ارشيف من :أخبار لبنانية
طرابلس في ’حمام الدمّ’ مجدداً !
لا يزال الوضع الأمني المتردي في طرابلس، مع إستمرار الجولة الـ 20 من المعارك، محور إهتمام الصحف اللبنانية الصادرة صباح اليوم. ففي حين أسفت بعض الصحف لما يدور من معارك وسقوط قتلى وجرحى، رأت صحف اخرى أن الحل لا يكون إلا برفع الغطاء السياسي عن قادة المحاور وضرب الجيش بقوة.
هذا واشارت الصحف الى تسارع الجهود السياسية والامنية لاحتواء التدهور الواسع، حيث برز اتجاه الى تطوير الخطة العسكرية التي كان كلف الجيش القيام بها لإعادة الأمن الى المدينة.

طرابلس تغرق في حمام الدمّ مجدداً !
بداية مع صحفية "النهار" التي رأت أنه "استعادت محنة طرابلس في جولتها الدامية الـ20 صورة الرهينة المحاصرة بحروب كبيرة ومعارك صغيرة تتداخل فيها العوامل الاقليمية التي لم تعد خافية على احد والعوامل السياسية والمذهبية والامنية الداخلية التي تتستر وراءها حرب استنزاف المدينة. واتخذت هذه المحنة الاطول في تاريخ المدينة متجاوزة في الكثير من وجوهها حقب الحرب الأهلية بعداً بالغ الخطورة على المشهد السياسي الطالع في البلاد مع اقلاع حكومة الرئيس تمام سلام التي تجد نفسها في وقت مبكر جداً في موقع العجز التي ورثته عن الحكومة السابقة التي، على رغم انها كانت تضم خمسة وزراء طرابلسيين، بينهم رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، استعصت عليها عملية المعالجة الجذرية للاهتراء الأمني في المدينة، فاذا بحكومة الرئيس سلام تواجه الآن خطر تفاقم هذا الاهتراء، وفي كل مرة تحت وطأة طغيان عوامل ارتباط محنتها بالأزمة السورية من جهة وبعوامل أخرى طارئة من جهة اخرى ساهمت كلها في استباحة المدينة".
وفي ظل المخاوف التي سادت أمس مع اتساع الاشتباكات وتصاعد الحصيلة الدامية بشرياً والتكاليف الاقتصادية والتجارية والاجتماعية للنزف المتواصل، ذهب وزير بارز الى التخوف من ان تكون طرابلس انزلقت الى مصير مشابه لما عرفته بيروت عام 1975 امتداداً الى سني الحرب الطويلة مذذاك، بمعنى انها باتت رهينة خطوط تماس داخلية واقليمية يصعب ازالتها لارتباطها بعوامل خارجة على قدرة المعالجات المحلية وحدها. وقد بلغت حصيلة الجولة الـ 20 حتى مساء أمس 25 قتيلا ونحو 175 جريحا بينهم أربعة عسكريين اصيبوا امس مع اشتداد ضراوة الاشتباكات على محاور القتال التقليدية في المدينة بين بعل محسن وباب التبانة. وشهدت الساعات الاخيرة ظاهرة خطيرة تمثلت في إلقاء قنابل على دوريات الجيش، كما فجّرت عبوات ناسفة بدورياته وهو تطور لم تشهد الجولات السابقة مثيلاً له.
ومع تفاقم الاوضاع في المدينة التي شلت فيها الدروس وتعطلت معظم المرافق، تسارعت الجهود السياسية والامنية لاحتواء التدهور الواسع، وبرز اتجاه الى تطوير الخطة العسكرية التي كان كلف الجيش القيام بها، ووضعت في أمرته كل الاجهزة والقوى الامنية لتنفيذها قبل اشهر.
وكشف وزير العدل اللواء اشرف ريفي لـ "النهار" عن جهود "قطعت شوطاً لا بأس به للتوصل الى وقف جولات القتال في طرابلس وهذا الحل جاء بعد اتصالات رعاها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة وهو حل سياسي وانمائي وامني نتوقع اذا نفذ كما يجب ان يوقف دوامة العنف المفتعل". وأوضح “ان الحل يتوزع على ثلاثة مستويات: الاول البدء بتنفيذ خطة امنية ناجعة تعيد الاستقرار الى المدينة. والثاني تعويض المتضررين من الاشتباكات. والثالث اطلاق ورشة انمائية لتحريك الوضع الاقتصادي والاجتماعي”. وأضاف انه في موازاة ذلك بدأ التوافق على معالجة ملفات جذرية ابرزها مذكرات التوقيف وبلاغات البحث والتحري المسطرة في حق اشخاص واجراء مناقلات وتغييرات في بعض المراكز الامنية. وشدد على “متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه لحظة بلحظة حتى عودة الاستقرار الى المدينة”، مذكراً بان هذه الاجراءات كان دعا الى اعتمادها في مبادرة اطلقها سابقا لمعالجة الوضع في طرابلس.
كذلك صرح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس لـ "النهار" تعليقا على تطورات طرابلس: “اذا لم تستعد طرابلس توازنها وهويتها فإن لبنان مهدد بتوازنه وهويته”. وقال إنه علم بعد تواصله مع رئيس مجلس الوزراء تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق ان خطة امنية شاملة ستطرح على المجلس الأعلى للدفاع في اجتماعه المرجح بعد غد الاثنين من اجل اقرارها، مشيرا الى ان هذه الخطة جاءت بعدما استمع الرئيس سلام الى وزراء الشمال ونوابه الذين أكدوا ان العلاج الامني الموضعي لم يعد مفيداً. ورأى ان الجانب الانمائي هو في أهمية الجانب الامني. وذكر ان هناك 100 مليون دولار مقررة لطرابلس للانفاق على مشاريع انمائية وتم تخصيصها ايام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لكنها لا تزال مجمدة وهو أمر سيثار في الجلسة الأولى لمجلس الوزراء. كما تحدث عن تجميد غير مبرر لمشروع المنطقة الاقتصادية الحرة والذي يستدعي تعيين مجلس ادارة ومن شأن المشروع في حال انطلاقه ان يؤمن 500 فرصة عمل على الاقل مما يعني ان الكثير من الشبان الذين ينغمسون في أعمال امنية سيجدون امامهم فرصة العيش بكرامة.
