ارشيف من :أخبار لبنانية
الكتائب حزب السلطة: «عَ الصخر منحفر... مكاسب»
ميسم رزق-"الأخبار"
لم يصدّق أحد «فنعة» حزب الكتائب بالتلويح بالاستقالة من حكومة الرئيس تمام سلام. حزب السلطة لا يملك مقوّمات المعارضة. وورقة اليانصيب الحكومية الأخيرة التي فاز بها لن يتخلّى عنها بسهولة، مهما كان «دوز المقاومة» في البيان الوزاري. الحزب العائد من «كوما» طويلة لن يفرّط بالمكتسبات الأخيرة... الحزب العريق «عَ الصخر بيحفر... مكاسب»!
يصعب فهم حزب الكتائب. يمكن رئيس الحزب أمين الجميل أن يقول الشيء ويفعل نقيضه. ويمكن وارثه السياسي، سامي، أن يلعب دور «الثائر» ويدغدغ، ببساطة ومن دون «رتوش»، مشاعر الشباب المسيحي بكل ألوانه. وأن يتصرّف، في الوقت نفسه، وفق ما تقتضي مصلحة حزبه، لا مصلحة المسيحيين. يستطيع «الجميّلان»، الأب والإبن، ومعهما كل الوجوه السياسية والنيابية والوزارية في الحزب، صياغة أفكار وطروحات لا يفهمها لا عدوّ ولا صديق.
يُمكن أن يتنطّح، في صفوف الكتائبيين، دعاة الحرص على مؤسسات الدولة ضد «الميليشيات» الخارجة عن سلطتها. لكن هذا لا يعني حرباً دائمة مع هؤلاء «الخارجين». لا بأس من هدنة مؤقتة، ما دامت تؤمّن زيادة نصيب الحزب في أي استحقاق! هكذا هو حزب الكتائب، الذي يجهد منذ عام 2005 لإعادة بناء نفسه، بعدما «أكلته» القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، ليتحوّل، بعد الطائف، إلى الحزب الرقم 3 على الساحة المسيحية، ورقم مهمّش على الساحتين المحلية والإقليمية. وهو ما لم يكن سهلاً على «كتائب» اعتادت أن تكون لها الكلمة الفصل في غالبية الملفات الثقيلة، داخل السلطة وخارجها، منذ الخمسينيات حتى أواخر الثمانينيات.
لا يمكن رئيس الحزب السابق كريم بقرادوني الحديث عن الكتائب الا بالعودة إلى الجذور. الجذور هنا تعني الرئيس الأول الشيخ بيار الجميل. منذ أربعينيات القرن الماضي عُرف الكتائب بـ «حزب الإستقلال الذي خاض المعركة ضد الإنتداب الفرنسي»، وهذا، بحسب بقرادوني، «ما تميّز به بيار الجدّ، وحده، في تلك الحقبة».
عام 1958 كان محورياً في تحوّل «حزب الاستقلال» الذي يحمل الهمّ الوطني الى «حزب السلطة» الذي انحصر هدفه بالمشاركة فيها. في هذا العام «استطاع الحزب أن يكوّن كتلة نيابية. قبل ذلك، وعلى رغم الشعبية التي تمتّع بها، لم يحظَ الحزب بتمثيل وزاري أو نيابي حقيقي، ولم يكُن له الا نائب واحد هو جوزف شادر الذي انتخب في دورات عدة بين أعوام 1951 و1957. الصورة النمطية التي لازمته كانت «الدفاع عن المسيحيين وليس تحقيق مكاسب السياسية، بعدما أعطى الشيخ بيار إنطباعاً بأنه رجل وطني لا يتعاطى السياسة ولا يحبّها».
