعات المسلحة ما كانت لتقدم بديلاً من الدولة مصدر الشكوى. وهم وحدهم يعرفون أن وهم الثورة العالمية سقط قبل عقد وأكثر، سقط يوم فضّل الثائر الانتحار على الصمود والصبر. وهم وحدهم يعرفون الفرق بين مقاتل قادم من على بعد أميال غرباً، من صوب لبنان، وبين مقاتل آتٍ من عالم آخر، من فكر آخر، ومن خطاب آخر، ومن حلم آخر. يعرف أبناء تلك المنطقة أنه مثلما يركن بعضهم الى أهالي عرسال للنجدة أو الدعم، فإن آخرين يركنون الى أبناء الهرمل للنجدة والدعم أيضاً. وكل الخطب التي سمعناها من قادة 14 آذار، ليست سوى حديث الخائبين الفاشلين.

ما حصل في يبرود سيخفف عن دمشق وعن الحكم في سوريا. سيقلص هامش المناورة أمام رعاة الانتحاريين الذين يفدون الى لبنان. سيقفل باب لبنان شيئاً فشيئاً. سيفرض معادلات جديدة بين المعارضين أنفسهم، وبين رعاتهم أيضاً. لكن الذي حصل أمس، لن يقفل الباب أمام الصراع القائم. ولن يمنع نهائياً وصول انتحاريين الى أهداف مدنية في لبنان. ولن يوقف عملية الشحن والتعبئة والتجنيد أيضاً. وربما، يرتكب حمقى، من لبنان أو خارجه، الخطأ التاريخي، بمحاولة نقل المواجهة الى لبنان على شكل مختلف عما شهدناه منذ سنوات بعيدة.

اليوم، ثمة سؤال سوري، يتعلق بخطة الحكم هناك حول آلية استئناف الصلة بالناس في هذه المناطق، وفي كيفية استعادة النازحين، نساءً وأطفالاً ورجالاً أيضاً، وفي فتح قنوات التواصل مع دولة لا تخيفهم.

اليوم، سؤال لبناني أيضاً، يخص من يقود الشارع الداعم لمعارضي الحكم في سوريا. وهل بمقدورهم العودة الى الخلف قليلاً، وإعادة النظر في الأمر، والتصرف وفق حقيقة أنهم فشلوا، لا وفق نظرية أن هناك من أفشلهم؟

من بيده القدرة على تقديم العون لعرسال كي تستعيد موقعها الأهلي في محيطها، والتصرف بمصيرها من دون أن يفرض عليها رأي مجنون يتنقل بموته في جميع المناطق؟

أما في ما خص حزب الله، فالسؤال الذي يطارده أينما ذهب، هو سؤال المصير. سؤال ليس لفرض مسؤوليات إضافية، بل له علاقة بدور إضافي منتظر منه، في سوريا وفي لبنان، وهو دور لا ينحصر في حماية الأهل والحلفاء، بل في حثّهم، ودفعهم نحو التسوية الكبرى، والتي من دونها لا أمل ولا رجاء!
2014-03-17