ارشيف من :أخبار عالمية
سكان يعيشون بلا كهرباء منذ 30 عاماً في السعودية
جمال بنون - صحيفة الحياة
في المساء وأنت تمر من طريق الحرمين في جدة وعلى امتداد هذا الطريق ما بين الشمال والجنوب وبالتحديد شرق جدة حاول أن تغلق صوت الراديو وأنت تقود سيارتك، وركز في الضجيج المقبل من مناطق الحرّازات، ستسمع صوت بكاء الأطفال من شدة الحر وأصوات العجزة والمسنين والمرضى، بين يقظ يغالب فراشه لعل النوم يجد طريقاً إلى عينه وقائم بالليل يعبد الله ويحرس المنازل الموجودة في هذا الحي الكبير، ينتظرون متى يأتي الصباح، وفي الظهيرة تلفحهم حرارة الشمس المحرقة. إنهم سكان يعيشون بلا كهرباء منذ 30 عاماً ويصل عدد المنازل هناك أكثر من 10 آلاف منزل، أما عدد السكان فيتجاوز 50 ألف نسمة، والحي بكامله يمكن أن يكون وجه جدة الجديد بعد أن اكتظت المدينة الحالية بالمباني والجسور والسكان.
وبناء المدن الساحلية لا يقف على الامتداد الشمالي والجنوبي، فالمناطق الشرقية في جدة لا تزال بكراً وتحتاج إلى إعادة تصميم واعتماد مشاريع وإلى عدم تركها هكذا مهملة، وأي مشروع تنموي لا يبدأ ما لم يذهب الناس إليه ويسكنون فيه ويجعلونه مكاناً خصباً لأي مشاريع مستقبلية.
إنما حال شرق جدة أصيبت بخيبة أمل حينما أقيمت عليها بحيرة المسك، وهو خزان تتجمع فيه مياه الصرف الصحي في جدة، ومرات عدة شكّل هذا الخزان أو البحيرة خطراً شديداً لأهالي جدة وسكانها حينما امتلأ وكاد ينفجر، وقبل أن يغرق سكان جدة تخلص المسؤولون من هذه البحيرة بتجفيفها. وقصة أهالي الحرّازات – كما يرويها سكانها – أنها قامت على بعض من يتاجرون بالأراضي من أصحاب النفوذ من الشخصيات الاعتبارية، وباعتها على مواطنين بعقود بيع موثقة من مكتب عقاري بأسعار مغرية ومنافسة، وهذا الكلام قبل 30 عاماً، إذ بنى الناس بيوتاً لأسرهم وأطفالهم بحرِّ مالهم من دون أن يحصلوا على قروض من مصرف أو صندوق التنمية العقارية.
هذه المباني جميعها شُيدت من خلال القروض الشخصية التي يحصل عليها الموظف، وهي مبالغ زهيدة، إضافة إلى قروض من الأقارب والمعارف، وحينما كنا نبني – هكذا يقول، حامد هديبان المطيري (أحد المتحدثين عن أهالي الحرازات) – حُرمنا من الكهرباء وإيصالها إلى منازلنا. قضيتنا هي قصة حرمان من أهم مقومات الحياة في هذا العصر وهي الكهرباء منذ أكثر من عشرة أعوام في حي يعتبر من أكبر أحياء مدينة جدة، والسبب أن المواطنين الذين في هذا الحي لا يملكون صكوكاً شرعية على منازلهم التي اشتروها من حرِّ مالهم، كما أن سكان هذا الحي من ذوي الدخل المحدود. يوجد في هذا الحي أكثر من 20 ألف طفل يعانون من هذا الحرمان، وأهالي هذا الحي طرقوا أبواب المسؤولين، للبحث عن حل لوضعهم، إنما جميعها تاهت في ردهات الإدارات الحكومية، هكذا قال لي علي غروي (أحد السكان) وقبل أسبوعين طلبت من أهالي الحي زيارة مخططهم والوقوف على الحال والتأكد إن كانت هذه المنازل التي بنوها على أراض حكومية تم الاستيلاء عليها من المواطنين. رأيت شوارع فسيحة ومجرى لتصريف الأمطار، وأسواقاً عدة تصل إلى أكثر من ألفي محل، مطاعم وخدمات ومصانع وقصور على أعالي الجبال، رأيت منزلاً فيه كهرباء بينما البيت المجاور له من دون كهرباء، رأيت تمديدات الكيابل الكهربائية، رأيت أطفالاً وطلاباً يدرسون تحت ضوء الشموع والفانوس.