وشدد على أهمية تحرك المجتمع المدني اليوم في طرابلس، حيث سيحتشد المواطنون أمام السرايا من أجل الدفاع عن السلم في المدينة ولرفع شعار “تغيير الفاشلين” على مستوى المسؤولين اذا لم يكونوا على قدر تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وعلمت “النهار” من مصادر وزارية، ان جلسة لمجلس الوزراء ستعقد بعد عودة رئيس الجمهورية من قمة الكويت الاربعاء المقبل، مما يعني ان الجلسة ستكون الخميس وهي ستكون الجلسة الاولى للحكومة بعد نيلها الثقة وامامها جدول اعمال حافل بالبنود الامنية والانمائية والادارية، وخصوصاً في ما يتعلّق بملء الشواغر التي قاربت مستويات مرتفعة جدا.
في غضون ذلك، تلقّى الرئيس سلام غداة نيل الحكومة الثقة اتصالاً من الرئيس الاميركي باراك اوباما هنأه فيه بالنجاح في تشكيل الحكومة الائتلافية. كما أكد له، استناداً الى المعلومات الرسمية عن الاتصال، “أهمية اجراء استحقاق الانتخابات الرئاسية ضمن المهلة الدستورية ومن دون أي تدخل خارجي”، وكذلك “أهمية الوحدة الوطنية وتعزيز سياسة النأي بالنفس واستمرار الولايات المتحدة في دعم لبنان”. وأعرب سلام عن تقديره للدعم الذي تحدث عنه الرئيس الاميركي وأكد الثوابت اللبنانية في الحفاظ على مسيرته الديموقراطية.
بدورها، صحيفة "السفير" كتبت أن "مئتي قتيل و1500 جريح على الأقل ودمار لكل مجتمع طرابلس واقتصادها.. في 20 جولة من العبث المجاني. إنها جريمة تُرتكب منذ حوالي الست سنوات. قبل الأزمة السورية ومعها. جريمة الكل شريك فيها. لا أحد يُستثنى من الاتهام، خصوصا أصحاب النفوذ في السياسة والأمن والدين، ممن زرعوا أحقادهم وحساباتهم هنا أو هناك، طمعاً بحصاد واستثمار، فإذا بالأحداث تتجاوزهم والنيران تقترب من عتباتهم.. فيصبح الكل غير مسؤول والكل يتنصل والكل يطالب والكل ينتقد... لكأن الجريمة هناك من صنع أهل المدينة الطيبين، أو من صنع أولئك العسكريين الذين يصلون ليلهم بنهارهم وصاروا أسرى نيران «أمراء» الزواريب والأحياء".
وتضيف "أية جريمة ترتكب في طرابلس اليوم؟ أية فظاعة؟ كيف يرضى أي لبناني عاقل في أي منطقة لبنانية أن يشاهد أخاً له يُقتل بلا ذنب؟ ألسنا جميعا بهذا المعنى شركاء في الجريمة؟ ألا تستحق طرابلس منا جميعا مسيرة؟ صرخة؟ اقتحاماً؟ أي شيء يضع حدا لتلك المأساة الوطنية المفتوحة؟"
منذ العام 2008 حتى الآن، تغيّر العهد، وها هو يوشك أن يمضي ميشال سليمان إلى بيته. تغيرت الحكومات، من فؤاد السنيورة إلى تمام سلام مرورا بسعد الحريري ونجيب ميقاتي. تبدل المجلس النيابي. حصلت ثورات في العالم العربي. تغير النظام العالمي.. لكن طرابلس لم تتغير، بل عادت عشرات السنوات إلى الوراء، لكأن هناك من قرر أن يلقي بأهلها في حفرة الموت السحيق.
وتسأل الصحيفة "أي ذنب اقترفته هذه المدينة الوطنية التي أعطت لبنان كله، ومعه العرب، فكانت منها قامات وطنية في مقاومة الاستعمار الفرنسي، كما في مقاومة "إسرائيل" والانتصار لفلسطين ومصر والجزائر والعراق واليمن؟ أي ذنب يقترفه أولئك الأطفال؟ أية باقات من الورد حملها كل واحد منا للأم الطرابلسية في عيدها.. هل نضعها في بيتها أم عند مشروع قبرها أو قبر أحبتها، أم نقدمها إلى الذين يحرموننا جميعا من بهجة أطفالنا؟"
أية هوية سيجاهر بها واحدنا عندما يرتاد عاصمة عربية أو أجنبية؟ هل سيجرؤ على القول «أنا طرابلسي من شمال لبنان»؟ هل صارت «الطرابلسية» هوية أمراء المحاور وقطاع الطرق والقتل على الهوية وتفجير المحال وزرع العبوات، أم تصدير «الثوار» إلى الأتون السوري أم تدمير الجامعة والمدرسة والاسواق التجارية والمعالم الأثرية وما تبقى من حرف؟
أي ذنب تقترفه مدينة يريدون تحويلها إلى «قندهار» وهي لا تملك إلا خيار العيش الواحد والمجتمع الواحد وتقبل الآخر؟
لماذا كانت هذه المدينة عصية على كل «الوصايات» من «الثورة الفلسطينية» إلى «الزمن السوري»، ولم يعد بمقدورها أن تنتفض على من يريدون فرض وصايتهم عليها بالبندقية والقنبلة والعبوة والتحريض الطائفي والمذهبي، وتسعير الحملات على جيش لا يختلف اثنان على حضور وازن للطائفة السنية، وخصوصا أبناء الشمال، في كل ألويته وأفواجه ووحداته؟
الجريمة كبيرة ولا يمكن السكوت عنها، ومن خاض التعبئة طوال ثلاث سنوات ضد النظام السوري، يريد اليوم أن يعاقب مدينته بسبب خطأ ما في حساباته. يريد استبدال «يبرود» بـ«الجبل» أو استبدال «الرقة» بـ«التبانة» أو «القبّة»...
