ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس: انتهاء حرب المحاور يفتح الجبهات السياسية

طرابلس: انتهاء حرب المحاور يفتح الجبهات السياسية

غسان ريفي -  صحيفة "السفير"

 انتهت حرب المحاور في طرابلس، وبدأت حرب الاتهامات السياسية وتحميل المسؤوليات عن جولات العنف والفلتان الأمني وانتشار السلاح وما نجم عن ذلك من خسائر بشرية ومادية.

حتى الآن لم يصدق كثيرون التطورات الايجابية المتسارعة في التبانة، تحديدا، التي انهارت تحصيناتها الحربية مثل «حجارة الدومينو».
ثمة قناعة باتت راسخة عند الطرابلسيين أن الخطة الأمنية، التي نفذت ولا تزال تسير وفق ما هو مرسوم لها، لم تأتِ بفعل حزم الدولة وجديتها أو بفعل قدرة الجيش وقوته وإمكانياته. فالمؤسسة العسكرية كانت منذ خمس سنوات على أتم الاستعداد لتنفيذ أي خطة أمنية، وهي قادرة على الحسم العسكري وعلى فرض هيبتها على الجميع، لكن الغطاء السياسي الجدي لم يكن متوفرا لها، بل على العكس فان بعض الأطراف لم تتوان عن التحريض على الجيش، والوقوف في وجه إجراءاته، وتعطيل أية إمكانية لتوقيف أي مطلوب، فضلا عن محاولاتها الدائمة استدراج الجيش الى معركة خاسرة مع أبناء طرابلس.

ولعلّ ما شهدته الفيحاء خلال الأشهر القليلة الماضية، يشكل دليلا قاطعا على أن ثمة جهة معينة لم تكن لديها مصلحة في الوصول الى حلّ يريح المدينة ويمنح حكومتها الطرابلسية المصغرة برئاسة نجيب ميقاتي الفرصة للقيام بعملية الانماء تجاهها.

ويشير ذلك، إلى أن الخطة الأمنية لم تكن لتنفذ بهذه السهولة والسلاسة، لولا موافقة كل الأطراف السياسية، بغطاء إقليمي واسع، وبدعم دولي، بعدما شكلت طرابلس، وما يجري فيها من فلتان، هاجسا كبيرا لكل هؤلاء الذين بدأوا يشعرون بالمخاطر الجدية التي تتهدد لبنان انطلاقا من طرابلس، لا سيما بعد إقفال الحدود الشمالية بانهيار قلعة الحصن التي كانت تشكل تواصلا وامتدادا إستراتيجيا لأكثرية المقاتلين.

ولا شك في أن النقمة التي أظهرها أهالي المناطق الساخنة، ومعهم رؤساء المجموعات المسلحة - قبل أن يتواروا عن الأنظار - على «تيار المستقبل»، جعلت أركان «المستقبل» في حالة ارتباك غير معهودة دفعتهم الى إطلاق شتى أنواع الاتهامات.

ويمكن القول اليوم أن التاريخ يعيد نفسه، فكما أنجز توافق الـ«س ـ س« المصالحة التاريخية وأوقف القتال على المحاور وأعطى الجيش الغطاء السياسي الجدي للضرب بيد من حديد، فان القرار الذي صاغته قنوات إقليمية معينة، وحظي بغطاء «حكومة المصلحة الوطنية» التي عاد من خلالها تيار «المستقبل» الى الحكم، نجح في إنجاز الخطة الأمنية وإعادة الأمن والاستقرار الى طرابلس، وإطلاق يد الجيش والقوى الأمنية في ملاحقة كل المطلوبين الذين يعتبر أكثريتهم أنهم كانوا ضحية التحريض المتنامي لـ«التيار الأزرق» الذي يستخدمهم في كل مرة، ومن ثم يستغني عنهم عندما تنتفي حاجته لهم.

وتسود أجواء النقمة على «تيار المستقبل» في أكثرية المناطق الشعبية التي وجدت نفسها على شفير الهاوية بعد 20 جولة عنف قضت على كل مقدراتها، وأيقنت أن كل الشعارات الرنانة والتصريحات الطنانة التي كانت تساهم في التوترات الأمنية تلاشت نهائيا بمجرد عودة «التيار الأزرق» الى الحكم، وتحول المدافعون عن مناطقهم الى فارين من وجه العدالة.

أمام هذا الواقع، تشير المعلومات الى أن قيادة «المستقبل» بدأت تشعر بكثير من الإحراج حيال ما يصلها من تقارير حول شعبيتها في تلك المناطق، فوجدت مع نجاح الخطة الأمنية أن الفرصة مؤاتية للقفز الى الأمام، وفتح جبهة سياسية داخلية مع خصمها المباشر نجيب ميقاتي من خلال تحميله مسؤولية ما شهدته طرابلس على مدار السنوات الثلاث الماضية، واتهامه بالتسبب بكل هذا الفلتان.
ويلفت هؤلاء الانتباه إلى أن حكومة ميقاتي دفعت كسائر الطرابلسيين ثمن كل هذا التحريض الذي عطل فاعليتها.

