ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس: ’الانكفاء’ يضع القرار الأمني بيد المسلحين!

طرابلس: ’الانكفاء’ يضع القرار الأمني بيد المسلحين!

غسان ريفي - صحيفة "السفير"

من المفترض أن تستمر حرب الاستنزاف في طرابلس الى نهاية الاسبوع الحالي، بانتظار انعقاد مجلس الوزراء في جلسته الأولى بعد نيله الثقة بعد غد الخميس، والمقررات التي ستصدر عنه بشأن التدهور الأمني في المدينة، واحتياجاتها اللوجستية، وآلية تنفيذها، والاعتراضات التي ستواجهها.

والى أن يأتي الفرج الحكومي على الطرابلسيين، فإن المدينة ستبقى تحت رحمة هدنة هشّة، مرتبطة الى حد كبير بمزاجية رؤساء المجموعات المسلحة وعناصرهم، كونها جاءت هذه المرة بـ«التراضي» وليس بالقرار السياسي ـ الأمني الذي كان يعلن اختتام كل الجولات السابقة.

من الآن وحتى يأتي الفرج الحكومي، ستعيش خطوط التماس ومحيطها في التبانة والقبة وجبل محسن حالة شلل كاملة، خوفاً من عودة الاشتباكات في أي لحظة، خصوصا أن أدوات المعركة لا تزال حاضرة في الشوارع، من المتاريس الى الدشم الى الشوادر العازلة والمرفوعة بين الأزقة، فيما أيدي المسلحين لا تزال على الزناد لإطلاق النار عند أي خلل يمكن أن تشهده المنطقة.

ومع استمرار الوضع الأمني على ما هو عليه الى نهاية الاسبوع الحالي، تكون الجولة الـ20 قد حققت رقما قياسيا بين كل الجولات الماضية من حيث عدد الأيام (18 يوما) وتكون الحكومة، «في أول دخولها»، قد سجلت على نفسها سابقة لا تبشر بالخير تجاه تعاطيها الأمني مع طرابلس، حيث وقفت بعد نيلها الثقة تتفرج على النيران تلتهم المدينة، وعلى الموت المجاني يجتاح أبناءها، من دون أن تحرك ساكنا.

وإذا كانت بعض الأطراف المشاركة في الحكومة اليوم تتهم الحكومة السابقة بأنها اعتمدت سياسة «النأي بالنفس» مع طرابلس، فإن هذه الأطراف مع حكومة «المصلحة الوطنية» تعتمد حتى الآن سياسة «الانكفاء الكامل» عن عاصمة لبنان الثانية.

والمستغرب في الجولة الـ20 أنها ليست كسابقاتها من الجولات الأخرى، وتبدو أنها خرجت تماماً عن سيطرة القيادات السياسية أو الدينية أو الأمنية، وأنها مرتبطة فقط برؤساء المجموعات المسلحة، وبأجندات خارجية.

وفي الوقت نفسه، فإن كل هذه القيادات تحذو حذو الحكومة في اعتماد سياسة «الانكفاء الكامل»، وإن كان لكل منها سبب تختبئ خلفه.
فالقيادات السياسية انكفأت بعدما «خدمت عسكريتها»، وهي وإن سعت الى وقف إطلاق النار بالتراضي مع المسلحين، إلا أنها لم تعد تمون على أي من المجموعات.

والجيش اللبناني انكفأ طوعاً، لدرء مخاطر استدراجه الى فتنة دموية مع أبناء طرابلس، بانتظار الفرج الحكومي الذي سيمنحه غطاء جديدا للضرب بيد من حديد.

والمجتمع المدني انكفأ وتعاطى بأضعف الإيمان مع وجع مدينته باعتصام رمزي غير مجد.

كل ذلك، جعل إمرة هذه الجولة بيد المجموعات المسلحة التي طلبت وقف إطلاق النار ليل الجمعة ـ السبت بعد تواصلها مع «اللقاء الوطني الاسلامي» المنعقد في منزل النائب محمد كبارة، لكن هذه الهدنة لا يحميها التزام من قبل هذه المجموعات، ولا ضوابط من المؤسسات الرسمية للدولة، وبالتالي فإنها تبقى حبراً على ورق، ما لم تسهم في إعادة الحياة الى طبيعتها، علما أن أي طلقة رصاص طائشة قد تسقط على المحاور أو أي توقيف لمطلوب، أو وفاة لجريح، من شأنه أن يشعل المواجهات مجددا.

