ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس: نجاح أولي للخطة الأمنية

طرابلس: نجاح أولي للخطة الأمنية

غسان ريفي - صحيفة "السفير"

أصدق ما في الأول من نيسان أمس، كان الخطة الأمنية التي انطلقت فجرا في طرابلس بزخم عسكري لم يخل من الحكمة والتعقل والحسم والحزم.

وأصدق ما في الأول من نيسان كان جدية الدولة، ومن ورائها اللاعبون الاقليميون المؤثرون، في طيّ صفحة العنف في طرابلس مرحليا أو بشكل نهائي، بما يسمح للمدينة بالنهوض مجددا بعدما أدخلتها فوضى السلاح الى العناية المركزة.

لكن الأول من نيسان تجسّد واقعا عند بعض الأصوات التي عملت منذ إقرار الخطة الأمنية على إثارة المشاعر والغرائز، ومارست التحريض على الجيش اللبناني والقوى الأمنية، بهدف تحقيق بعض المكاسب الشخصية، وقد غابت أمس عن السمع وأقفلت هواتفها الخليوية.

وضعت الخطة الأمنية التي انطلقت عند السادسة فجرا، أكثرية المحاور التقليدية الساخنة في عهدة الجيش بشكل كامل، باستثناء منطقة التبانة التي من المفترض أن يدخلها الجيش اعتبارا من فجر اليوم، وسط اعتراضات عبّر عنها نحو 200 شاب خرجوا في مسيرة جابت شارع سوريا رفضا لهذه التدابير، لكنها لم تجد أي صدى.

وأربكت الخطة الأمنية رؤساء المجموعات المسلحة على كل خطوط التماس، والذين كانوا حتى قبل الساعة صفر يشككون بإمكانية نجاحها والتي ستكون برأيهم، على غرار ما سبقها، خاضعة لشروط معينة ومن ثم يؤول مصيرها الى الفشل، وذلك بعد أن استمدوا بعض المعنويات من المواقف التحريضية لمشايخ وجدوا في هذه الأجواء فرصة مؤاتية لتقدم الصفوف وتسجيل النقاط على خصومهم في الساحة الاسلامية، ولو على حساب أمن تلك المناطق وسلامة أهلها.

لذلك وجد رؤساء المجموعات المسلحة أنفسهم أمام ثلاثة خيارات: اما أن يواجهوا إجراءات الجيش في غياب أي طرف سياسي أو ديني مستعد لتغطيتهم. وإما أن يسلموا أنفسهم لتتم إحالتهم الى القضاء للنظر بأمرهم. أو أن يتركوا المنطقة ويتجهوا الى جهات مجهولة، وهو ما فعله أكثريتهم، فداهم الجيش أماكن تواجدهم ولم يعثر عليهم.

أدخلت الخطة الأمنية كثيرا من الطمأنينة الى نفوس الطرابلسيين الذين وجدوا فيها خشبة الخلاص من المستنقع الأمني الذي فاض على مختلف مناطق المدينة، حتى بات السلاح اللغة الوحيدة المعتمدة للتخاطب، والاعتداءات على المواطنين خبزا يوميا، وجولات العنف حاضرة كلما دعت الحاجة.

لا شك في أن النجاح الذي حققه الجيش وقوى الأمن الداخلي في اليوم الأول من الخطة الأمنية التي شملت جبل محسن والقبة والحارة البرانية، وتخللها الدخول الى منزل مسؤول العلاقات السياسية في «الحزب العربي الديمقراطي» رفعت عيد، والمداهمات التي نفذت في مختلف المحاور وفي مناطق طرابلسية أخرى، كل ذلك أكد أن ثمة غطاء وطنيا وإقليميا.. وحتى دوليا، وأن توافقا كاملا قد حصل لوضع حد لما تشهده طرابلس من فلتان، بعدما بدأت فوضى السلاح تهدد كل لبنان.

وتشير المعطيات الى أن التوافق على الحل الأمني فرضته عدة عوامل أبرزها:

أولا: الفتنة التي بدأت تتمدد من طرابلس الى عكار التي كانت تغلي على وقع المعارك التي تشهدها محاور التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن، وقد ترجمت في الجولة الـ20 الى إشكالات عمل الجيش على التصدي لها سريعا.

