ارشيف من :أخبار لبنانية
الجندي التركي والأسير الروسي
غسان العيّاش
مع توالي إعلانات النصر في سوريا، من قبل أطراف النزاع كافة، يرجع مرجوعنا مرّة أخرى إلى محمّد علي، مؤسّس الدولة المصرية وأحد روّاد الشرق الحديث، فننهل من خبرته الغنية في الديبلوماسية والسياسة والحروب.
سأله قنصل فرنسا ذات يوم «لماذا لا تسحب جيشك من الحجاز، ما دمت تشكو من دون انقطاع من تورّطك في هذه البلاد التي تستنزف جيش مصر ومالها منذ عشرين عاماً؟». أجابه محمّد علي أن جندياً تركياً أرسل إلى قائده يبشّره بأنه أسر جندياً روسياً، فرح القائد وطلب من الجندي أن يأتي إليه مع الأسير. ردّ الجندي أن ذلك متعذر، لأن الأسير متشبث في مكانه ولا يمكن نقله إلى مركز القائد. أجاب القائد «إذاً إحضر أنت وحدك»، فردّ الجندي التركي أنه غير قادر على ترك الأسير الروسي لأن هذا الأخير ممسك به ولا يستطيع الإفلات منه. علق محمّد علي على القصّة بأنه هو الجندي التركي والأسير الروسي هو الحجاز.
هذه هي الحال في سوريا. مكاسب عسكرية بالجملة من يبرود إلى كسب، ومن ريف حمص إلى أرياف دمشق وحلب واللاذقية. ولكن أحداً لا يستطيع إنهاء الحرب لكي يستمتع بمكاسبه، ويفرض مشروعه وشريعته، بل كل موقعة تفتح الباب على معارك جديدة، وكل يوم من عمر النيران المشتعلة في سوريا العزيزة يمدّ عمر الحرب شهوراً جديدة مقبلة.
التنافس الإقليمي على سوريا، ولبنان وفلسطين، ليس مصدر المشكلة، ولكنه كفيل بإطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية.
بات الحلم ضرباً من ضروب السذاجة. مع ذلك، فإن الإصرار على طرح الأمور البديهية ببساطة و«طهارة» هو حق من الحقوق الأساسية، وشكل من أشكال التمرّد على الواقعية السياسية المفرطة في الشرق.
فلو حلّ التفاهم الخليجي الإيراني مكان التنافس الراهن لتغيّرت صورة الشرق وتعزز موقعه في المعادلات الدولية، ولأتيح للشعب الفلسطيني المقهور أن يجد ظهيراً قوياً له في كفاحه لاسترجاع الحدّ الأدنى من حقوقه. ولا يمكن لهذا التفاهم أن يستقيم إلا إذا رسا على قواعد صحيحة وأسس ترسم حدود النفوذ لكل طرف، وتكرّس الحقوق السياسية والاقتصادية للجماعات كافة.
هذا النظام يرسي استقراراً إقليمياً يحلّ محلّ الصراع القائم، وهو قادر على تأمين ازدهار اقتصادي ورخاء لشعوب المنطقة ومنافع للقوى الإقليمية المنخرطة فيه. فالمنطقة المكوّنة من إيران وبلدان مجلس التعاون الخليجي تتمتع بإمكانات لا تخفى على أحد.
الأرقام المجمّعة لاقتصاديات دول المنطقة المنتمية إلى منظمة أوبيك، أي إيران والسعودية وقطر والكويت والإمارات العربية، تبيّن حجم إمكانات هذه البلدان، التي لا يزيد تعداد سكانها عن 2% من سكان العالم، وتظهر قدرتها غير المحدودة على توليد النموّ وخلق الازدهار. حصّتها، مجتمعة، من الناتج المحلي العالمي تقارب 3%، أي 2300 مليار دولار أميركي، وهي تستأثر بحوالي 7% من صادرات الكرة الأرضية و3% من وارداتها، رغم أن الاقتصاد الإيراني يعمل بجزء محدود من طاقته بسبب الحصار الاقتصادي الذي يفرضه الغرب على إيران.
حققت هذه البلدان الخمس وحدها فائضاً مجمّعاً في حساباتها الجارية يعادل 420 مليار دولار، بفضل صادراتها النفطية التي بلغت 880 مليار دولار سنة 2012. وهي (الدول الخمس) تملك أكثر من 50% من احتياطي النفط في العالم وربع احتياطي الغاز وتستأثر بثلث انتاج النفط الخام و45% من صادرات النفط الخام، إضافة إلى حصتها المحفوظة، بنسب أقلّ في انتاج الغاز وتصديره.
التفاهم الإقليمي المنشود والمرغوب فيه لا يجب أن يقتصر على هذه البلدان فحسب، لأن مصر، عندما تصبح جاهزة، يجب أن يكون لها مقعد أمامي فيه، كما أن ضم تركيا، إذا حسمت تردّدها بين الانتماء إلى الشرق الإسلامي وحلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يضيف إلى هذا التفاهم الاقتصاد التركي العملاق مع ناتج 800 مليار دولار وقدرات هائلة في الصناعة والخدمات.
جزء من هذه الثروات يحترق اليوم في العراق والشام، ويحرق سوريا وشعبها ويهدّد المنطقة بأسرها، ككيانات سياسية، بالزوال. وسوف يستمرّ الأمر على ما هو عليه حتى يدرك الجندي التركي أن أسر المقاتل الروسي هو «شِك» بدون رصيد.