وكادت الاشتباكات تتجدد بعد منتصف ليل أمس بين التبانة وجبل محسن، بعد انتشار خبر توقيف سعد المصري (أحد رؤساء المجموعات في التبانة) على حاجز للجيش في الزاهرية ومصادرة مسدسه الحربي ونقله الى فرع المخابرات.

وعلى الفور، خرج المسلحون الى شارع سوريا وبدأوا بإطلاق النار في الهواء وباتجاه جبل محسن، كما استخدم البعض القذائف الصاروخية والقنابل اليدوية، فحصلت مناوشات على محاور سوق الخضار، الحارة البرانية وطلعة العمري.

ومع إطلاق سراح المصري وعودته الى التبانة، استمر إطلاق النار بغزارة، في وقت نشطت فيه الاتصالات التي أثمرت بعد نحو ساعتين خروج المسلحين من الشارع وإعادة الهدوء.

ولعل قيام مجهولين ليل أمس الأول بإطلاق صاروخ باتجاه فيلا النائب السابق علي عيد في حكر الضاهري في عكار لم يصب هدفه، والإشكال الذي حصل بين شبان من تلمعيان والكنيسة من جهة مع شبان من الحيصة، بدأ يؤشر الى إمكانية انتقال صراع التبانة وجبل محسن الى مناطق عكارية مختلطة مذهبياً.

وصباح أمس لم تكد المناطق القريبة من خطوط التماس تشهد حركة شبه طبيعية لجهة فتح أبواب المدارس وبعض المحال التجارية للمرة الأولى منذ 12 يوما، حتى اشتعلت بالرصاص تزامنا مع وصول جثمان يوسف مراد الذي أصيب في المعارك وتوفي ليل أمس الأول متأثرا بجروحه الى منزله، فسارعت المدارس الى صرف طلابها وإقفال أبوابها، وكذلك فعل التجار وذلك خوفا من تجدد الاشتباكات خلال التشييع بعد صلاة الظهر.

ويشير بعض المتابعين في طرابلس، الى أن الجولة الـ20 تشبه الى حد بعيد جولات الثمانينيات بين التبانة وجبل محسن والتي كان يتحكم بها مقاتلو الامارة في طرابلس ومقاتلو «الحزب العربي الديموقراطي» في جبل محسن بضمانة هيئة التنسيق الشمالية آنذاك، حيث كان هؤلاء يملكون قرار السلم والحرب في المدينة بسبب عدم وجود الدولة.

ويستغرب هؤلاء أن تستعيد طرابلس السيناريو نفسه بعد نحو ثلاثين عاما، وفي ظل حكومة «المصلحة الوطنية» التي تضم كل الأطراف السياسية في لبنان.

من جهته، تمنى النائب أحمد كرامي أن تدوم هذه الهدنة وأن لا تتعرض للخروقات، ورأى «ان الخطة الامنية التي وضعها قائد الجيش العماد جان قهوجي لمعالجة الوضع في طرابلس بطلب من مجلس الدفاع الاعلى، ترتكز على عنصري الأمن والإنماء وسيتم عرضها على مجلس الوزراء فور عودة الرئيس سليمان من الخارج، ونأمل تنفيذها قريبا».

وإذ أيد كرامي قرار سحب السلاح من المدينة، حذر من أن استمرار الفوضى في طرابلس من شأنها أن يهدد كل لبنان.

وحذرت جمعية إنماء طرابلس والميناء في بيان بعد اجتماعها برئاسة روبير الفرد حبيب من «مخاطر ما يجري»، مشيرة الى ان «استمرار النزف في عاصمة الشمال، يعكس وجود مؤامرة تحاك ضدها والمتاجرة بدماء أهلها، وتحويلها الى صندوق بريد لتبادل الرسائل الدموية». وتمنت الجمعية أن «تبادر الحكومة الى صرف المئة مليون دولار التي أقرت سابقا، من أجل إقامة المشاريع وعودة المدينة الى سابق عهدها سياحيا وإنمائيا».
2014-03-25