ارشيف من :ترجمات ودراسات
العولمة والنهاية المبرمجة للديموقراطية (1)
الكاتب : Sylvain Timsit
عن موقع stylinet الالكتروني
1-انتقال سلطة الدول إلى الشركات
لم تعد الحكومات هي من يحتل موقع أسياد العالم الحقيقيين. فهذا الموقع سيطر عليه أصحاب المجمعات المالية والصناعية العابرة للقارات والمؤسسات الدولية غير الشفافة (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، المنظمة الدولية للتعاون والتنمية، المصارف المركزية). والحال أن الأشخاص الذين يحركون هذه المؤسسات ليسوا منتخبين رغم الأثر الذي تحدثه قراراتهم على حياة الناس.
هذه المؤسسات تمارس نفوذها على المستوى العالمي، في حين يقتصر نفوذ الدول على البعد الوطني.
من جهة أخرى، تجاوزت قدرات الشركات العابرة للقارات في مجال حركة الأموال منذ مدة طويلة قدرات الدول.
هذه المؤسسات هي، على المستوى العالمي، أغنى من الدول وتشكل المصدر الرئيسي لتمويل الأحزاب السياسية من جميع الاتجاهات وفي معظم بلدان العالم. إنها فوق القوانين، وفوق السلطة السياسية وفوق الديموقراطية.
في ما يلي لائحة بمداخيل بعض الشركات العابرة للقارات مقارنة بالناتج المحلي الخام للدول. وهي واضحة في الدلالة على مدى القوة التي تكتسبها هذه الشركات باستمرار. وهذه القوة تشهد نمواً يتجاوز الحدود بفعل تسارع عمليات الاندماج بين الشركات.
الشركة أو الدولة الدخل
جنرال موتورز 178 مليار دولار
الدانمارك: 161
تايلاند: 157
فورد : 153
النروج: 153
ميتسوي وشركاه: 142
بولندا: 135
إفريقيا الجنوبية: 129
ميتسوبيشي: 129
رويال دويتش شل: 128
إيتوشو: 126
السعودية: 125
إكسون (إسو): 122
وول مارت: 119
اليونان: 119
فنلندا: 116
ماروبيني: 111
سوميموتو: 109
ماليزيا: 97
البرتغال: 97
سنغافورة: 96
تويوتا: 95
"إسرائيل": 90
جنرال إلكتريك: 90
الفيليبين: 83
أي بي إم: 78
إن تي تي: 77
آكسا - يو آي بي: 76
مصر: 75
شيلي: 74
إيرلندا: 72
ديملر- بنز: 71
بريتش بتروليوم: 71
فنزويلا: 67
فولكسفاغن: 65
نيوزيلندا: 65
يونيلفر: 43
باكستان: 41
نستله: 38
سوني: 34
نيجيريا: 29
الشركات الخمس الأولى 526 مليار دولار
الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية: 454
آسيا الجنوبية: 297
إفريقيا ما تحت الصحراء: 269
*إحصاءات العام 1999 باستثناء ما ورد بالخط المائل حيث تعود الأرقام إلى العام 1992.
*المصادر : البنك الدولي، فوربس، المعهد الوطني لأبحاث الأمم المتحدة حول التنمية، كورييه انتناسيونال، لوموند ديبلوماتيك.
*لم تلحق الكسور الملحقة بالأرقام الواردة.
2-الوهم الديموقراطي
لم تعد الديموقراطية موجودة في الواقع أصحاب المؤسسات التي تمارس السلطة الفعلية ليسوا منتخبين، ولا يتم إعلام الجمهور بقراراتهم.
هامش النشاط عند الدول يتقلص باستمرار من خلال اتفاقيات اقتصادية دولية لا يعلم بها المواطنون ولا تتم استشارتهم بشأنها.
لجميع هذه الاتفاقيات المبرمة خلال السنوات الخمس الأخيرة، أي الاتفاقية الدولية حول التعرفة الجمركية والتجارة(غات)، والمنظمة العالمية للتجارة، والاتفاقية الدولية حول الاستثمار، الاتفاقية الجديدة حول التجارة بين ضفتي الأطلسي، اتفاقية التجارة الحرة بين بلدان أميركا الشمالية (نافتا)، هدف واحد هو نقل سلطة الدول إلى منظمات غير منتخبة، وذلك من خلال عملية اسمها "العولمة".