الرؤوس الحامية لا تجد من يبردها. بالعكس. ينبري نواب من طرابلس والشمال، وبدل أن يتلقفوا فرصة حكومة المصلحة الوطنية، لفرض وقائع جديدة لمصلحة العاصمة الثانية، يصبّون الزيت على نار الانقسامات الوطنية، فمن يكون المستفيد في هذه الحالة؟
كيف لابن طرابلس أن يصرف مكرمة سعودية غير مسبوقة للجيش اللبناني، بقيمة ثلاثة مليارات دولار أميركي، بتسليحه فرنسياً، بينما هناك من يحرّضه ليل نهار ضد الجيش ويصوّره العدو الأول لـ«أمة المسلمين»؟ تجاوز الوضع في طرابلس «لعبة القط والفأر». القرار السياسي أولا أم القرار العسكري؟ الإنماء أولا أم وقف التحريض؟ انتهاء الأزمة السورية أم تحييد المدينة عنها؟ إلقاء القبض على علي عيد أولا أم توقيف المطلوبين هناك؟
لا تستطيع قيادة الجيش أن تقول إن عساكرها وضباطها قد تعبوا، لكن الحقيقة أنهم أُنهكوا وهم عرضة للاستهداف بالرصاص والقذائف والعبوات.. هناك من يريد أن يرمي بهم في النار.. فهل صار لزاماً على اليرزة أن تتخذ قراراً جريئاً يضع الجميع أمام مسؤولياتهم من دون أية محاباة لأحد؟
مدينة طرابلس ليست على حافة الهاوية. إنها في الهاوية. فالوزراء وقادة الأجهزة لن يجتمعوا لإعداد خطة قبل الاثنين، وسيكون للمجلس الأعلى للدفاع موعد بعد القمة العربية (أي الخميس في أقرب تقدير)، وإذا أقرت الخطة ينعقد مجلس الوزراء في أول جلسة عمل رسمية، إما في نهاية الأسبوع المقبل أو مطلع الأسبوع الذي يليه. إنها دعوة من الدولة إلى استمرار القتل وتمديد جولة العنف الحالية لمدة أسبوع. هل هذا سلوك دولة تحترم نفسها أم فيلم رعب سينمائي لا يجوز أن يشاهده الأطفال وضعاف القلوب؟
المدينة تدفع أثمانا باهظة لا يمكن لأي جهة تحمّل تداعياتها، إذا لم تسارع الحكومة ومعها القيادات السياسية المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى وضع حد لحمام الدم المستمر منذ أحد عشر يوماً. لقد أدخلت جولة العنف الـ20 طرابلس في مرحلة أمنية جديدة قد تكون الأخطر على الإطلاق. فالمواجهات لم تعد تقتصر على الاشتباكات العنيفة بين محاور التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن التي شهدت تطورات نوعية على صعيد اســتخدام الأسلحة ومنها دخول عنصر قذائف الهاون، واتساع أعمال القنص الذي يستهدف الأبرياء ممن بلغ مجموع ضحاياهم حتى ليل أمس 21 قتيلا وأكثر من 120 جريحا.
الأخطر أن ثمة استهدافا منظما وممنهجاً للجيش اللبناني، تمثل في البداية بإطلاق الرصاص والقنابل والقذائف الصاروخية على بعض النقاط العسكرية، ليتطور الأمر بعد أسبوع من المواجهات زرعا للعبوات الناسفة في الطرق التي تسلكها الدوريات المؤللة للجيش لتفجيرها عن بعد.
وتتابع الصحفية أنه "يطرح هذا الاستهداف المتنامي للمؤسسة العسكرية الآتي: أولا، ثمة استدراج للجيش الى معركة داخلية في طرابلس تؤدي إلى إرباكه واستنزاف قدراته والنيل من هيبته وسمعة قائده عشية الاستحقاقات الدستورية. ثانيا، استخدام طرابلس بهدف إشغال الجيش عن مهماته الأساسية التي يقوم بها في ملاحقة الإرهابيين ورصد السيارات المفخخة. ثالثا، محاولة إضعاف الجيش في طرابلس وإظهاره بأنه يحتاج إلى حماية، بما يسمح للمجموعات المسلحة على تنوع إنتماءاتها ومناطقها بأن تصول وتجول كما يحلو لها، وأن تفرض قوانينها وسطوتها على مختلف المناطق، بعدما خرجت الأمور عن سيطرة كل القيادات السياسية والأمنية والدينية في المدينة.
رابعا، إشغال الجيش بالدفاع عن نفسه وبالاشتباكات على المحاور، من أجل إدخال العديد من المسلحين العائدين من سوريا إلى طرابلس وترتيب أوضاعهم بعيدا عن الأعين الأمنية. ولعل أكثر ما يخيف أبناء المدينة هو أن يؤدي هذا الاستهداف المتواصل للجيش إلى وقوع إصابات أو شهداء في صفوف العسكريين، على غرار ما حصل في مخيم نهر البارد وعبرا، عندها ستكون المدينة أمام مفترق طرق، فإما أن تدعم الجيش في إستئصال كل من يثبت تورطه بالاعتداء عليه، وإما أن تترك نفسها لمن يريدون تحويلها إلى إمارة على غرار «إمارة الثمانينيات». والكلمة بعد للدولة، بوصفها المرجع الوطني والمسؤول الاول والاخير.
