ارشيف من :أخبار لبنانية
«المستقبل» يتحدّى بيئته؟
غسّان جواد - صحيفة "الجمهورية"
شكّلت مقرّرات جلسة مجلس الوزراء الأخيرة أوّلَ اختبار جدّي للتفاهم الذي أفضى إلى تأليف الحكومة، وعكست رغبة مختلف الأفرقاء إيلاءَ الشأن الأمني الأولوية القصوى في هذه المرحلة التي يمرّ بها لبنان.
الغطاء السياسي الذي أعطِي للجيش والقوى الأمنية لضبط الشارع وتنفيذ الاستنابات القضائية والحدّ من حال الفلتان في طرابلس وعلى الحدود، يحتاج، على ما يبدو، الى متابعة جدّية لدى تيار «المستقبل» الطرفِ المعني مباشرةً بهذا الملف.
وهنا يمكن القول إنّ الشارع «المستقبلي» أمام عملية فرز حقيقي بين مَن اقتنع بضرورة التفاهم وتجنيب لبنان مزيداً من الحرائق والتداعيات، وبين من لا يزال مُصرّاً على استخدام شمال لبنان وطرابلس والحدود السورية ـ اللبنانية للتأثير في مجريات الأزمة السورية وبالتالي تحمّل نتائجها.
منذ القرار السعودي الواضح والمعلن برفع الغطاء عن الإرهابيين ومنعِ السعوديين من القتال خارج المملكة ومعاقبتهم على ذلك، بات تيار «المستقبل» أمام تحَدّ كبير في التعامل مع التطرّف المتنامي في الشارع السنّي عموماً، والذي يؤثّر مباشرةً على «المستقبل» قبل غيره من القوى السياسية في لبنان لأنّه يعمل في البيئة نفسها.
خطاب الرئيس سعد الحريري في ذكرى 14 شباط في البيال، وإعلانه الخصومة العلنية مع «النصرة» و«داعش» والمنظمات المتطرّفة بدا متناغماً مع الموقف السعودي الجديد على مستوى المنطقة ولبنان، وهذا ما سهّل بدوره ولادة الحكومة الحالية بالشكل الذي وُلدت فيه، وبالشخصيات التي جاءت لتمثّل «المستقبل» في مجلس الوزراء، والأهم في البيان الوزاري والموقف السياسي الذي استشعر خطر التطرّف وأعطى موضوع مكافحته الأولوية القصوى في الوقت الحالي.
في هذا المعنى، نجحت قوى 8 آذار في استدراج قوى 14 آذار إلى تبنّي معركتها مع الإرهاب، انطلاقاً من الموقف السعودي أوّلاً، ومن رغبة هذه القوى بالعودة القوية إلى السلطة ثانياً. وهنا كان الاتفاق على أنّ استعادة السلطة ينبغي ان يكون مقروناً بقرار سياسيّ واضح بالتصدّي لموجة الإرهاب التي تستهدف لبنان، ومنع تحويل البيئة القريبة من «المستقبل» بيئة حاضنة للإرهاب والإرهابيين.
إختبار دخول الجيش اللبناني وتعزيزه بالفوج المجوقل إلى عرسال نجح مبدئياً في إقامة الفرز بين المواطن العرسالي العادي المتعاطف مع «المعارضة السورية» وبين المتورّط من أهالي البلدة ومن النازحين أو المسلّحين الأجانب الذين فرّوا من حمص والقلمون.
وبالتالي ساعدت هذه التجربة على اتّخاذ قرارات مهمّة في مجلس الوزراء حيال البدء بمكافحة الظواهر المتطرفة وتحجيمها ومحاصرتها. هذا الأمر دفع كثيرين من «القوى المتضررة» إلى مهاجمة «المستقبل» واتّهامه بالتخلّي عنهم، وإلى تصعيد موجة العنف ضد الجيش والقوى الأمنية، لاختبار جدّية الدولة والقوى السياسية في الذهاب بعيداً في تنفيذ هذه المقرّرات.
والحال هذه، تبدو حكومة الرئيس تمّام سلام، وضمنها وزراء 14 آذار أمام تحدّيات موضوعية لجهة القدرة على ضبط الشارع في طرابلس، والفرز بين المسلّح المتطرّف الإرهابي، والآخر الذي يمكن استيعابه وإعادة تأهيله ليستأنف مواطنة صالحة وحياة طبيعية.
والتحدّي الأخطر يكمن في تنامي قدرات الإرهابيين ووجود دُول وأجهزة عربية وإقليمية لا تزال محتاجة لوجود بؤر إرهابية في لبنان يجري استخدامها في المواجهة الداخلية، أو في التأثير على مجريات الميدان السوري.
في موازاة الجانب الأمني في طرابلس والشمال عموماً، حسناً فعلت الحكومة بأن تنبّهت إلى الجوانب الإنمائية والاقتصادية والمعيشية. فجزء وافرٌ من الفلتان في طرابلس يمكن معالجته بالتنمية وخلق فرص عمل وتأمين استقرار اجتماعي واقتصادي للمسلّحين وقادة المحاور.
مع العلم أنّ هذا الأمر أيضاً ينبغي أن يخضع لرقابة، فلا تُصرَف الأموال المرصودة لطرابلس في سياق تعزيز التطرّف، خصوصاً أنّ هنالك تجارب سابقة في هذا الشأن. وكلّ ذلك مَنوط بتماسك الموقف السياسي داخل الحكومة، وجدّية «المستقبل» في الذهاب بعيداً في «تنظيف» بيئته من المتطرّفين.
والأيام المقبلة تحمل استحقاقات سياسية ودستورية ستكشف المناورة من الالتزام السياسي الفعلي، في ظلّ حالٍ من الاهتراء تصيب البلد بكامله، ولا تتحمّل مزيداً من المناورات أو التجريب أو تدوير الزوايا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018