كان عام 1958 بداية «انخراط الكتائب في السلطة للمرة الأولى». ويعزو بقرادوني الفضل في ذلك إلى «الرئيس فؤاد شهاب الذي سعى في بداية حكمه إلى تشكيل طاقم من غير السياسيين، وبنى تحالفات مع قوى جيدة التمثيل الشعبي، فكان بيار الجميل واحداً منها». وفي عام 1960 دخل الجميل في حكومة الرئيس صائب سلام وزيراً، ليبدأ الكتائب، منذ ذلك الحين، بحصد المكاسب السياسية، بعد أن «نجح في تكوين كتلة نيابية تضم أكثر من 7 نواب، لم تحدّهم الجغرافيا، فمثّلوا حزبهم من الشمال إلى الجنوب».
الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 كانت محطة مهمة أيضاً، حوّلت الكتائب من «حزب مشارك في السلطة إلى حزب يسعى للسيطرة عليها». وهو ما تحقّق له بالفعل مع انتخاب بشير الجميّل رئيساً. لكن «كابوس استشهاد بشير»، بحسب بقرادوني، «شكّل بداية تراجع الحزب بعد أن وصل إلى القمة». شكّلت هذه الخسارة «صدمة سياسية وعسكرية، قسمت المسيحيين، وكسرت آحادية القيادة الكتائبية، مع اشتداد عود المولود الذي خرج من رحمها، وكبر فبات خصماً قوية انقضّ عليها». كان ذلك أول غيث التدهور الكتائبي.
وصل الحزب الى مرحلة الطائف، وهي محطّة جديدة في مسيرته، على «آخر نفس»، و«منهكاً بعدما دفعت الثمن مسيحياً أكثر من غيره. وخسر الكثير، إن لم يكن كل شيء، شعبياً وسياسياً». يقول بقرادوني: «خطا الكتائب عتبة الطائف، بعدما أصبح حزباً لجزء من المسيحيين، في غياب قائد قوي بعد اغتيال بشير». وما زاد الطين بلّة «رسوب الرئيس أمين الجميل في حكمه بعد خلافة أخيه». كلها عوامل لعبت ضد الكتائب الذي خلع جلده وتحوّل إلى حزب معارض في ظل الوجود السوري. انقاد الكتائبيون الى هذا الخيار مرغمين لـ «الحفاظ على ما تبقى للحزب من شعبية في الشارع المسيحي، عبر إظهاره كطرف مقاوم للإحتلال السوري، مع عدم إقتناعه بذلك». فكان هذا القرار «مكلفاً سياسياً وشعبياً. إذ لم يعد الكتائب، بسبب ابتعاده عن السلطة، حزباً مؤثراً، وبات هامش مناورته ضعيفاً جداً». صحيح أنه تمثّل في حكومة ما بعد الطائف بوزيرين هما بقرادوني نفسه ورئيس الحزب الراحل جورج سعادة، لكن ذلك حصل «في ظل إنقسام داخلي حاد جعل الحزب رباعي الأضلاع بين قيادة شرعية وأخرى معارضة، وكتائبيين منشقين، وآخرين ساخطين على ما آل إليه حال الحزب».
2005... فرصة للعودة
كان عام 2005 مفصلياً في حياة الحزب الذي اثبت أنه يعشق السلطة ولا يملك مقومات مشروع المعارضة. شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري فرصة للكتائب للعودة إلى جلده. في ظل الموجة الإسلامية ــــ المسيحية المناوئة لسوريا، أدرك الحزب ضرورة تغليب الجناح المعادي للنظام السوري، والمتمثل بآل الجميل. أصبح الهدف حينها «توحيد الكتائب للإستفادة من التغيير الذي طال لبنان والمنطقة»، وذلك كـ «خطوة أولى على طريق العودة إلى السلطة وتحقيق المكاسب السياسية»... وهكذا كان. انضوى الحزب تحت لواء «ثورة الارز» وبدأ العمل على إعادة بناء نفسه، وإعادة فرض وجوده في الساحتين المسيحية واللبنانية، مع بداية سطوع بيار الجميل الحفيد. يقول بقرادوني إن الحفيد أدرك ضرورة «توحيد الكتائب، وتحقيق نهضة كبيرة داخله على المستويين التنظيمي والشعبي». جاء بيار «حاملاً مشروعاً سياسياً يشبه مشروع عمه بشير، وظهر كقائد شاب قوي، فأصبح بمثابة ورقة لوتو ربحها الحزب»، وتحديداً عندما «برز كوزير إقتصاد في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بعد 2005». أما نيابياً، فقد حصد الحزب في إنتخابات عام 2005، ثلاثة مقاعد لكل من بيار الجميّل وصولانج الجميّل وأنطوان غانم (اغتيل عام 2007). ورغم تلقي الكتائب، باغتيال بيار في 2006، «ضربة موجعة، بقي الحزب يصارع بهدف البقاء».