وتحت عنوان ""المستقبل" يخطف طرابلس: أريد الأمن والسياسة والإنماء"، كتبت صحيفة "الأخبار" أنه "حين تتكرر موقعة عبرا في طرابلس، كما تؤكد كل المواجهات بين الجيوش والتكفيريين، لن يتردد الوزير أشرف ريفي في دعوة قائد الجيش إلى عشاء تكريمي. وسيغدو شغله الانتخابي الشاغل نقل الإرهابيين من سجونهم إلى سجن القبة. حتى ذلك الوقت، لا مشكلة في تأزيم الوضع أكثر، وتعقيد مهمة الجيش لتحسين شروط المستقبل التفاوضية
وتضيف "قبل ثلاثة أسابيع، عمدت مجموعة من الملثّمين إلى قتل مواطنين وإصابة ستة آخرين بالرصاص في أقدامهم في أحياء مختلفة من مدينة طرابلس. ظن كثيرون، يومها، أنها «دفعة» إضافية، ضمن الحساب الدمويّ المفتوح بين تكفيريي المدينة وعلوييها، إلا أن الغرف الأمنية لاحظت، وسط تكتم شديد، أن الضحايا هذه المرة لم يكونوا علويين، وتجمع غالبيتهم علاقة ما باستخبارات الجيش".
أمس، أعلن الجيش في بيان رسميّ ان عبوة ناسفة، كانت مزروعة إلى جانب الطريق في منطقة البحصاص، انفجرت اثناء مرور دورية تابعة للجيش. في ظل معلومات غير أكيدة عن أنه الاستهداف الثاني للجيش، بالطريقة نفسها، خلال أقل من 48 ساعة، ما يؤشر إلى حجم التطور في المواجهة الطرابلسية الجديدة.
بين الحادثتين، يسجل ميدانياً انتقال الحرب، في شكل واضح وعلني، من مواجهة بين باب التبانة وجبل محسن، إلى مواجهة بين عشرات المجموعات المسلحة والجيش، واستهداف المسلحين المباشر للعسكريين وناقلات الجند والحواجز بقذائف «آر بي جي» والرمانات اليدوية والإنيرغا.
شعبياً، يسود الصمت مختلف المستويات المدنية، برغم استفادة المسلحين حصراً من هذا الصمت. سياسياً، اجتمع نواب المدينة و«اللقاء الوطني الاسلامي» و«فعاليات باب التبانة» في منزل النائب محمد كبارة، المناوئ للوزير اشرف ريفي، ليطالبوا بـ: أولاً، إعادة بناء الثقة بين أبناء المدينة والجيش، وهذا يجري عبر إجراء تحقيق شفاف عما يشاع (يشيعه المسلحون والمحرضون على الجيش) عن عمليات تصفية جسدية لعدد من المطلوبين، وإعادة النظر في الإجراءات الأمنية التي يتخذها الجيش في بعض الأحياء، وعدم إفراطه في استخدام القوة. وثانياً، تطبيق العدالة على كل المخلّين بالأمن «بدءاً» من المتورطين في تنفيذ التفجيرات الإرهابية في مسجدي التقوى والسلام.
أما ريفي، فكان يسرب، عبر وسائله المعروفة، مشروعه لحل يكاد يتطابق مع مشروع كبارة، يتجاهل خطر التكفيريين ووجود فريقين في النزاع التاريخي القائم بين جبل محسن وباب التبانة والاستهداف المباشر للجيش، ويطالب بـ: أولاً، انسحاب الجيش من باب التبانة تحت عنوان إعادة بناء الثقة مقابل تعهّده شخصياً إعطاء الجيش مهلة 24 ساعة للرد على مصادر النيران حين تأتي من جبل محسن باتجاه باب التبانة. ثانياً، تبديل قادة الاجهزة العسكرية والامنية وقادة الوحدات. وثالثاً، حل الحزب العربي الديمقراطي واعتقال علي عيد.
تزامن هذا كله مع ثلاث مفارقات حريرية: أولاً، شغل الجيش في مناطق نفوذ تيار المستقبل باعتصامات متفرقة وقطع طرقات وغيره، وتحميل نواب المستقبل المؤسسة العسكرية مسؤولية الضحايا الذين يسقطون في هذه المنطقة أو تلك. ثانياً، تمويه هوية من يقاتلون في طرابلس وإظهارهم بمظهر «عفاريت» مجهولي الهوية ظهروا فجأة، فلا هم مناصرون لتيار المستقبل بحسب الحريريين، ولا هم قاعديون بحسب الشيخ نبيل رحيم، ولا هم من مقاتلي المحاور بحسب ريفي. وثالثاً، نقل نحو مئتي مقاتل من الجبهة السورية بسيارات يدفع السعوديون ثمن وقودها إلى الأحياء الطرابلسية الشعبية. وبناءً عليه، تكون الصورة بناء على ما سبق كالتالي: ثمة جيش يستنزف في تظاهرات طيارة مسلحة على امتداد مناطق نفوذ تيار المستقبل على كامل مساحة لبنان؛ يقاتل في طرابلس أشباحاً يتمتعون ببيئة تحضنهم بصمتها؛ يطالب السياسيون بتغيير قادته في المعركة ويتبنّون حجة التكفيريين في التحريض عليه؛ ويغزو طرف خارجي صفوف المعتدين عليه ليس بالسلاح فحسب، بل بالمقاتلين أيضاً. وتطورت الحرب ضده، من الاستهداف بالأسلحة التقليدية إلى قتل مخبريه، واستهدافه بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة.