الحقيقة تبدو غائبة لدى المسؤولين الحكوميين، إن كانت هذه الأراضي فعلاً حكومية وتم الاستيلاء عليها، إنما هناك أمر محير وهو: كيف صمتت الجهات الحكومية كل هذه الأعوام وهي ترى هذه الأراضي تتحول إلى مخططات وتُرصف وتدخلها الكهرباء والهاتف لبعض المنازل والناس يبنون ويشترون وفيها نشاط كبير لقطاع المقاولات والبناء وهدم الجبال.
بل إن معظم من بنوا في هذه المخططات من الموظفين في هذه الإدارات الحكومية، ومن تمكن من إدخال الكهرباء فهي شطارة وواسطة وليس حقاً يجب أن يحصل عليه.
هل يُعقل أن تقوم هذه المخططات في جنح الليل ولم تتمكن أجهزة الرقابة من متابعتها وإيقافها؟ بل تركت عملية البيع والشراء تسير بطريقة منظمة. وحينما بنوا منازلهم لا تريدهم أن يعيشوا فيها وتريد منهم إخلاء هذه البيوت. هل هناك اتفاق بين من باعوا الأراضي والجهات الرقابية، لاستنزاف جيوب المواطنين البسطاء وأخذ أموالهم وسرقة أحلامهم وحرمانهم من منزل يؤويهم هم وأسرهم؟
إيصال الخدمات والمرافق العامة إلى مناطق الحرّازات أمر مهم، ويسهم في ضبط أسعار الأراضي والعقارات التي ارتفعت أسعارها في شكل لافت أنهكت جيوب، ولا يمكن للمواطنين أن يشاهدوا مساحات شاسعة من الأراضي وهي تحاط بشبك من دون فائدة ويستولي عليها أصحاب النفوذ، ومواعيد وبرامج الإسكان المتعثرة منذ عقود، ولا يتحرك المواطنون لتأمين سكن يستظلون به من حرارة الشمس.
في موضوع بيوت الحرّازات هناك حالات مشابهة في مناطق أخرى من المملكة، يجب أن تحل سريعاً وليس من خلال تشكيل اللجان أو فريق للبحث أو تتنقل من إدارة حكومية إلى أخرى فتبقى معلقة أعواماً أخرى.
هذا التجاهل لمطالب شريحة كبيرة من السكان خطر على الأمن السكني والاجتماعي والصحي، وينذر بكارثة إنسانية لا تُحمد عقباها.
انتشرت ظاهرة الرشاوى والمستنفعين وبيع الكهرباء وتمديد الكيابل من أجل أن ينعم هؤلاء بقليل من بصيص الحياة، وسوق سوداء للاستفادة من الخدمات الحكومية «إنت وشطارتك».
كنت أتوقع أن تسهم الجهات الحكومية مع سكان الأهالي في بناء مخططات سكنية راقية تتوافر فيها كل مقومات الحياة وتخفف الزحام عن مدينة جدة سكنياً وعمرانياً، فتنخفض أسعار الوحدات السكنية داخل جدة. نصيحتي لسكان الحرّازات أن يضعوا فوق أسطح منازلهم مكبرات صوت، حتى تصل إلى مسامع المسؤولين أصواتُ الأطفال وهم يبكون في منتصف الليل فربما تحرك مشاعرهم الإنسانية.