مع استلام سامي الجميل دفة قيادة الحزب، غداة اغتيال بيار، بدأت أمور الكتائب تتغير. يقول مقربون من الإثنين إن «بيار كان أكثر جماهيرية، فيما سامي أكثر عقلانية. أعطى بيار للكتائب شعبية، فيما نجح سامي تنظيمياً». الفارق الأساسي بينهما فهو «اقتناع بيار بروحية 14 آذار، أكثر من سامي الذي فضّل أن يميّز نفسه في كل المحطات التي مرّ بها هذا الفريق». أما القاسم المشارك فهو «محاولاتهما كسر الثنائية المسيحية الممثلة بالعونية والقواتية»، وهو هدف «بدأه بيار ويكمله سامي حالياً». مع سامي «لم يتقدّم الحزب داخل السلطة، لكنه حافظ على حجمه بعد العام 2005». في الحكومة، حجز لنفسه مقعداً واحداً، شغله مرة النائب الحالي إيلي ماروني، ومرة أخرى الوزير السابق سليم الصايغ. أما نيابياً، فقد حقق الحزب في انتخابات 2009 تقدماً بسيطاً، وزاد من حجم كتلته التي تضم اليوم خمسة نواب بدلاً من ثلاثة.
يرى القيادي التاريخي في الحزب جوزف أبو خليل أن الكتائب هو الحزب المسيحي الوحيد الذي «يعرف كيف يعوّض عن ضعف تمثيله في السلطة، من خلال مواقفه السياسية المتميزة، والجامعة بين المحافظة على مبادئه والإنفتاح على الآخر مهما بلغت حدّة الإنقسام». هذه الإستراتيجية «ساعدت الحزب على الافادة من خلط الأوراق السياسية، فيما حلفاؤنا تحوّلوا إلى أعضاء في الإئتلاف الوطني السوري»! أساس النجاح في السياسة يراه أبو خليل في الحوار «الموجود في صلب ثقافتنا السياسية». يقول: «نحن على خلاف مع السوريين وحزب الله لكننا لا نعاديهم. نحن نتشدد في الأمور الأساسية لكننا لا نشطب الآخر، وهذا ما يجعل تأثيرنا في اللعبة السياسية أكبر من الأحزاب التي تدعي أن تمثيلها في الشارع المسيحي أقوى». أما التطرف «الذي يمارسه البعض فأثبت أنه لا يصل إلى أي مكان»، والدليل أن «إنفتاحنا أكسبنا ثلاثة وزراء في حكومة الرئيس تمام سلام فيما بقي الآخرون خارج السلطة».
