ارشيف من :أخبار لبنانية

إسقاط الطائرة السورية في حسابات الانتخابات التركية

إسقاط الطائرة السورية في حسابات الانتخابات التركية

محمد نور الدين - صحيفة "السفير"

أثار إسقاط الطائرة السورية من جانب المقاتلات التركية العديد من علامات الاستفهام. وبمعزل عن النقطة التي كانت فيها الطائرة لحظة إسقاطها، مع تأكيدات على أنها كانت داخل الأراضي السورية وسقوط الطيار كما حطامها داخل سوريا، فإن الحادثة ليست مجرد «انتهاك» لقواعد الاشتباك التي وضعتها تركيا من جانبها، بل هي في جوهرها حادثة سياسية بامتياز.

يجب الإشارة الى أن قواعد الاشتباك التي وضعتها تركيا بعد إسقاط سوريا طائرة تركية انتهكت المجال الجوي البحري السوري في حزيران 2012 تشمل منع تحليق الطائرات السورية داخل الأراضي السورية نفسها بعمق خمسة كيلومترات؛ وهذا بحد ذاته انتهاك للسيادة السورية.

وقد وضعت تركيا هذه القواعد لتشكيل منطقة عازلة جوية تمنع الطائرات السورية من قصف مسلحي المعارضة المتواجدين على الجانب السوري من الحدود مع تركيا.

وشكّل ذلك تدخلاً آخر لتركيا في الحرب في سوريا على اعتبار أنها كانت ولا تزال أول الداعمين سياسياً وعسكرياً ولوجستياً لكل المسلحين الآتين من أنحاء العالم لاستخدام الأراضي التركية مقراً وممراً للعبور الى سوريا.

ويبدو أن تعمد إسقاط طائرة الـ «ميغ 23» أمس الأول وداخل الأراضي السورية كان سياسياً بالدرجة الأولى ويهدف الى ضرب عدة عصافير بحجر واحد.

1: يواجه رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، وضعاً داخلياً صعباً وسط فضيحة الفساد التي تحاصره ولا يعرف سبيلاً لتلافيها أو تخطّيها، وفي ظل الصراع مع جماعة الداعية الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولين. أما وقد دخلت تركيا الأسبوع الأخير من الانتخابات البلدية التي ستُجرى الأحد المقبل، يريد أردوغان من إسقاط الطائرة تغيير عناوين الحملة الانتخابية وحرف الأنظار عن عناوين الفساد الى أمر آخر.

2: في ظل الحملة التي يواجهها بعد إغلاقه موقع «تويتر» وتقييده للحريات ولاستخدام الإنترنت وتعزيز سلطته الاستئثارية، اختار أردوغان إسقاط طائرة سورية تلافياً لخسارة المزيد من النقاط في الحملة الانتخابية بالتركيز على موضوع قومي. وأكبر دليل على الرغبة في توظيف الحادثة في المجال الانتخابي هو أن أردوغان استبق بيان الجيش التركي ليعلن عن الحادثة في مهرجان شعبي. ولاعتبار الحادثة نصراً عسكرياً، استدعى ذلك تهنئة رئيس الوزراء كما الرئيس عبدالله غول لرئيس الأركان نجدت أوزيل.

3: يريد أردوغان جذب العالم الغربي الى المسألة السورية بعدما توجهت كل الأنظار الى أوكرانيا. كما يأمل في أن يجذب حلف شمال الأطلسي الى موقف على الأقل مؤيد لتركيا بعدما بات الرجل في مرمى انتقادات غربية شديدة بعد إغلاق موقع «تويتر».

4: ويريد رئيس الوزراء التركي الانتقام من سقوط يبرود ومحيطها وخسائر المعارضة السورية فيها عبر التعويض بدعم لها في المنطقة المحاذية للحدود التركية بتعطيل دور سلاح الجو السوري في المعارك.

5: يكتسب الرد التركي على سقوط يبرود طابعاً مذهبياً، إذ انه اختار المناطق العلوية مسرحاً للرد عبر المعارضة السورية وإسقاط الطائرة السورية بعد عشرة أيام تقريباً على وصفه علناً للشيعة (وبالتالي للعلويين) بأنهم مفسدون ومفتنون وكاذبون. وهذا يذكّر بوصف وزير العدل التركي بكر بوزداغ لحزب الله بعد معركة القصير بأنه حزب الشيطان. هي سياقات تعكس نظرة أردوغان وحزبه المذهبية الى طبيعة الحرب في سوريا وإلى الصراع في المنطقة عموماً.

على الرغم من كل ذلك فإن حسابات زعيم حزب العدالة والتنمية قد لا تفيده في معركته الانتخابية أو في تعويم مصداقيته التي فقدها بعد فضائح الفساد وبعد جملة القوانين والإجراءات التي اتخذها لكمّ الأفواه وإحكام السيطرة على القضاء والشرطة. إذ أن الاتهامات والفضائح كبيرة الى درجة لا يمكن طيّها أو دفنها. هي حرب بين أردوغان وخصومه مفتوحة وقد استنزفت من رصيده بما لا يمكنه الاستمرار في السلطة من دون اضطرابات وتوترات.

إن الوظيفة الانتخابية لحادثة إسقاط الطائرة السورية واضحة جداً؛ وهو الأمر الذي لن يفيد المعارضة السورية لأن تركيا أيضاً لا تستطيع الدخول في حرب مع سوريا من دون دعم أطلسي وغربي غير وارد في هذه اللحظة.

وبالتالي ستجد المعارضة السورية نفسها وحيدة بعد أن تكون الانتخابات البلدية انتهت وبعد أن يكون أردوغان استخدم هذه المعارضة لحسابات داخلية ضيقة.
2014-03-25