في المساء وأنت تمر من طريق الحرمين في جدة وعلى امتداد هذا الطريق ما بين الشمال والجنوب وبالتحديد شرق جدة حاول أن تغلق صوت الراديو وأنت تقود سيارتك، وركز في الضجيج المقبل من مناطق الحرّازات، ستسمع صوت بكاء الأطفال من شدة الحر وأصوات العجزة والمسنين والمرضى، بين يقظ يغالب فراشه لعل النوم يجد طريقاً إلى عينه وقائم بالليل يعبد الله ويحرس المنازل الموجودة في هذا الحي الكبير، ينتظرون متى يأتي الصباح، وفي الظهيرة تلفحهم حرارة الشمس المحرقة. إنهم سكان يعيشون بلا كهرباء منذ 30 عاماً ويصل عدد المنازل هناك أكثر من 10 آلاف منزل، أما عدد السكان فيتجاوز 50 ألف نسمة، والحي بكامله يمكن أن يكون وجه جدة الجديد بعد أن اكتظت المدينة الحالية بالمباني والجسور والسكان.
وبناء المدن الساحلية لا يقف على الامتداد الشمالي والجنوبي، فالمناطق الشرقية في جدة لا تزال بكراً وتحتاج إلى إعادة تصميم واعتماد مشاريع وإلى عدم تركها هكذا مهملة، وأي مشروع تنموي لا يبدأ ما لم يذهب الناس إليه ويسكنون فيه ويجعلونه مكاناً خصباً لأي مشاريع مستقبلية.
إنما حال شرق جدة أصيبت بخيبة أمل حينما أقيمت عليها بحيرة المسك، وهو خزان تتجمع فيه مياه الصرف الصحي في جدة، ومرات عدة شكّل هذا الخزان أو البحيرة خطراً شديداً لأهالي جدة وسكانها حينما امتلأ وكاد ينفجر، وقبل أن يغرق سكان جدة تخلص المسؤولون من هذه البحيرة بتجفيفها. وقصة أهالي الحرّازات – كما يرويها سكانها – أنها قامت على بعض من يتاجرون بالأراضي من أصحاب النفوذ من الشخصيات الاعتبارية، وباعتها على مواطنين بعقود بيع موثقة من مكتب عقاري بأسعار مغرية ومنافسة، وهذا الكلام قبل 30 عاماً، إذ بنى الناس بيوتاً لأسرهم وأطفالهم بحرِّ مالهم من دون أن يحصلوا على قروض من مصرف أو صندوق التنمية العقارية.
هذه المباني جميعها شُيدت من خلال القروض الشخصية التي يحصل عليها الموظف، وهي مبالغ زهيدة، إضافة إلى قروض من الأقارب والمعارف، وحينما كنا نبني – هكذا يقول، حامد هديبان المطيري (أحد المتحدثين عن أهالي الحرازات) – حُرمنا من الكهرباء وإيصالها إلى منازلنا. قضيتنا هي قصة حرمان من أهم مقومات الحياة في هذا العصر وهي الكهرباء منذ أكثر من عشرة أعوام في حي يعتبر من أكبر أحياء مدينة جدة، والسبب أن المواطنين الذين في هذا الحي لا يملكون صكوكاً شرعية على منازلهم التي اشتروها من حرِّ مالهم، كما أن سكان هذا الحي من ذوي الدخل المحدود. يوجد في هذا الحي أكثر من 20 ألف طفل يعانون من هذا الحرمان، وأهالي هذا الحي طرقوا أبواب المسؤولين، للبحث عن حل لوضعهم، إنما جميعها تاهت في ردهات الإدارات الحكومية، هكذا قال لي علي غروي (أحد السكان) وقبل أسبوعين طلبت من أهالي الحي زيارة مخططهم والوقوف على الحال والتأكد إن كانت هذه المنازل التي بنوها على أراض حكومية تم الاستيلاء عليها من المواطنين. رأيت شوارع فسيحة ومجرى لتصريف الأمطار، وأسواقاً عدة تصل إلى أكثر من ألفي محل، مطاعم وخدمات ومصانع وقصور على أعالي الجبال، رأيت منزلاً فيه كهرباء بينما البيت المجاور له من دون كهرباء، رأيت تمديدات الكيابل الكهربائية، رأيت أطفالاً وطلاباً يدرسون تحت ضوء الشموع والفانوس.