ثانيا: التخوف الجدي من أن تتحول طرابلس الى حاضنة للمتطرفين الذين لم يعودوا قادرين على تقديم الدعم الميداني للمعارضة المسلحة في سوريا أو التواصل معها بعد سقوط يبرود وقلعة الحصن وانتقال العشرات من المقاتلين المتشددين الى الشمال، ما يشير الى إمكانية تصدير التطرف وربما الارهاب الى كل لبنان انطلاقا من طرابلس، أو الدخول في معارك لا تنتهي مع جبل محسن للثأر من الانجازات التي يحققها النظام السوري كما حصل في الجولة الـ20 التي ضربت رقما قياسيا من حيث عدد الأيام (18 يوما) أو تهور بعض القادمين من قلعة الحصن وإقناع من حولهم باعلان الامارة ولو على صعيد مناطق محددة.

ثالثا: اقتناع كل الأطراف أن هذه المعارك العبثية لم تعد تؤثر بالسياسة بعد أن خرجت عن الاطار المرسوم لها، ودخلت ضمن إطار المصالح والمكاسب الشخصية.

رابعا: الاجماع الوطني على ضرورة وضع حد للفلتان الأمني الذي بات يهدد الجميع، وبدأ يضغط على كل الأطراف.

ميدانيا

لم يكن أحد في طرابلس يتوقع أن تنجز الخطة الأمنية بهذا الشكل من القوة والحسم، فحتى ليل أمس كان بعض المشككين غير مقتنعين بامكانية مداهمة «الأماكن المحرمة» في جبل محسن، وبالتالي فان ذلك سيحمي مسؤولي المجموعات المسلحة وسيمكنهم من فرض شروطهم على الجيش، على غرار الخطط الأمنية السابقة، لكن الخطة التي أعدت باتقان وجرى تأمين كل وسائل الدعم والنجاح لها وترافقت مع قطع خدمة الانترنت عن المناطق التي تشملها الخطة الأمنية، لم تترك المجال لأي كان لكي يعترض.

فعند السادسة من فجر أمس تقدمت الوحدات العسكرية باتجاه جبل محسن تتقدمها الدبابات وناقلات الجند والجرافات، وداهمت بشكل سريع فيلا رفعت عيد ومكتبه وعملت الجرافات على إزالة كل الدشم والعوائق الباطونية والمتاريس الميحطة بها،
كما دخلت الى منزله الخاص حيث كانت توجد زوجته وأولاده ومعهم عضو المجلس الاسلامي العلوي الشيخ أحمد الضايع، وعملت على تفتيشه وصادرت أجهزة لاسلكية، ولم تعثر على عيد الذي غادر الى جهة مجهولة مع بعض قيادات الحزب.

وبالتزامن كانت قوة من الجيش تداهم منزل أمين عام الحزب علي عيد في حكر الضاهري في عكار، فلم تعثر عليه، حيث بات معروفا أنه انتقل قبل نحو أسبوعين الى طرطوس حيث يتلقى العلاج في أحد المستشفيات هناك، وقد أوقف الجيش أربعة أشخاص كانوا يقومون بحراسة المنزل.
وتابعت الوحدات العسكرية تحركاتها فانتشرت على طول طلعة الشمال، واتخذت نقاطا ثابتة، وداهمت مركز الحزب في ساحة الأميركان وحوّلته مركزا عسكريا للجيش، إضافة االى عدد من المواقع في حي السيدة وطلعة العمري، وأوقفت أحد مسؤولي المحاور سليمان خانات وعدداً من المتورطين، كما دخلت الى عمق جبل محسن لناحية ملعب «حركة الشباب»، وتوزع العسكريون على أسطح المباني، فيما كانت مروحيتان محملتان بأربعة صواريخ تجوبان سماء طرابلس للاستطلاع، والتدخل في حال حصول أي طارئ.