واصل حزب الكتائب سياسة المد والجزر. لعب لعبة السلطة بنهج ليّن حيناً ومتشدد حيناً آخر . سار على هذا النهج، معتمداً سياسة الحياد والتميز عن باقي قوى فريق الرابع عشر من آذار. «لبد» كثاني أقوى حليف مسيحي لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري، حتّى شاءت الظروف أن تُبعد الأخير عن حليفه الأساسي، رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع بسبب قرار الأول مشاركة حزب الله في حكومة واحدة. قرر القواتيون المقاطعة، فيما فضّل الكتائبيون اللعب على حبال هذا الخلاف، وقبلوا بالمشاركة في حكومة تمام سلام التي أعطتهم ثلاثة وزراء. لكن الحزب، الذي يصرّ على التمايز ولو غير المفهوم أحياناً، أبى إلا أن يطبق قاعدة «خالف تُعرف»: خطاب متفجّر لسامي الجميل في الذكرى التاسعة لـ «ثورة الأرز»، وتلويح بالاستقالة من الحكومة اعتراضاً بند المقاومة في البيان الوزاري. «فنعة» الكتائب، التي لم يصدّق أحد أنها ستصل الى الاستقالة فعلياً، أبقت الأعصاب مشدودة. لا بأس في ذلك. يومان إضافيان لمراضاة الرئيس الجميل ونجله لن يضرّا الحزب بشيء، ما دام أن «الضرورات الوطنية» حجة جاهزة للبقاء في حكومة لم يظن الكتائبيون، في أجمل أحلامهم، انهم سيحوزون فيها على ثلاثة وزراء من بين 24 وزيراً. «حِسبة» لن يحصلوا عليها إلا إذا نجحوا في ايصال 20 نائباً الى مجلس النواب. ورقة اليانصيب هذه لا يمكن الفوز بها مرتين.
كتلة الحزب نائبان ونصف!
هل كل نواب الكتائب كتائبيون فعلاً؟ وهل وصل هؤلاء بأصوات كتائبية؟ يتحدّث كتائبي قديم عن الكتلة الحالية باستهزاء. هي «ليست خمسة أعضاء، بل نائبان ونصف». سامر سعادة، مثلاً، «لا يحلم بأن يرى النيابة من دون أصوات مناصري المستقبل»، وكذلك النائب فادي الهبر «الحائز على كرسي نيابي بفضل الأصوات الجنبلاطية». فيما نديم الجميل «نصف كتائبي، ونص قواتي». بذلك يبقى للكتائب «نائب واحد أصيل هو سامي الجميل، والنائب إيلي ماروني الذي بالكاد لديه حيثية في منطقة زحلة.
لم يصدّق أحد «فنعة» حزب الكتائب بالتلويح بالاستقالة من حكومة الرئيس تمام سلام. حزب السلطة لا يملك مقوّمات المعارضة. وورقة اليانصيب الحكومية الأخيرة التي فاز بها لن يتخلّى عنها بسهولة، مهما كان «دوز المقاومة» في البيان الوزاري. الحزب العائد من «كوما» طويلة لن يفرّط بالمكتسبات الأخيرة... الحزب العريق «عَ الصخر بيحفر... مكاسب»!
يصعب فهم حزب الكتائب. يمكن رئيس الحزب أمين الجميل أن يقول الشيء ويفعل نقيضه. ويمكن وارثه السياسي، سامي، أن يلعب دور «الثائر» ويدغدغ، ببساطة ومن دون «رتوش»، مشاعر الشباب المسيحي بكل ألوانه. وأن يتصرّف، في الوقت نفسه، وفق ما تقتضي مصلحة حزبه، لا مصلحة المسيحيين. يستطيع «الجميّلان»، الأب والإبن، ومعهما كل الوجوه السياسية والنيابية والوزارية في الحزب، صياغة أفكار وطروحات لا يفهمها لا عدوّ ولا صديق.
يُمكن أن يتنطّح، في صفوف الكتائبيين، دعاة الحرص على مؤسسات الدولة ضد «الميليشيات» الخارجة عن سلطتها. لكن هذا لا يعني حرباً دائمة مع هؤلاء «الخارجين». لا بأس من هدنة مؤقتة، ما دامت تؤمّن زيادة نصيب الحزب في أي استحقاق! هكذا هو حزب الكتائب، الذي يجهد منذ عام 2005 لإعادة بناء نفسه، بعدما «أكلته» القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، ليتحوّل، بعد الطائف، إلى الحزب الرقم 3 على الساحة المسيحية، ورقم مهمّش على الساحتين المحلية والإقليمية. وهو ما لم يكن سهلاً على «كتائب» اعتادت أن تكون لها الكلمة الفصل في غالبية الملفات الثقيلة، داخل السلطة وخارجها، منذ الخمسينيات حتى أواخر الثمانينيات.