لم يكن من الممكن للتخلي العلني عن الديموقراطية أن يتم من دون أن يؤدي إلى ثورات ضد مثل هذا الإجراء. لذا تقرر الاحتفاظ بالديموقراطية كواجهة مع نقل السلطة الفعلية نحو مراكز جديدة.
المواطنون يواصلون الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، لكن تصويتهم أفرغ من كل محتوى. فهم ينتخبون مسؤولين ما عادوا يتمتعون بسلطة فعلية.
ولأن هؤلاء المسؤولين فقدوا سلطة اتخاذ القرار، فإن البرامج السياسية لليمين ولليسار على حد سواء أصبحت متشابهة تماماً في جميع بلدان الغرب.
باختصار، لم يعد بإمكاننا اختيار الطبق الذي نأكله، ولم يتبق لنا غير اختيار الصلصة. أما الطبق فيسمى "العبودية الجديدة". أما الصلصة فهي حريفة (يمينية) أو حامضة-حلوة (يسارية).
3-نهاية الإعلام
منذ بداية التسعينيات، اختفى الإعلام بالتدريج في وسائل الإعلام الموجهة إلى الجمهور الواسع.
وكما هو شأن الانتخابات، حافظت نشرات الأخبار المتلفزة على وجودها، لكنها أصبحت خالية من المضمون.
تحتوي نشرة الأخبار المتلفزة كحد أقصى على دقيقتين أو ثلاث من الأخبار الحقيقية، أما الباقي فهو عبارة عن منوعات وتحقيقات حول وقائع ثانوية، وحوادث، وجرائم، ووقائع عادية من الحياة اليومية.
أما التحليلات من قبل صحافيين متخصصين، والبرامج الإعلامية الحقيقية فقد شطبت بالكامل.
أصبح الإعلام مقتصراً على الصحافة المكتوبة التي لا تطلع عليها غير قلة من الناس.
إن نهاية الإعلام الحقيقي هي المؤشر الملموس على أن نظامنا السياسي قد تغير من حيث طبيعته.
4-التحكم بالعالم، استراتيجيات وأهداف
إن أصحاب السلطة الاقتصادية يتحدرون بأكثريتهم الساحقة من عالم واحد ومن أوساط اجتماعية واحدة. يعرفون بعضهم بعضاً، ويلتقون ويتشاطرون وجهات النظر نفسها وتوحدهم المصالح نفسها.
وهم بالتالي يتشاطرون النظرة نفسها إلى ما ينبغي أن يكون عليه العالم النموذجي.
ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن يتفقوا على استراتيجية موحدة، وأن ينسقوا أنشطتهم بحيث تتجه نحو الأهداف المشتركة لتخلق أوضاعاً اقتصادية ملائمة لتحقيق أهدافهم، وهذه الأهداف هي:
-إضعاف الدول والسلطة السياسية. إزالة الضوابط. خصخصة الخدمات العامة.
-إبعاد الدول بشكل كامل عن الاقتصاد، بما في ذلك قطاعات التربية والبحث، وفي المدى المنظور، عن الشرطة والجيش، لأن جميع هذه القطاعات مستهدفة كمجالات للاستثمار من قبل الشركات الخاصة.
-إغراق الدول بالمديونيات بواسطة الفساد، والأشغال العامة غير المفيدة، والمساعدات المقدمة إلى الشركات بلا مقابل، والإنفاق العسكري. وعندما تصبح الديون ثقيلة كالجبال، تجد الحكومات نفسها مجبرة على الخصخصة وتدمير الخدمات العامة. وبقدر ما يزداد خضوع حكومة ما لـ "أسياد العالم"، يزداد ميلها إلى تكبيل البلد الذي تحكمه بالديون.
-جعل الحصول على عمل والمحافظة عليه أمراً عسيراً والمحافظة على مستوى بطالة مرتفع عن طريق نقل هجرة الشركات إلى البلدان الفقيرة أو الصاعدة مع عولمة سوق العمل. وهذا يؤدي إلى زيادة الضغط الاقتصادي على العمال والموظفين ما يجعلهم مستعدين لقبول أجور أدنى وظروف عمل أكثر صعوبة.
-تقليص المساعدات الاجتماعية لإجبار العاملين على القبول بأي عمل وبأي أجر، لأن تقديم مساعدات اجتماعية مرتفعة يعطل دور البطالة في ممارسة ضغط فعال على سوق العمل.