الحقيقة تبدو غائبة لدى المسؤولين الحكوميين، إن كانت هذه الأراضي فعلاً حكومية وتم الاستيلاء عليها، إنما هناك أمر محير وهو: كيف صمتت الجهات الحكومية كل هذه الأعوام وهي ترى هذه الأراضي تتحول إلى مخططات وتُرصف وتدخلها الكهرباء والهاتف لبعض المنازل والناس يبنون ويشترون وفيها نشاط كبير لقطاع المقاولات والبناء وهدم الجبال.
بل إن معظم من بنوا في هذه المخططات من الموظفين في هذه الإدارات الحكومية، ومن تمكن من إدخال الكهرباء فهي شطارة وواسطة وليس حقاً يجب أن يحصل عليه.
هل يُعقل أن تقوم هذه المخططات في جنح الليل ولم تتمكن أجهزة الرقابة من متابعتها وإيقافها؟ بل تركت عملية البيع والشراء تسير بطريقة منظمة. وحينما بنوا منازلهم لا تريدهم أن يعيشوا فيها وتريد منهم إخلاء هذه البيوت. هل هناك اتفاق بين من باعوا الأراضي والجهات الرقابية، لاستنزاف جيوب المواطنين البسطاء وأخذ أموالهم وسرقة أحلامهم وحرمانهم من منزل يؤويهم هم وأسرهم؟
إيصال الخدمات والمرافق العامة إلى مناطق الحرّازات أمر مهم، ويسهم في ضبط أسعار الأراضي والعقارات التي ارتفعت أسعارها في شكل لافت أنهكت جيوب، ولا يمكن للمواطنين أن يشاهدوا مساحات شاسعة من الأراضي وهي تحاط بشبك من دون فائدة ويستولي عليها أصحاب النفوذ، ومواعيد وبرامج الإسكان المتعثرة منذ عقود، ولا يتحرك المواطنون لتأمين سكن يستظلون به من حرارة الشمس.
في موضوع بيوت الحرّازات هناك حالات مشابهة في مناطق أخرى من المملكة، يجب أن تحل سريعاً وليس من خلال تشكيل اللجان أو فريق للبحث أو تتنقل من إدارة حكومية إلى أخرى فتبقى معلقة أعواماً أخرى.
هذا التجاهل لمطالب شريحة كبيرة من السكان خطر على الأمن السكني والاجتماعي والصحي، وينذر بكارثة إنسانية لا تُحمد عقباها.
انتشرت ظاهرة الرشاوى والمستنفعين وبيع الكهرباء وتمديد الكيابل من أجل أن ينعم هؤلاء بقليل من بصيص الحياة، وسوق سوداء للاستفادة من الخدمات الحكومية «إنت وشطارتك».
كنت أتوقع أن تسهم الجهات الحكومية مع سكان الأهالي في بناء مخططات سكنية راقية تتوافر فيها كل مقومات الحياة وتخفف الزحام عن مدينة جدة سكنياً وعمرانياً، فتنخفض أسعار الوحدات السكنية داخل جدة. نصيحتي لسكان الحرّازات أن يضعوا فوق أسطح منازلهم مكبرات صوت، حتى تصل إلى مسامع المسؤولين أصواتُ الأطفال وهم يبكون في منتصف الليل فربما تحرك مشاعرهم الإنسانية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018