ارشيف من :أخبار لبنانية
تطورات تُغيّر الميزان ضد مصلحة واشنطن
طارق ترشيشي - صحيفة "الجمهورية"
في غمرة الانشغال اللبناني بأزمة البيان الوزاري، يُلفِت سياسيون الى تطوّرات مهمّة حصلت على المستويات الاقليمية والدولية غابت عن أنظار كثير من السياسيين اللبنانيين، أو حاولوا تغييبها.
أولى هذه التطورات عملية «كسر الصمت» في غزة التي اظهرت انّ المقاومة الفلسطينية في القطاع المحاصر بدأت تتدرّج في المواجهة مع الجيش الاسرائيلي الى ما يمكن اعتباره «توازن الردع» الشبيه بتوازن الردع على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية ما بين المقاومة والجيش الاسرائيلي.
فبعدما أطلقت حركة «الجهاد الاسلامي» وفصائل فلسطينية أخرى اكثر من مئتي صاروخ على مستوطنات في غلاف غزة عَضّ الاسرائيليون على جرحهم وأجروا اتصالات دولية واقليمية واسعة، خصوصاً مع مصر التي بدورها اتصلت بحركة «الجهاد» طالبة منها تثبيت التهدئة.
وقد أظهر هذا التطور المهم انّ اليد الاسرائيلية باتت مغلولة في الجبهة الجنوبية، كما في الجبهة الشمالية، وهو تطوّر سيترك تداعياته على غير صعيد على رغم استعداد معارض سوري بارز للإعلان عن استعداد المعارضة لبيع الجولان لإسرائيل مقابل تدخّل تل ابيب في الازمة السورية لإسقاط النظام، وهو إعلان أحرج معارضين آخرين اضطروا الى التنصّل منه.
اما التطور الثاني فهو الاستفتاء الذي جرى في شبه جزيرة القرم، وأكّد فيه ثلثا سكانها رغبتهم في الانضمام الى الاتحاد الروسي، وهو تطوّر أحرجَ الغرب بكل دوَله بحيث إنّه لم يجد ما يرُدّ به على موسكو أكثر من بعض عقوبات اقتصاديّة يعرف مُتّخذوها ضآلة تأثيرها في الموقف الروسي الذي يتجاهل كثيرون أنّه قد باتَ ذا عمق استراتيجيّ واقتصاديّ واسع يمتدّ من الصين الى دوَل الـ»بريكس» ودول اميركا اللاتينيّة وإيران، وصولاً الى سوريا، من دون إغفال إمكان انضمام تركيا الى الاتّحاد الأوراسي الذي تقوده موسكو بديلاً من الاتّحاد الاوروبّي الذي يرفض انضمام تركيا إليه.
ولقد كشفت الازمة الاوكرانية، كما الازمة السورية، كم هي مغلولة يَدُ الغرب الأطلسي في مواجهة موسكو وحلفائها في العالم.
امّا التطور الثالث، والذي لا يستطيع أحد التقليل من اهمّيته بالنسبة الى الاوضاع اللبنانيّة، فهو نجاح الجيش السوري وحلفائه في استعادة السيطرة على يبرود بعد معركة سهلة نسبيّاً، خصوصاً مقارنة بكلّ ما يُقال عَن صعوبة انتصار دمشق فيها.
وهذه التطوّرات الثلاثة تؤكّد انّ ميزان القوى الاقليمي والدولي بدأ يتغيّر، حسب مراقبين، ضدّ مصلحة واشنطن وحلفائها في المنطقة والعالم. كذلك تفسِّر هذه التطوّرات دور السفير الاميركي في لبنان ديفيد هيل في اتّصالات جَرت في «الليلة الليلاء» (حسب وصف رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لجلسة مجلس الوزراء الأخيرة) من أجل إمرار البيان الوزاري وتجاوز الخلافات المُحتدمة التي حالت دون تمكُّن اللجنة الوزاريّة المُختصّة من التوصّل خلال جلساتها العشر الى صيغة لهذه البيان تُرضي الجميع.
ويقول سياسي مخضرم إنَّ تحرُّك السفير الاميركي في تلك «الليلة الليلاء» يكشف انّ واشنطن أكثر دراية بما يجري في المنطقة والعالم من متغيّرات، ما يجعلها تفضّل الّا تخسر لبنان مثلما خسرت مواقع أخرى في المنطقة والعالم، وذلك على القاعدة الشرعية التي تقول: «ما لا يُدرَك كله لا يُترَك جُلّه». فإذا كانت واشنطن تشعر بأنّها غير قادرة على الإمساك بلبنان كلّه فإنها تفضّل أن تبقى لها حصّة فيه يُمكن ان تتطوّر مستقبَلاً لمصلحتها وحلفائها.
ويضيف هذا السياسي انّ مشكلة بعض السياسيّين في لبنان أنّهم لا يقرأون ما يجري حولهم بدقّة، وإذا قرأوه فإنّهم يقرأونه بأمانيهم لا بالحقائق والوقائع الجارية على الارض.
ويلفت الى زيارة الموفد العربي ـ الاممي للسلام في سوريا الاخضر الابراهيمي الاخيرة لطهران التي تراجعت الامم المتحدة في اللحظة الأخيرة عن الدعوة التي وجهتها اليها لحضور مؤتمر جنيف ـ 2، في تراجع مُخزٍ، ويشكّل فضيحة وسابقة في العلاقات الدولية تظهر ضعف استقلالية المنظمة الدولية في اتخاذ قرارات لا ترضى عنها واشنطن، أو لا يرضى عنها فريق مُتنفّذ في واشنطن على الاقلّ.
فزيارة الابراهيمي لطهران، حسب اعتقاد هذا السياسي المُخضرم، تحمل نوعاً من قراءة فِعل ندامة على تصريحات سابقة له تحدّث فيها بنحوٍ غير مسبوق عن ضرورة عدم ترشيح الرئيس السوري بشّار الاسد نفسه لولاية رئاسيّة ثالثة في بلاده، الامر الذي اعتبرتهُ دمشق تدخّلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وخروجاً للإبراهيمي عن مهمّته.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018