ميدانياً

وكانت وحدات الجيش تابعت عملها، أمس، ونفذت سلسلة مداهمات، وتابعت إزالة الدشم من كل الشوارع والأحياء بدون استثناء.
كما شهدت المناطق التي شملتها الخطة الأمنية ورشة عمل أطلقتها «جمعية العزم والسعادة الاجتماعية»، التي عملت على صيانة جانب من البنى التحتية، وعملت على رفع الانقاض ومخلفات الدمار الحاصل فيها، وجنّدت لهذه المهمة اكثر من مئة وعشرين عنصرا مجهزين بجرافات صغيرة.

ورأى مسؤول ورش الصيانة في الجمعية الدكتور سامر الحاج أن هذه الخطوة جاءت بتوجيهات من ميقاتي من اجل مساعدة الاهالي وعودة الحياة الى المنطقة.

وقام رئيس بلدية طرابلس نادر غزال بجولة تفقد فيها سير عمل ورش الطوارئ التابعة للبلدية.
من جهته، شكر «اللقاء الوطني الاسلامي» الذي عقد في منزل النائب محمد كبارة «هيئة علماء المسلمين» على ما بذلته من جهد لمواكبة الانتشار الأمني - العسكري في مدينة طرابلس.

ونوه بـ«مناقبية وحكمة القوى الأمنية والعسكرية أثناء انتشارها الميداني، ما أسقط رهان المتآمرين على افتعال صدام بين الأهالي والجيش، متمنين استدامة هذا التوجّه لإعادة بناء ثقة المواطنين بدولتهم، ومذكرين الحكومة بضرورة تزامن الأمن مع الانماء».

توفيق سلطان: لقد قاتلوا بـ«الفيحاء»

حذّر توفيق سلطان من التمادي في إفقار وتهميش طرابلس، مشيدا بنجاح الخطة الأمنية فيها، لافتا النظر الى أنه يجب أن يعلم الجميع أن «المؤامرة على طرابلس صُنعت في الخارج، وأن التسوية صنعت في الخارج».

وقال سلطان، في مؤتمر صحافي عقده في منزله في الميناء: «لقد قاتلوا بطرابلس ولم يقاتلوا من أجل طرابلس، مئة مليون دولار أُقرت في مجلس الوزراء من أجل طرابلس حُجبت بامتناع وزير المالية ابن طرابلس عن صرفها لمشاريع المدينة الملزمة والضرورية لتحسين ظروف معيشة الناس. أموال الطرقات لم تصرف تعنّتا، إلا بعد أن استقال وزير الأشغال غازي العريضي فصُرفت بشكل مشبوه استوجب توقيفها».

وأضاف: «خمس سنوات من العنف وبقيت المؤامرة مستمرة والخطط المبيتة متكررة وتسريبات الاعلام بأن تحقيق الأمن يكلف آلاف الضحايا، والكل مشارك أو متعايش أو صامت بأحسن الحالات. كانوا يقولون أن الخطة الأمنية تكلف ألفي قتيل، وبالأمس وجدنا كيف كانوا سيموتون من العناق والتقبيل وأكل البقلاوة».

وتابع: «لقد انتهى عهد الدراجات النارية الارهابية، وأصبحنا في عهد الدراجات الهوائية الحضارية». ودعا إلى «وقفة ضمير بكل شجاعة بعد أن زالت هذه المرحلة الظلامية، والتي مر على طرابلس ما يماثلها سابقا وزالت، ولكن بصماتها لا تزال ماثلة الى الآن وعنوانها إزالة تمثال الزعيم عبد الحميد كرامي من الساحة المعروفة باسمه، توطئة لتغيير معالم طرابلس وإلباسها ثوبا تنكريا يخدم المؤامرة المستمرة على طرابلس».

وإذ طالب بإعادة تمثال عبد الحميد كرامي إلى مكانه، واعترض على تسمية «ساحة الله»، لفت سلطان الانتباه إلى أن «الكل يعلم المرض، لكن لا أحد يتجرأ على الكلام، والكل يجمع الثروات من طرابلس، والمدينة تزداد فقرا».

عاصي لمصالحة منهجية وحقيقية

عقد «المجلس الاسلامي» العلوي اجتماعا في مقره في جبل محسن برئاسة الشيخ أسد عاصي الذي أشار الى أن المجلس «يقدر الجهود المبذولة التي أسفرت عن تثبيت الأمن، ويطالب أن تشمل الخطة الأمنية إعادة إحياء المصالحة الوطنية التي تمت قبل سنوات في طرابلس».

ورحب عاصي «بما صدر عن بعض الأهالي في أكثر من منطقة على أطراف جبل محسن من تحرك عفوي ينم عن حسن نية وطيبة نفس، وهذا يدعو الى تأطير وبلورة هذه التحركات في إطار مصالحة وطنية في ظل الدولة ورعاية مؤسساتها، وأن تكون هذه المصالحة منهجية وحقيقية، وأن تعالج الأسباب الجوهرية التي أدت الى جولات الحرب العبثية». ودعا عاصي الى «حصر معالجة كل القضايا والاشكالات الأمنية في شقها القضائي البحت»، مؤكدا أن «المجلس سيتابع مع الأجهزة المختصة كل الشؤون المتعلقة بهذه القضايا مع الاحتفاظ بحق المتضررين».

وردا على سؤال دعا عاصي الى «أن تكون المصالحة من رأس الهرم الى القاعدة»، مؤكدا على «محبته لقادة المحاور الذين جرى التغرير بهم وكانوا أداة في أيدي بعض المشاريع السياسية».
2014-04-04