-الحيلولة دون تصاعد المطالبة بزيادة الأجور في العالم الثالث عبر إخضاع بلدانه لأنظمة شمولية أو فاسدة. لأن حصول العاملين في بلدان العالم الثالث على أجور أفضل يعطل مبدأ نقل الشركات إلى تلك البلدان، وما يشكله ذلك من ضغط على سوق العمل والمجتمع في بلدان الغرب. لذا، فإن نقل الشركات هو عبارة عن أداة ضاغطة استراتيجية وأساسية يحرص " أسياد العالم" على المحافظة عليها بأي ثمن. ولم يقم أسياد العالم بتفجير "أزمة نمور آسيا" عام 1998 إلا بهدف المحافظة على أداة الضغط المذكورة.
5-وسائل السلطة
تعمل المؤسسات الخاصة العابرة للقارات على امتلاك جميع وسائل القوة (1) التي تتمتع بها الدول: شبكات اتصال، أقمار صناعية (2)، أجهزة استخبارات، ملفات عن الأفراد(3)، دوائر قضائية (أقامتها حتى الآن كل من منظمة التجارة العالمية والاتفاقية الدولية حول الاستثمار، ويمكن بموجب الاتفاقيات المبرمة بهذا الصدد للشركة العابرة للقارات أن تجر أي دولة إلى المحاكمة أمام محكمة دولية خاصة).
أما المرحلة اللاحقة فهي امتلاك تلك المؤسسات لسلطة عسكرية وبوليسية موازية لما تمتلكه من قدرات، ما يعني أنها تبدأ بتكوين قواتها المسلحة الخاصة لأن الجيوش وأجهزة الشرطة التابعة للدول غير مؤهلة لخدمة مصالحها في العالم.
وعلى هذا، تكون الجيوش مدعوة في المدى المنظور إلى أن تصبح جيوشاً خاصة تقدم الخدمات لتلك المؤسسات بموجب عقود مع الدولة أو مع أي زبون خاص يمكنه أن يدفع تكلفة تلك الخدمات. وفي المرحلة النهائية من هذا المشروع، تصبح مهمة هذه الجيوش الخاصة حماية مصالح الشركات العابرة للقارات وضرب الدول التي لا تخضع لقواعد النظام الاقتصادي الجديد.
وبانتظار ذلك، فإن من يتولى تنفيذ هذه المهمة هو جيش الولايات المتحدة أي البلد الأكثر خضوعاً لتحكم الشركات العابرة للقارات.
هوامش
-الجيوش الخاصة
الجيوش الخاصة باتت موجودة فعلاً في الولايات المتحدة على شكل شركات DynCorpو CACI و MPRI التي تعتبر النماذج الأولى للجيوش الخاصة المستقبلية. وقد تدخلت DynCorp في العديد من البلدان التي ترغب الولايات المتحدة بالتدخل فيها عسكرياً دون تحمل المسؤولية المباشرة عن ذلك (أميركا الجنوبية، السودان، الكويت، اندونيسيا، كوسوفو، العراق...). وفي العام 2002، انتقلت ملكية DynCorp إلى شركة Computer Sciences Corporation وهي إحدى أهم شركات الخدمات المعلوماتية الأميركية. وفي أيار / مايو 2004، تورطت DynCorp و MPRI في تعذيب السجناء العراقيين. وتشكل الجيوش الخاصة (يطلق عليها البنتاغون اسم "العملاء الثانويين") 10 بالمئة من الجنود الأميركيين الذين أرسلوا إلى العراق.
-الأقمار الصناعية
تراجعت شركة ميكروسوفت أخيراً عن تنفيذ مشروعها المعروف باسم Teledesic، وهو عبارة عن شبكة مكونة من 288 قمراً صناعياً للاتصالات كان من المفترض أنها ستشكل حبكة تحيط بكامل الكرة الأرضية. لكن شركات أخرى عابرة للقارات تتهيأ لإنشاء شبكات اتصال مشابهة. كما إن أقماراً صناعية خاصة باتت تقوم بعملها في المراقبة. وهنالك شركتان تبيعان صوراً بالغة الدقة لأي مكان في العالم، ومن شأن هذه الصور أن تهم كثيراً من المشترين.
-الملفات الشخصية
هنالك العديد من الشركات التي أنشئت خلال السنوات الأخيرة (في الولايات المتحدة بشكل رئيسي) للعمل في جمع المعلومات عن الأفراد لغايات تقدم رسمياً على أنها تجارية. ولكن هذه الملفات الشخصية تضم حتى الآن ملايين النماذج الفردية المحددة جداً عن أشخاص يتوزعون في مختلف بلدان الغرب. أما المعلومات المثبتة في هذه الملفات فتباع لكل من يرغب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018