لا يمكن رئيس الحزب السابق كريم بقرادوني الحديث عن الكتائب الا بالعودة إلى الجذور. الجذور هنا تعني الرئيس الأول الشيخ بيار الجميل. منذ أربعينيات القرن الماضي عُرف الكتائب بـ «حزب الإستقلال الذي خاض المعركة ضد الإنتداب الفرنسي»، وهذا، بحسب بقرادوني، «ما تميّز به بيار الجدّ، وحده، في تلك الحقبة».
عام 1958 كان محورياً في تحوّل «حزب الاستقلال» الذي يحمل الهمّ الوطني الى «حزب السلطة» الذي انحصر هدفه بالمشاركة فيها. في هذا العام «استطاع الحزب أن يكوّن كتلة نيابية. قبل ذلك، وعلى رغم الشعبية التي تمتّع بها، لم يحظَ الحزب بتمثيل وزاري أو نيابي حقيقي، ولم يكُن له الا نائب واحد هو جوزف شادر الذي انتخب في دورات عدة بين أعوام 1951 و1957. الصورة النمطية التي لازمته كانت «الدفاع عن المسيحيين وليس تحقيق مكاسب السياسية، بعدما أعطى الشيخ بيار إنطباعاً بأنه رجل وطني لا يتعاطى السياسة ولا يحبّها».
كان عام 1958 بداية «انخراط الكتائب في السلطة للمرة الأولى». ويعزو بقرادوني الفضل في ذلك إلى «الرئيس فؤاد شهاب الذي سعى في بداية حكمه إلى تشكيل طاقم من غير السياسيين، وبنى تحالفات مع قوى جيدة التمثيل الشعبي، فكان بيار الجميل واحداً منها». وفي عام 1960 دخل الجميل في حكومة الرئيس صائب سلام وزيراً، ليبدأ الكتائب، منذ ذلك الحين، بحصد المكاسب السياسية، بعد أن «نجح في تكوين كتلة نيابية تضم أكثر من 7 نواب، لم تحدّهم الجغرافيا، فمثّلوا حزبهم من الشمال إلى الجنوب».
الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 كانت محطة مهمة أيضاً، حوّلت الكتائب من «حزب مشارك في السلطة إلى حزب يسعى للسيطرة عليها». وهو ما تحقّق له بالفعل مع انتخاب بشير الجميّل رئيساً. لكن «كابوس استشهاد بشير»، بحسب بقرادوني، «شكّل بداية تراجع الحزب بعد أن وصل إلى القمة». شكّلت هذه الخسارة «صدمة سياسية وعسكرية، قسمت المسيحيين، وكسرت آحادية القيادة الكتائبية، مع اشتداد عود المولود الذي خرج من رحمها، وكبر فبات خصماً قوية انقضّ عليها». كان ذلك أول غيث التدهور الكتائبي.