وترافق ذلك مع قيام وحدات إضافية من الجيش في الانتشار على محاور البقار والشعراني ومشروع الحريري والريفا، حيث أزالت كل مظاهر الحرب من دشم وعوائق وشوادر ومتاريس، واعتقلت أحد مسؤولي المجموعات المسلحة ويدعى جهاد الدندشي، إضافة الى عدد من الأشخاص ممن صدرت بحقهم مذكرات توقيف، أو ممن اعترضوا على إجراءات الجيش وحاولوا تعطيلها.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وسعت الوحدات العسكرية من نطاقها، فخرجت من المحاور الى عمق منطقة القبة، وداهمت منزل شادي المولوي، وشقيقه نزار، إضافة الى منزل الداعية عمر بكري، لكنها لم تعثر على أحد منهم بعدما فروا الى جهة مجهولة.
وشملت الخطة أيضا الأسواق الداخلية التي شهدت مداهمات مماثلة، وانتشارا كثيفا امتد حتى باب الرمل، وصعودا نحو أبي سمراء، في وقت كانت فيه قوى الأمن الداخلي تقيم نحو 30 حاجزا في مختلف أنحاء وشوارع طرابلس للتدقيق في الهويات وتفتيش السيارات.
وبعد الظهر، وبعدما وصلت أصداء جدية الخطة الأمنية الى أبناء التبانة التي غادرها أكثرية مسؤولي المجموعات المسلحة الى جهة مجهولة ومنهم من عاد الى قراهم وبلداتهم في أقضية شمالية مختلفة، حاول عدد من الشبان القيام بحركة اعتراضية عله يخفف من وطأة الاجراءات التي ستتخذ في التبانة اعتبارا من اليوم، فجرى تنظيم مسيرة شارك فيها نحو 200 شاب هتفوا ضد إجراءات وتدابير الجيش، في وقت كان الشيخ داعي الاسلام الشهال ينتقد الخطة ويعتبرها إضعافا لأهل السنة.

لكن رد الجيش جاء سريعا بدخوله الى الحارة البرانية، وهي أحد المحاور الملتهبة بقيادة زياد علوكة الذي كان أعلن مرارا وتكرارا أنه مستعد للاستشهاد على أن يسلم سلاحه أو منطقته، لكن الجيش الذي نفذ عمليات دهم واسعة لم يعثر على علوكة الذي توارى عن الأنظار، وقد سارعت الوحدات العسكرية الى إزالة الغرف الباطونية التي كانت تستخدم كمتاريس خلال الاشتباكات، إضافة الى العديد من الدشم والسواتر من سوق القمح وصولا الى حدود التبانة.

وقد أسفر اليوم الأول من الخطة عن توقيف 21 شخصا، جرى إطلاق 6 منهم، ليحال 14 مطلوبا الى القضاء المختص.
الى التبانة در اعتبارا من فجر اليوم، حيث من المفترض أن يستكمل الجيش خطته الأمنية لجهة الانتشار على كل المحاور والدخول الى عقر دار المجموعات المسلحة، والى عمق المنطقة وشوارعها الداخلية التي سينتشر فيها للمرة الأولى.

«العلماء المسلمين»

دعت «هيئة العلماء المسلمين» في بيان بعد لقاء وفد منها برئاسة الشيخ سالم الرافعي، وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، وبحضور وزير العدل اللواء اشرف ريفي، لأن «تكون الخطة الأمنية قد وضعت لإحلال الأمن في المدينة وليس لإخضاعها وإذلال أهلها»، مطالبة «المؤسسات الحقوقية والإنسانية بمراقبة تنفيذ الخطة لضمان شفافيتها وعدم حصول انتهاكات للحريات العامة».

كما طالبت الهيئة بـ«تصوير المداهمات لمحاسبة المخلّين بجرم اساءة استعمال السلطة»، متمنية أن «تشمل الخطة الأمنية جميع مناطق التوتر، خصوصا مداخل عرسال»، وثمّنت «الاستنابات القضائية التي صدرت بحق علي عيد وابنه رفعت عيد وبحق شاكر البرجاوي».

 

«الأمن المركزي»: العدالة على الجميع

شدد «مجلس الأمن الداخلي المركزي» على ضرورة أن «يتم تنفيذ الخطط الامنية المقبلة في باقي المناطق اللبنانية بشكل متواز، يشعر من خلالها المواطنون اللبنانيون ان العدالة الأمنية تنطبق على الجميع من دون استثناء».

وكان المجلس عقد اجتماعا في وزارة الداخلية والبلديات امس، برئاسة وزير الداخلية نهاد المشنوق. وناقش المجلس مسألة قدرة لبنان المتناقصة على تحمل المزيد من النازحين السوريين مستقبلا في اجتماعات على مستويات أخرى مقبلة. كما بحث الأوضاع الأمنية في المخيمات الفلسطينية، ومسائل أمنية أخرى بقيت طي السرية.

كذلك ناقش المجلس الخطة الأمنية التي بوشر تنفيذها في مدينة طرابلس ومحيطها صباح امس. وشدد المشنوق على «ان يكون الانتشار الامني والعسكري هو انتشار مسؤول، جدي، صارم وحاسم وغير ظالم، خشية ان يتولد انطباع لدى الرأي العام بأن الانتشار هو انتشار ودي فقط، ولكي لا تصل الامور بعد ايام الى ما يسمى الامن بالتراضي والذي هو مرفوض بشكل قاطع». وقال «على الجميع ان يعلم انه قبل الخطة شيء وبعدها شيء آخر».