وترى الصحيفة أن ما يحصل في طرابلس، هذه الأيام، ليس مجرد جولة قتالية أخرى. ما يقترحه تيار المستقبل، عبر كبارة وريفي، هو إعطاؤه في السلم ما عجز عن أخذه في الحرب: إعدام علي عيد، تنظيف المدينة من التكفيريين، تسليمه مختلف أجهزتها الأمنية، وإعلان حالة طوارئ اقتصادية فيها لضخ الأموال ومختلف المساعدات عبر نواب المستقبل ووزرائه طبعاً. وغسل المستقبل يديه من الإنهاك المبرمج للجيش في مناطق النفوذ الحريريّ مستحيل، لأن التظاهرات التي تخرج بتنظيم استثنائي في اللحظة الأمنية ـــ السياسية نفسها في أكثر من منطقة لا يمكن أن تكون مجرد تضامن شعبي عفويّ مع عرسال.
وحتى حين حاول التكفيريون، ممثلين بأحمد الأسير، إنهاك الجيش بتظاهرات مماثلة قبل بضعة اشهر كان فشلهم واضحاً؛ إلا إذا كان تيار المستقبل مستعداً للاعتراف اليوم بأن ثمة طرفاً آخر قادرا على تحريك الشارع بهذه الطريقة في معاقله، وعندها يتعين على المجتمع الدولي وحزب الله البحث عن هذا الطرف وتحديده للتفاهم معه بدل إضاعة الوقت مع تيار المستقبل. أما «حصار» عرسال الذي يتذرّع به المستقبليون للتحريض والتهديد، فهو حصار أمني ـــــ لا غذائي أو اجتماعي أو اقتصادي ــــ يستهدف الحد من تسلل السيارات المفخخة من جرود عرسال إلى المناطق اللبنانية الأخرى، وهو ما يتجاهله نواب المستقبل بالكامل، مشيرين إلى أن حواجز اللبوة تستهدف عرسال، فيما هي تحمي البقاع الشمالي والضاحية من الاستهداف الانتحاري لها.
المعطيات الأمنية الجدية تشير إلى وجود مجموعتين رئيسيتين تقاتلان الجيش في طرابلس اليوم: تضم الأولى مجموع "الداعشيين" و"النصرة" والمولويين (نسبة إلى شادي المولوي)، وقد عُززت صفوف هؤلاء في اليومين الماضيين بأكثر من مئة مقاتل يفترض أن يلتحق بهم نحو مئة إضافيين فور مغادرتهم المستشفيات المختلفة حيث يتلقون العلاج. ويترأس الثانية عميد حمود، الحريريّ الهوى، الذي ما كان ليدخل المعركة لولا وجود قرار مستقبلي، من دون إسقاط المصادر من حساباتها أن «دفش» ريفي لحمود يرمي، ربما، إلى جر التكفيريين إلى معركة مع الجيش تنهيهم بالكامل وتريح المدينة منهم وتحقق المطلب الأميركيّ من السعوديين بإنهاء المجموعات التفكيرية خارج سوريا. ولن يكون ريفي مستاء، بحسب أحد الخبثاء، من أن يلقى حمود مصير التكفيريين انفسهم جراء محاولاته المستمرة اقتطاع جزء لنفسه من جبنة ريفي الشعبية والمالية.
وتضيف "يلعب تيار المستقبل بنار حقيقية. هو لم يشهر سيفه لقتال التكفيريين كما كان كثيرون يتوقعون، ولم يرفع الغطاء عنهم، بل يعرقل عمل الجيش، واضعاً عصياً متعددة في دواليبه. والأسوأ من هذا كله أنه يوفر الغطاء السياسي والسيارات والاستشفاء لتكفيريين لا يريدون سوى تفجير أنفسهم، ناقلاً بذلك الأزمة السورية بوضوح إلى الأراضي اللبنانية. لا معنى لكل ما تشيعه أدبيات المستقبل وحلفائه من اليوم وصاعدا عن تدخل حزب الله في سوريا؛ حزب الله يرسل مقاتليه من لبنان إلى سوريا، فيما تيار المستقبل يحضر المقاتلين من سوريا إلى لبنان. لا بدّ أن يلاحظ الرأي العام الفرق. كل تصريح حريريّ يصدر من هنا وهناك تتجاوز كلماته عبارة «هؤلاء تكفيريون يفترض بالجيش أن يتغداهم قبل أن يتعشونا جميعاً» هو مناورة حريرية ترمي إلى حماية التكفيريين وتبرير افعالهم وإطالة أمد الأزمة.
الى ذلك اعتبرت صحيفة "الجمهورية" أنه "بعدما اجتازت حكومة الرئيس تمّام سلام امتحان الثقة، يدخل لبنان عمليّاً الثلاثاء المقبل 25 آذار الجاري في المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جمهورية جديد، وقد سارعت الولايات المتحدة الأميركية عبر رئيسها باراك أوباما إلى التقاط عنوان المرحلة الجديد بالتأكيد على «أهمّية إجراء استحقاق الانتخابات الرئاسية ضمن المهلة الدستورية، ومن دون أيّ تدخّل خارجي»، ما يؤشّر إلى مدى الاهتمام الدولي بلبنان وبهذا الاستحقاق تحديداً، وينمّ عن رسالة أميركية مزدوجة: الأولى للداخل بضرورة انتخاب رئيس جديد، والثانية للخارج بتحذيره من التدخّل في هذا الاستحقاق. وفي موازاة ذلك بقيَ الحدث الأمني في الطليعة، وتحديداً النزيف المستمرّ في طرابلس، على رغم الاجتماعات الأمنية والمناشدات السياسية والدعوات لوقف إطلاق النار، وآخرُها مساء أمس، فيما التحدّي الأساس أمام الحكومة ليس وَضع حدّ للجولة الأخيرة، إنّما الحؤول دون الذهاب نحو جولة جديدة. ووسط كلّ ذلك وجّه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان دعوة رسمية إلى الحوار في الحادية عشرة قبل ظهر الاثنين 31 الجاري، في ظلّ كلام عن أنّ مشاركة «حزب الله» في هذه الجلسة غير محسومة.