وصل الحزب الى مرحلة الطائف، وهي محطّة جديدة في مسيرته، على «آخر نفس»، و«منهكاً بعدما دفعت الثمن مسيحياً أكثر من غيره. وخسر الكثير، إن لم يكن كل شيء، شعبياً وسياسياً». يقول بقرادوني: «خطا الكتائب عتبة الطائف، بعدما أصبح حزباً لجزء من المسيحيين، في غياب قائد قوي بعد اغتيال بشير». وما زاد الطين بلّة «رسوب الرئيس أمين الجميل في حكمه بعد خلافة أخيه». كلها عوامل لعبت ضد الكتائب الذي خلع جلده وتحوّل إلى حزب معارض في ظل الوجود السوري. انقاد الكتائبيون الى هذا الخيار مرغمين لـ «الحفاظ على ما تبقى للحزب من شعبية في الشارع المسيحي، عبر إظهاره كطرف مقاوم للإحتلال السوري، مع عدم إقتناعه بذلك». فكان هذا القرار «مكلفاً سياسياً وشعبياً. إذ لم يعد الكتائب، بسبب ابتعاده عن السلطة، حزباً مؤثراً، وبات هامش مناورته ضعيفاً جداً». صحيح أنه تمثّل في حكومة ما بعد الطائف بوزيرين هما بقرادوني نفسه ورئيس الحزب الراحل جورج سعادة، لكن ذلك حصل «في ظل إنقسام داخلي حاد جعل الحزب رباعي الأضلاع بين قيادة شرعية وأخرى معارضة، وكتائبيين منشقين، وآخرين ساخطين على ما آل إليه حال الحزب».
2005... فرصة للعودة
كان عام 2005 مفصلياً في حياة الحزب الذي اثبت أنه يعشق السلطة ولا يملك مقومات مشروع المعارضة. شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري فرصة للكتائب للعودة إلى جلده. في ظل الموجة الإسلامية ــــ المسيحية المناوئة لسوريا، أدرك الحزب ضرورة تغليب الجناح المعادي للنظام السوري، والمتمثل بآل الجميل. أصبح الهدف حينها «توحيد الكتائب للإستفادة من التغيير الذي طال لبنان والمنطقة»، وذلك كـ «خطوة أولى على طريق العودة إلى السلطة وتحقيق المكاسب السياسية»... وهكذا كان. انضوى الحزب تحت لواء «ثورة الارز» وبدأ العمل على إعادة بناء نفسه، وإعادة فرض وجوده في الساحتين المسيحية واللبنانية، مع بداية سطوع بيار الجميل الحفيد. يقول بقرادوني إن الحفيد أدرك ضرورة «توحيد الكتائب، وتحقيق نهضة كبيرة داخله على المستويين التنظيمي والشعبي». جاء بيار «حاملاً مشروعاً سياسياً يشبه مشروع عمه بشير، وظهر كقائد شاب قوي، فأصبح بمثابة ورقة لوتو ربحها الحزب»، وتحديداً عندما «برز كوزير إقتصاد في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بعد 2005». أما نيابياً، فقد حصد الحزب في إنتخابات عام 2005، ثلاثة مقاعد لكل من بيار الجميّل وصولانج الجميّل وأنطوان غانم (اغتيل عام 2007). ورغم تلقي الكتائب، باغتيال بيار في 2006، «ضربة موجعة، بقي الحزب يصارع بهدف البقاء».
مع استلام سامي الجميل دفة قيادة الحزب، غداة اغتيال بيار، بدأت أمور الكتائب تتغير. يقول مقربون من الإثنين إن «بيار كان أكثر جماهيرية، فيما سامي أكثر عقلانية. أعطى بيار للكتائب شعبية، فيما نجح سامي تنظيمياً». الفارق الأساسي بينهما فهو «اقتناع بيار بروحية 14 آذار، أكثر من سامي الذي فضّل أن يميّز نفسه في كل المحطات التي مرّ بها هذا الفريق». أما القاسم المشارك فهو «محاولاتهما كسر الثنائية المسيحية الممثلة بالعونية والقواتية»، وهو هدف «بدأه بيار ويكمله سامي حالياً». مع سامي «لم يتقدّم الحزب داخل السلطة، لكنه حافظ على حجمه بعد العام 2005». في الحكومة، حجز لنفسه مقعداً واحداً، شغله مرة النائب الحالي إيلي ماروني، ومرة أخرى الوزير السابق سليم الصايغ. أما نيابياً، فقد حقق الحزب في انتخابات 2009 تقدماً بسيطاً، وزاد من حجم كتلته التي تضم اليوم خمسة نواب بدلاً من ثلاثة.
