ارشيف من :أخبار لبنانية
رئاسة الجمهورية الى ’توافقي’ في بلد التسويات
دنيز عطالله حداد - صحيفة "السفير"
مرة جديدة يضيّع المسيحيون فرصة استعادة الشراكة الفعلية في القرار السياسي. مرة جديدة يسمحون لانقساماتهم وخلافاتهم بأن تزيد من تراجع تأثيرهم وفعالية دورهم.
لن يتفق المسيحيون على مرشح لرئاسة الجمهورية. لن تتنازل أحزابهم عن ترشيح رؤسائها: امين الجميّل، ميشال عون، سمير جعجع وسليمان فرنجية. لن يصل أي من هؤلاء الى سدة الرئاسة. انتهى زمن ما قبل الطائف. إنه زمن آخر بقواعد لعبة جديدة. قواعد تحفظ للمسيحيين في الشكل المناصفة والمشاركة، ولكن عمليا تقلّص حجم تأثيرهم كتقلّص أعدادهم وحضورهم. قواعد لا تتيح وصول رئيس جمهورية يقول ويعمل ويبادر ويحسم.
قد لا يكون ما تقدم سلبياً، لو كان البلد يؤمّن ويمارس الشراكة الوطنية، متجاوزا صغائر الطوائف وحساباتها. بل قد يكون في أكثر من وجه إيجابيا. لكن في الراهن، تبدو الصورة قاتمة، منظورا اليها من وجهة نظر مسيحية. فها هو بطريرك الموارنة يرفع الصوت للمطالبة بالدعوة الى جلسة انتخاب الرئيس يُسأل بعدها من تغيّب، اذا تغيب، عن السبب. يرد رئيس المجلس بتأليف لجنة من كتلته النيابية تستمزج آراء الكتل في الموضوع الرئاسي. يزيد ذلك من قلق البطريرك، المرتاب أصلا من الخفّة في التعاطي مع انتخابات رئاسة الجمهورية. وينقل عنه مقرّبون أن "أكثر ما يستفزّه الحديث عن الفراغ وكأنه خيار أو إمكانية مطروحة. وكلما قرأ أو سمع أو نُقل اليه كلام في هذا المجال ازداد إصراره على وجوب الإسراع في الدعوة الى جلسة قريبة لوضع النواب والكتل السياسية أمام مسؤولياتهم. لا تنفع إضاعة الوقت، والمجلس والحكومة مكانين مناسبين للتلاقي والتحاور. ولا موجب للتأخير تحت اي عذر كان". يقول المقرّبون إن "البطريرك مسكون في هذه الفترة بفكرة إجراء الانتخابات في موعدها. ذلك سيتيح ضخ الحياة في كل شرايين البلد المتصلّبة".
اذا كان البطريرك يحرص على عدم الدخول في اسم الرئيس، مسلّما سلفا بمن يتفق عليه النواب، الا ان في اسم الساكن الجديد المفترض لقصر بعبدا تتلخص وجهة حكم ووجه بلد، ومن خلاله ملامح ما يجري ترتيبه في كل المنطقة.
من هذه الرؤية، يؤكد ديبلوماسي غربي أنه "قد يكون انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية في هذا الظرف تحديدا، من المرّات القليلة التي يمكن أن يكون فيها القرار لبنانيا داخليا بنسبة عالية. فالأحداث الكبرى التي تدور في العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصا، جعلت اهتمام الدول يتراجع نسبيا في التدخل في كل تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية. جميع الدول تريد اليوم الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان. معظمها تريد انتخابات رئاسية. بالتالي المسؤولية هي بالدرجة الاولى لبنانية داخلية. فاذا توافق اللبنانيون أمكنهم انتخاب رئيس في أقرب وقت".
لكن السؤال المحيّر يبقى عن اسم الرئيس وموازين القوى الداخلية التي ستأتي به الى سدة المنصب الأول في الجمهورية. هنا يتأكد تكرارا أن القوى الأقل تأثيرا هي القوى المسيحية الحزبية. أقصى ما يمكن أن تصل اليه، وهو السيناريو المرجح، أن تتفق، مكرهة، على اسم رئيس توافقي يمضي ولايته في تأكيد شرعية تمثيله كرئيس لكل اللبنانيين، في حين يعرف، ويعرفون، أن رؤساء الاحزاب المسيحية هم من يستأثرون بـ"الشرعية الشعبية المسيحية"، وكذلك يفعل رؤساء الاحزاب المسلمون في أوساطهم.
تقول إحدى الشخصيات المعنية بالاستحقاق الرئاسي إن "لبنان بلد التسويات. وطالما كان المسيحيون سبّاقون في تقديم التنازلات لمصلحة البلد. بهذا المعنى لا يمكن ان يُحكم لبنان من رئيس منحاز الى احد المعسكرين المتواجهين في المنطقة خلف أقنعة مختلفة. يحتاج لبنان الى رئيس يعرف أن يبني جسرا من الثقة بين المكوّنات اللبنانية تحميها، وتحمي لبنان معها، من جنون الفتنة والمغامرات المتهورة. لذا فالرئيس التوافقي ليس خسارة للمسيحيين، بل اضافة وتطور في مسيرتهم السياسية اذا كانوا حريصين فعلا على تحصين البلد. وقد يكون من الامثل ان تحذو حذوهما سائر الطوائف في اختيار رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء. هي محاولة لم نختبرها بعد الطائف، وتجدر محاولتها من دون أن يعني ذلك انتقاصا من دور الاحزاب. بل على العكس تعطي حرية أوسع في الممارسة الديموقراطية في مجلسي النواب والحكومة".
يبتسم معلقا: هذا قد يصلح حلما في "السفير" للسنوات المقبلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018