وعلمت «الجمهورية» أنّ الأسبوع المقبل سيشهد تنشيطاً للاتّصالات الديبلوماسية، وذلك بعد عودة عدد من السفراء من الخارج. وفي هذا الإطار هنّأت الخارجية الأميركية الحكومة اللبنانية الجديدة بنيلها ثقة مجلس النواب. وتلقّى الرئيس سلام اتصالاً هاتفياً من الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي هنّأه على ما تحقّق من نجاح في تأليف الحكومة الائتلافية، متمنّياً له التوفيق في مهامّه، وأكّد له أهمّية إجراء استحقاق الانتخابات الرئاسية ضمن المهلة الدستورية ومن دون أيّ تدخّل خارجي، وشدّد على أهمّية الوحدة الوطنية وتعزيز سياسة النأي بالنفس، وكذلك استمرار الولايات المتحدة الاميركية في دعم لبنان. بدوره، أبدى سلام تقديره للدعم الذي أعرب عنه الرئيس الاميركي، مؤكّداً على الثوابت اللبنانية في الحفاظ على مسيرته الديموقراطية.
إلى ذلك، لمس الذين تحدّثوا مع السفير الأميركي في لبنان دايفيد هيل، الذي عاد أمس إلى بيروت آتياً من بلاده، ارتياحه الى تأليف الحكومة ونيلها الثقة وتركيز أولوياتها على مواجهة الأعمال الإرهابية. وتوقّع هؤلاء أن يترجم هيل دعم بلاده للحكومة بمساعدات جديدة للبنان وبتسريع عملية تسليح جيشه.
وقالت مصادر ديبلوماسية مواكبة للموقف الأميركي لـ "الجمهورية" إنّ الإدارة الأميركية تضع نصب أعينها اليوم الاستحقاق الرئاسي، وذلك بعد إنجاز الإستحقاق الحكومي الذي دفعت باتّجاهه من خلال حضّ القوى السياسية على التوافق لتأليف الحكومة، نظراً إلى خطورة الفراغ وأهمّية قيام حكومة تهتمّ بإدارة شؤون الناس والبلاد ومواجهة التحدّيات السياسية والأمنية والاقتصادية، وترسيخ الاستقرار الذي يشكّل حجر الزاوية للنهوض والتطوّر. ولدى سؤال المصادر عن موقفها في حال خُيّرت بين الفراغ والتمديد، أجابت أنّها «ضد الفراغ والتمديد، ومع الإنتخابات في توقيتها الدستوري، ومع وصول المرشّح الذي ينتخبه المجلس النيابي ويلتزم تطبيق الدستور».
وقالت مصادر وزارية مطلعة إنّ الدوائر المختصة في السراي وبعبدا بدأت تحضير جدول أعمال أوّل جلسة لمجلس الوزراء وفق الأولويات التي يراها الطرفان مهمّة لبَتّها بعد عام كامل من الشلل الحكومي، خصوصاً أنّ اليوم يصادف مرور عام على بقاء البلاد بلا حكومة منذ أن تقدّم رئيسها نجيب ميقاتي باستقالته يوم الثاني والعشرين من آذار الماضي.
وذكرت أنّ تفاهماً مبدئياً جرى على التمديد لنواب حاكم مصرف لبنان كما اقترح الحاكم، وهم أربعة تنتهي ولايتهم الأولى نهاية الشهر الجاري. وقالت إنّ أوّل عملية استمزاج رأي دلّت على أنّ التركيبة لن تتغيّر هذه المرّة وأنّ القرار بالإجماع على التمديد لولايتهم أربع سنوات جديدة.
وظلّ التوتر سيّد الموقف على الارض في طرابلس، ولم تفلح المساعي السياسية التي بُذلت أخيراً والتدابير الامنية في الحدّ من الاشتباكات التي اشتعلت على محاور القتال، واشتدّت في ساعات الليل، واستُخدمت فيها القذائف الصاروخية. وبلغت حصيلتها 24 قتيلاً و175 جريحاً. وأدّت المواجهات أيضاً إلى احتراق عدد من المنازل وتضرّر مساكن ومحالّ تجارية وسيارات، وباستهداف جديد للجيش، ما أدّى الى إصابات جديدة في صفوف العسكريين.
وفي هذا السياق عبّرت مصادر أمنية مطلعة لـ "الجمهورية" عن قلقها من مخطط استهداف الجيش اللبناني في طرابلس، في محاولة مكشوفة لجعلِه طرفاً في الإشتباكات المفتوحة على كلّ السيناريوهات السلبية، في ضوء استمرار المعارك في سوريا.
وقالت المصادر إنّ وراء مسلسل استهداف دوريات الجيش ومراكزه في المدينة مخططاً إجرامياً تطوّر فجر أمس باللجوء إلى تفجير عبوة ناسفة بدورية في محلّة البحصاص، الأمر الذي أعاد التذكير بالعمليات التي استهدفت الجيش في المنطقة ما بين عامَي 2007 و2008 بعد معارك نهر البارد.
وقالت المصادر إنّ الأجواء ازدادت تشنّجاً بمجرّد وصول الأنباء من سوريا عن لائحة القتلى اللبنانيين في المعارك التي دارت في قلعة الحصن ومحيطها في الأيام القليلة الماضية.