ولاحقا ترأس القاضي سمير حمود اجتماعا، حضره كل من: النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، والنواب العامون في محافظات. وتناول البحث في سبل التشدد في مواكبة الخطة الأمنية التي أقرها مجلس الوزراء.

وأوضح حمود ان «الاجتماع بحث كيفية مواكبة الخطة الامنية». وأشار الى أن «الاجتماع تطرق أيضا الى عمل النيابات العامة كل ضمن صلاحياته واختصاصه»، داعيا الى «التشدد في ملاحقة الاشخاص مرتكبي الجرائم والاسراع في بت ملفاتهم لناحية الادعاء عليهم وإحالتهم على قضاة التحقيق او المحاكم».
وفي القسم الثاني تم بحث عمل النيابات العامة في كل المحافظات. وأعطى القاضي حمود توجيهاته من أجل سير العدالة، وطلب من النواب العامين تكليف محام عام لزيارة السجون مرة كل اسبوعين او ثلاثة اسابيع والاطلاع على اوضاع السجناء والموقوفين والوقوف على حاجاتهم.


«مديرية التوجيه»: 75 موقوفاً

أعلنت قيادة الجيش ـ مديرية التوجيه، في بيان أنه «استناداً إلى قرار مجلس الوزراء، بدأ الجيش اعتباراً من صباح امس، تنفيذ الخطة الأمنية في مدينة طرابلس بالتعاون مع الأجهزة الأمنية».

وأوضحت في بيان آخر، ان «وحدات الجيش قامت بعمليات دهم وتفتيش في كل من جبل محسن، مشاريع الحريري، البقار، النعماني، حي التنك، الاميركان، باب الحديد، الاسواق الداخلية، الريفا، القبة وباب الرمل، وتم توقيف العديد من المطلوبين وضبط كمية من الاسلحة والاعتدة العسكرية المختلفة، كما تم ازالة العديد من الدشم والتحصينات».

وفي بيان ثالث، أوضحت أن عدد الموقوفين بلغ 75 شخصاً، بينهم 27 من التابعية السورية والفلسطينية»، مشيرة إلى أنه «تم ضبط 91 دراجة نارية وست سيارات مخالفة، بالإضافة إلى كميات من الأسلحة والذخائر الحربية والأعتدة العسكرية المتنوعة».
وأضافت أنه «تم تسليم الموقوفين مع المضبوطات إلى المراجع المختصة لإجراء اللازم».

«منبر الوحدة»: لضبط البيئة الحاضنة للإرهاب

طالب «منبر الوحدة الوطنية» السلطات المعنية «بالتحرك فوراً ودائماً أمنياً وقضائياً، ضد كل من يقوم أو يسهّل أو يمهّد للأعمال التخريبية مباشرة أو بالتحريض أو بالابتهاج لقتل عناصر الجيش الوطني»، داعيا الى «محاكمة المتهمين بارتكاب هذه الجرائم وهم معروفون».

ودان المنبر في بيان عقب اجتماعه الأسبوعي في مركز توفيق طبارة امس، «التفجير الإرهابي الذي استهدف الجيش اللبناني في جرود عرسال» مجددا مطالبته «الجميع بضبط ما يعرف بالبيئة الحاضنة لهذه العمليات الإجرامية التي لا تخدم في نهاياتها إلا العدو الصهيوني».

وإذ سأل البيان «هل دخلت طرابلس مرحلة جديدة مع بدء تنفيذ الخطة الأمنية؟ وهل آن أوان التضحية بقيادات المحاور والمجموعات المسلحة، من الجهات التي صنعتهم وموّلتهم ورعتهم؟»، رأى أن «مواقف بعض مشايخ التطرف أشاعت أجواء التهديد بإشعال طرابلس إذا دخل الجيش الى باب التبانة».

وأيد المجتمعون «موقف البطريرك بشارة الراعي في دعوته الى محاسبة الذين يشكلون غطاءً سياسياً لهؤلاء المجرمين»، رافضين «اقتراح البعض أن يتم حلّ مشكلة بطالة مسلحي المحاور، بتطويعهم في القوى الأمنية والعسكرية».

وتوقف المجتمعون عند يوم الأرض، مستنكرا «استيلاء العدو على حقوق الفلسطينيين العرب وممتلكاتهم وإنكار حقّهم في أرضهم»، مجددين التأكيد ان «فلسطين العربية من النهر الى البحر».
2014-04-02