مع توالي إعلانات النصر في سوريا، من قبل أطراف النزاع كافة، يرجع مرجوعنا مرّة أخرى إلى محمّد علي، مؤسّس الدولة المصرية وأحد روّاد الشرق الحديث، فننهل من خبرته الغنية في الديبلوماسية والسياسة والحروب.
سأله قنصل فرنسا ذات يوم «لماذا لا تسحب جيشك من الحجاز، ما دمت تشكو من دون انقطاع من تورّطك في هذه البلاد التي تستنزف جيش مصر ومالها منذ عشرين عاماً؟». أجابه محمّد علي أن جندياً تركياً أرسل إلى قائده يبشّره بأنه أسر جندياً روسياً، فرح القائد وطلب من الجندي أن يأتي إليه مع الأسير. ردّ الجندي أن ذلك متعذر، لأن الأسير متشبث في مكانه ولا يمكن نقله إلى مركز القائد. أجاب القائد «إذاً إحضر أنت وحدك»، فردّ الجندي التركي أنه غير قادر على ترك الأسير الروسي لأن هذا الأخير ممسك به ولا يستطيع الإفلات منه. علق محمّد علي على القصّة بأنه هو الجندي التركي والأسير الروسي هو الحجاز.
هذه هي الحال في سوريا. مكاسب عسكرية بالجملة من يبرود إلى كسب، ومن ريف حمص إلى أرياف دمشق وحلب واللاذقية. ولكن أحداً لا يستطيع إنهاء الحرب لكي يستمتع بمكاسبه، ويفرض مشروعه وشريعته، بل كل موقعة تفتح الباب على معارك جديدة، وكل يوم من عمر النيران المشتعلة في سوريا العزيزة يمدّ عمر الحرب شهوراً جديدة مقبلة.
التنافس الإقليمي على سوريا، ولبنان وفلسطين، ليس مصدر المشكلة، ولكنه كفيل بإطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية.
بات الحلم ضرباً من ضروب السذاجة. مع ذلك، فإن الإصرار على طرح الأمور البديهية ببساطة و«طهارة» هو حق من الحقوق الأساسية، وشكل من أشكال التمرّد على الواقعية السياسية المفرطة في الشرق.
فلو حلّ التفاهم الخليجي الإيراني مكان التنافس الراهن لتغيّرت صورة الشرق وتعزز موقعه في المعادلات الدولية، ولأتيح للشعب الفلسطيني المقهور أن يجد ظهيراً قوياً له في كفاحه لاسترجاع الحدّ الأدنى من حقوقه. ولا يمكن لهذا التفاهم أن يستقيم إلا إذا رسا على قواعد صحيحة وأسس ترسم حدود النفوذ لكل طرف، وتكرّس الحقوق السياسية والاقتصادية للجماعات كافة.
هذا النظام يرسي استقراراً إقليمياً يحلّ محلّ الصراع القائم، وهو قادر على تأمين ازدهار اقتصادي ورخاء لشعوب المنطقة ومنافع للقوى الإقليمية المنخرطة فيه. فالمنطقة المكوّنة من إيران وبلدان مجلس التعاون الخليجي تتمتع بإمكانات لا تخفى على أحد.
الأرقام المجمّعة لاقتصاديات دول المنطقة المنتمية إلى منظمة أوبيك، أي إيران والسعودية وقطر والكويت والإمارات العربية، تبيّن حجم إمكانات هذه البلدان، التي لا يزيد تعداد سكانها عن 2% من سكان العالم، وتظهر قدرتها غير المحدودة على توليد النموّ وخلق الازدهار. حصّتها، مجتمعة، من الناتج المحلي العالمي تقارب 3%، أي 2300 مليار دولار أميركي، وهي تستأثر بحوالي 7% من صادرات الكرة الأرضية و3% من وارداتها، رغم أن الاقتصاد الإيراني يعمل بجزء محدود من طاقته بسبب الحصار الاقتصادي الذي يفرضه الغرب على إيران.
حققت هذه البلدان الخمس وحدها فائضاً مجمّعاً في حساباتها الجارية يعادل 420 مليار دولار، بفضل صادراتها النفطية التي بلغت 880 مليار دولار سنة 2012. وهي (الدول الخمس) تملك أكثر من 50% من احتياطي النفط في العالم وربع احتياطي الغاز وتستأثر بثلث انتاج النفط الخام و45% من صادرات النفط الخام، إضافة إلى حصتها المحفوظة، بنسب أقلّ في انتاج الغاز وتصديره.
التفاهم الإقليمي المنشود والمرغوب فيه لا يجب أن يقتصر على هذه البلدان فحسب، لأن مصر، عندما تصبح جاهزة، يجب أن يكون لها مقعد أمامي فيه، كما أن ضم تركيا، إذا حسمت تردّدها بين الانتماء إلى الشرق الإسلامي وحلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يضيف إلى هذا التفاهم الاقتصاد التركي العملاق مع ناتج 800 مليار دولار وقدرات هائلة في الصناعة والخدمات.
جزء من هذه الثروات يحترق اليوم في العراق والشام، ويحرق سوريا وشعبها ويهدّد المنطقة بأسرها، ككيانات سياسية، بالزوال. وسوف يستمرّ الأمر على ما هو عليه حتى يدرك الجندي التركي أن أسر المقاتل الروسي هو «شِك» بدون رصيد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018