هذا ورأت صحيفة "البناء" أن "مخاطر فشل مشروع وقف إطلاق النار في طرابلس الذي أعلن عنه بعد اجتماع سياسي أمني ليل أمس، وأعلن قادة المحاور أنهم غير معنيين بما صدر عن الاجتماع، كشفت أن العاصمة اللبنانية الثانية تتجه نحو المجهول. العجز الذي بدأ في إنهاء الحرب المندلعة في طرابلس طرح علامات استفهام كبرى حول مستقبل الحكومة الجديدة، وجدية القوى المشاركة فيها على تنفيذ التزاماتها أو مدى قدرتها على ذلك .
والسؤال هو مع ازدياد عدد القتلى إلى خمسة وعشرين والجرحى إلى مئة وخمسة وسبعين هل دخلت طرابلس آتون الاحتراق المفتوح بما يتعدى تفسيره وجود عناصر غير منضبطة أو سيطرة الفعل ورد الفعل على محاور القتال؟ التفسير لما يجري مع بلوغه هذا المدى الزمني المتمادي، وهذا المستوى من الشراسة والهمجية في استهداف الناس وأمنهم، صار فضيحة سياسية كاملة، فالأحداث أقرب للعبثية وتعبير عن تفاهة الكلام السياسي الذي يسمعه الناس تكراراً ممجوجاً على ألسنة سياسيين مسؤولين، بيدهم صناعة القرار ويملكون أدوات التنفيذ ويكتفون بلعب دور المحلّل السياسي أو الناصح الاجتماعي، بلغة ينبغي ومن المفروض ومن غير المقبول ومن غير الجائز، ليتساءل الناس عن هوية الجهة التي يمكن أن يسمعوا منها معادلات رجال وسيدات الدولة، من عيار سنمنع وسنقمع وسيكون، أو منعنا وقمعنا وقرّرنا وكان؟
في السياسة تنفجّر طرابلس على إيقاع التتمة للمعزوفة التي بدأها تيار «المستقبل» بقطع الطرقات استنكاراً لسقوط يبرود والزارة من أيدي مسلحي القاعدة، ونزوح بعضهم نحو عرسال ووادي خالد، وفي مسعى واضح لتأمين الحماية والغطاء لهذا النزوح . دخول الجيش إلى عرسال بدا مقيّداً بضوابط لا تزال تحول دون اعتبار عرسال قد صارت بعهدة الجيش، فما جرى لا يتعدى فك الاشتباك بين عرسال وجيرانها المحتجّين على تحوّلها إلى خزّان للسيارات المفخّخة بديلاً من يبرود ورأس العين.
ما تشهده طرابلس يقع بين فرضيّتي تحوّل المجموعات التابعة للقاعدة والمتغلغلة في شارع «المستقبل» إلى قوة فاعلة نافذة مستقلة القرار، بعدما نجحت في تجويف تيار «المستقبل» والاستيلاء على الجزء الحيوي من شارعه وكوادره، وما عاد بيده إمساك القرار فارتضى التعايش والمساكنة والممالأة وادعاء إمساك الشارع والقرار، بتبني خطاب الجماعات المهيمنة وتسويقه والدفاع عنه، أو أن الجهة الممسكة بقرار «المستقبل» والمجموعات المسلحة تدير بينهما تقسيماً وظيفياً يريد اشتعال طرابلس، لرمي كرة النار الطرابلسية بوجه المقاومة وحلفائها وفقاً لمعادلة تتصل بما يجري في سورية .
يستعيد مرجع دبلوماسي ووزير خارجية سابق ما سمعه من وزراء عرب عن معادلة سعودية سوّق لها في الصيف الماضي، وتحدثت عنها قناة العربية مراراً بصفتها رسالة سعودية قالت إنها وصلت إلى حزب الله، ومضمونها أن حرب القلمون مقابل إشعال طرابلس، ولم تكن معارك قارة والنبك ودير عطية قد بدأت بعد، لترسم قناة العربية وينقل الوزراء العرب معادلة قوامها أن مشاركة حزب الله في حرب القلمون لإسقاطها من أيدي المسلّحين ستعني إسقاط جبل محسن بيد مسلحي طرابلس .
يربط المرجع الدبلوماسي لـ«البناء» بين ما دار على مسامعه في الصيف وما سمعه من دبلوماسيّ عربي قبل أيام قليلة عن أن القلمون لم تسقط بعد، فيبرود على أهميتها لقربها من عرسال التي تشكل خط الإمداد الرئيسي لريف دمشق، وبالتالي إبقاء فرص الضغط على العاصمة السورية، يمكن تعويضها في الزبداني التي تقابل بالمسافة نفسها مجدل عنجر، المؤهلة للعب دور مشابه لعرسال. إذاً وصلت الرسالة لحزب الله واعتبر أن معركته تنتهي مع يبرود، وإلا فإنّ تداعيات الوضع في الشمال لا يمكن السيطرة عليها، وسيؤدي ما وصفه الدبلوماسي العربي الكبير بحال الاحتقان والغضب من الشعور بالهزيمة، ستنفجر بصورة تصعب السيطرة عليها، خصوصاً أن اللبنانيين المشاركين في معارك الزارة والحصن يعودون بالعشرات جثثاً لقتلى يصعب تشييعهم خارج غطاء معارك طرابلس، طالما أنهم ينتمون لمناطق شمالية يمكن تبرير انتقالهم منها للقتال في طرابلس .