يرى القيادي التاريخي في الحزب جوزف أبو خليل أن الكتائب هو الحزب المسيحي الوحيد الذي «يعرف كيف يعوّض عن ضعف تمثيله في السلطة، من خلال مواقفه السياسية المتميزة، والجامعة بين المحافظة على مبادئه والإنفتاح على الآخر مهما بلغت حدّة الإنقسام». هذه الإستراتيجية «ساعدت الحزب على الافادة من خلط الأوراق السياسية، فيما حلفاؤنا تحوّلوا إلى أعضاء في الإئتلاف الوطني السوري»! أساس النجاح في السياسة يراه أبو خليل في الحوار «الموجود في صلب ثقافتنا السياسية». يقول: «نحن على خلاف مع السوريين وحزب الله لكننا لا نعاديهم. نحن نتشدد في الأمور الأساسية لكننا لا نشطب الآخر، وهذا ما يجعل تأثيرنا في اللعبة السياسية أكبر من الأحزاب التي تدعي أن تمثيلها في الشارع المسيحي أقوى». أما التطرف «الذي يمارسه البعض فأثبت أنه لا يصل إلى أي مكان»، والدليل أن «إنفتاحنا أكسبنا ثلاثة وزراء في حكومة الرئيس تمام سلام فيما بقي الآخرون خارج السلطة».
واصل حزب الكتائب سياسة المد والجزر. لعب لعبة السلطة بنهج ليّن حيناً ومتشدد حيناً آخر . سار على هذا النهج، معتمداً سياسة الحياد والتميز عن باقي قوى فريق الرابع عشر من آذار. «لبد» كثاني أقوى حليف مسيحي لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري، حتّى شاءت الظروف أن تُبعد الأخير عن حليفه الأساسي، رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع بسبب قرار الأول مشاركة حزب الله في حكومة واحدة. قرر القواتيون المقاطعة، فيما فضّل الكتائبيون اللعب على حبال هذا الخلاف، وقبلوا بالمشاركة في حكومة تمام سلام التي أعطتهم ثلاثة وزراء. لكن الحزب، الذي يصرّ على التمايز ولو غير المفهوم أحياناً، أبى إلا أن يطبق قاعدة «خالف تُعرف»: خطاب متفجّر لسامي الجميل في الذكرى التاسعة لـ «ثورة الأرز»، وتلويح بالاستقالة من الحكومة اعتراضاً بند المقاومة في البيان الوزاري. «فنعة» الكتائب، التي لم يصدّق أحد أنها ستصل الى الاستقالة فعلياً، أبقت الأعصاب مشدودة. لا بأس في ذلك. يومان إضافيان لمراضاة الرئيس الجميل ونجله لن يضرّا الحزب بشيء، ما دام أن «الضرورات الوطنية» حجة جاهزة للبقاء في حكومة لم يظن الكتائبيون، في أجمل أحلامهم، انهم سيحوزون فيها على ثلاثة وزراء من بين 24 وزيراً. «حِسبة» لن يحصلوا عليها إلا إذا نجحوا في ايصال 20 نائباً الى مجلس النواب. ورقة اليانصيب هذه لا يمكن الفوز بها مرتين.
كتلة الحزب نائبان ونصف!
هل كل نواب الكتائب كتائبيون فعلاً؟ وهل وصل هؤلاء بأصوات كتائبية؟ يتحدّث كتائبي قديم عن الكتلة الحالية باستهزاء. هي «ليست خمسة أعضاء، بل نائبان ونصف». سامر سعادة، مثلاً، «لا يحلم بأن يرى النيابة من دون أصوات مناصري المستقبل»، وكذلك النائب فادي الهبر «الحائز على كرسي نيابي بفضل الأصوات الجنبلاطية». فيما نديم الجميل «نصف كتائبي، ونص قواتي». بذلك يبقى للكتائب «نائب واحد أصيل هو سامي الجميل، والنائب إيلي ماروني الذي بالكاد لديه حيثية في منطقة زحلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018