هل يجري تشييع قتلى الزارة والحصن بالتدرّج كقتلى يسقطون في معارك طرابلس للتغطية على سقوطهم هناك؟ وشحن النفوس لتبرير التصعيد والمزيد من التحريض على جبل محسن وهل هي المعادلة السعودية مرة أخرى: طرابلس مقابل الزبداني؟
وهل أن التدخّل السعودي يأتي لتعويض الفشل «الإسرائيلي» في رسم خطوط حمراء لمشاركة حزب الله في القتال في سورية، في ضوء النتائج التي حاولت رسمها الغارات «الإسرائيلية»، وجاءت عبوات مزارع شبعا والجولان بعد صواريخ جبل الشيخ، لتنسفها وترسم عكسها تماماً في قواعد الاشتباك؟
في هذا الوقت، وبعد حصول حكومة تمام سلام على ثقة أكثرية نيابية بلغت 96 نائباً، يفترض أن تتحرك الحكومة لمعالجة الملفات الساخنة بدءاً من الملف الأمني الذي يبقى في أولوية اهتمام المواطن اللبناني، خصوصاً في ظل انفلات المسلحين في طرابلس، وأيضاً مئات المسلحين الذين هربوا من سورية باتجاه عرسال ووادي خالد بعد تمكّن الجيش السوري من تطهير يبرود ومنطقة ريف حمص الشمالي، بما في ذلك قلعة الحصن.
وفيما دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى انعقاد طاولة الحوار في 31 الجاري يبقى جرح طرابلس ينزف يومياً من دون أن تظهر في الأفق أي إمكانية لوقف هذا النزيف وإخراج المدينة من عبث المسلحين وأخذ أهلها رهينة لحسابات خارجية.
وإذا كان الاجتماع الوزاري والأمني الذي انعقد قبل يومين في قصر بعبدا بقيت نتائجه حبراً على ورق، حيث استمر المسلحون يمارسون اعتداءاتهم على المواطنين ووحدات الجيش اللبناني وسط صمت مريب من فريق «14 آذار» وقوات «المستقبل» في المدينة، فحصدت اشتباكات الأمس سبعة مواطنين وجرح العشرات بينهم عدد من الأطفال وعدد من جنود الجيش اللبناني، بالإضافة إلى تفجير عبوة بدورية للجيش في البحصاص.
لذلك فإن تمادي المسلحين في اعتداءاتهم بات يتطلب قراراً واضحاً من الحكومة أولاً، والقوى السياسية التي تغطي المسلحين ثانياً، بوضع حد لهذا الفلتان الأمني وإعادة طرابلس إلى أهلها الذين كفروا بالدولة وبمؤسساتها التي لا تستطيع وقف عبث مجموعة قليلة من المسلحين، بل إن الأخطر مما يحصل في طرابلس هو ظهور خطة مبرمجة تستهدف الجيش لإخراجه من المدينة وجعلها إمارة للجماعات المسلحة المتطرفة.
وفي المعلومات التي حصلت عليها «البناء» فإن الساعات الماضية كشفت عن خطة ممنهجة تستهدف الجيش في طرابلس بتغطية سياسية من تيار «المستقبل» ومن يدور في فلكه، وقد أكدت الوقائع أن هذا الاستهداف أخذ يتصاعد في الأيام الأخيرة بشكل مطّرد، ما يجعل الحكومة الجديدة أمام مسؤولية جدية، خصوصاً أن هناك من يحاول اختطاف طرابلس وإنشاء إمارة التكفيريين فيها.
اللافت غياب الاجتماعات والاتصالات الجدية للجم الموقف على رغم المسرحية البكائية التي مثّلها نواب «المستقبل» في جلسة الثقة، وانعقاد سلسلة من الاجتماعات الأمنية التي لم تسفر عن إطلاق يد الجيش فعلياً ولم تشكل له أي غطاء سياسي جدّي، وهذا ما أكده الرئيس بري حين قال: إن السياسة هي التي أفسدت الخطط الأمنية وليس الأمن.
وقد انتشرت أمس «أفلام اليوتيوب» عبر الإنترنت تؤكد الأوامر التي يعطيها قادة المجموعات المسلحة لعناصرهم لضرب آليات ومواقع الجيش اللبناني، بينما أخذت تتصاعد نغمة إبدال الضباط في محاولة مكشوفة للتأثير في معنويات المؤسسة العسكرية وترك الوضع مفتوحاً لكل الاحتمالات.
وعلمت «البناء» أن اتصالات أجريت مساء من فاعليات طرابلسية مع مراجع رفيعة في إطار السعي لتدارك الموقف، لكن السؤال الذي بقي مطروحاً: ماذا ستفعل الحكومة وفيها وزراء شماليون وغير شماليين يفترض أن يلعبوا دوراً لإنقاذ المدينة، لأنهم أصبحوا في السلطة ولم يعد هناك من مجال لرمي المسؤولية على غيرهم.
وقالت مصادر أمنية لـ«البناء» إن المطلوب من القوى السياسية المختلفة، بدءاً من الموجودة في طرابلس، رفع الغطاء السياسي فعلياً وليس كلامياً عن المسلحين، لأنه من دون ذلك ستبقى المعالجات ناقصة، لتضيف: أن ما يحكى عن رفع الغطاء السياسي حتى الآن لم يترجم بدعم إجراءات الجيش وما يقتضيه الأمن في طرابلس من خطوات ضرورية لإنهاء الوجود المسلح، ولاحظت أن البعض يتحدث شيئاً في العلن ويتصرف في الشارع بعكس ما يقوله، وهو الأمر الذي يدفع المسلحين للاستمرار في اعتداءاتهم على المواطنين، لا بل التعدي على الجيش.
في الشأن السياسي، دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، أعضاء هيئة الحوار الوطني إلى جلسة تعقد في 31 الجاري وأعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئاسة وجهت الدعوات في ضوء تشكيل حكومة المصلحة الوطنية الجامعة... وانطلاقاً من «نهج الحوار الذي لا أرى له بديلاً منه للتوافق على كيفية مواجهة المخاطر المحدقة بلبنان وفي مقدمها تلك المتأتية عن العدو «الإسرائيلي» وعن الإرهاب وعن السلاح المستشري عشوائياً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018