ارشيف من :أخبار لبنانية
من يسعى إلى مبادلة «السلسلة» بزيادة الـTVA؟
إيلي الفرزلي - صحيفة "الأخبار"
لا شيء مضمون في ما يتعلق بسلسلة الرتب والرواتب. الإكثار من الحديث عن حق الموظفين في الحصول عليها بعدما تأخرت 15 عاماً لا يساهم إلا في زيادة الأمور تعقيداً. نادراً ما يتكلم نائب عن هذا الحق من دون أن يضيف «ولكن». عندها يطول الحديث عن الصعوبات التي تواجه مسألة تمويلها، وصولاً إلى حد التشكيك بإمكانية إقرارها. يرفض معظم النواب مجرد التفكير بهذا الاحتمال. يتعاملون معه بوصفه خطاً أحمر يجب عدم تخطيه، لما له من ارتدادات سياسية وانتخابية يفضل الجميع تجنبها.
انطلاقاً من ذلك، لم يكن اجتماع اللجان المشتركة أمس سهلاً. شعر النواب بثقل ما ينتظرهم في الاجتماع الذي ترأسه نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري. أمامهم مشروع القانون وخلفهم تحركات هيئة التنسيق وتهديداتها. ولأن لا أحد يرغب، على الأقل، في الفترة الحالية، بالمس بالسلسلة بحد ذاتها، فإن الجميع وجد في الإيرادات المقترحة لتمويلها مدخلاً يمكن الولوج منه، إما إلى تحويل الحق إلى حقيقة، وإما لضرب هذا الحق بشكل غير مباشر، وصولاً ربما إلى تخفيض أرقام السلسلة نفسها. وبالرغم من أن أحداً لم يذكر داخل مجلس النواب احتمالا كهذا، إلا أن كثراً رأوا أن التسوية النهائية قد ترسو فعلاً على تخفيض أرقامها أو بالحد الأدنى تجزئتها على ثلاث أو أربع سنوات. هذه الأفكار والتوقعات التي تناقلها عدد من النواب في بهو المجلس، لم تدخل إلى قاعته العامة حيث الاجتماع. هناك كان النقاش محصوراً بالواردات فقط، خاصة بعد التوافق على أن كلفة زيادة الأجور هي نحو 2700 مليار ليرة.
قيل الكثير بين جلسة الأسبوع الماضي وجلسة أمس حول «نفخ» الإيرادات في اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان المشتركة، لذلك ركز أعضاء اللجان جهودهم على التدقيق بهذه الأرقام، فكان أمامهم 17 بنداً تشكل مجموع البنود التي تتعلق بتغطية «السلسلة». أخطر ما في الجلسة، كان فتح باب النقاش في زيادة ضريبة القيمة المضافة، من بوابة البند الأول الذي يتحدث عن زيادة الرسم على الكماليات التي حددت بالسيارات، اليخوت، الهواتف الخلوية، الكافيار، القريدس، السلمون وغيرها، إلى 15 بالمئة.
أكثر النواب تصالحاً مع نفسه كان النائب غازي يوسف. بدا الأجرأ بين أقرانه في التعبير عن آرائه بلا «قلق الشعبية»، فيما البقية كانوا شديدي الحرص على إظهار تمسكهم بـ«السلسلة» وإبعاد تهمة عرقلتها. وبين رئيس اللجنة الفرعية النائب ابراهيم كنعان الذي حافظ على مستوى دفاعه عما أنجزته اللجنة، متخوفاً من نيات مبيتة ووزير المالية علي حسن خليل الذي أكد استعداد الوزارة السير بأي قرار يتخذه مجلس النواب، فإن يوسف دعا إلى انتهاج مبدأ «على قد بساطك مد رجليك»، وبالتالي بمقدار قدرة الدولة يجب أن تكون الزيادة. وانطلاقاً من ذلك، حذّر من الآثار السلبية التي قد تنتج من زيادة التعرفة الجمركية، خاصة على الاتفاقيات الخارجية. كذلك، كان أول من طرح عدم الاكتفاء بوضع ضريبة الـTVA على الكماليات فقط، داعياً إلى تطبيق رسم واحد على كل السلع مع زيادة مروحة الإعفاءات على السلع التي يستعملها ذوو الدخل المحدود. وقد أخذ هذا البند نقاشاً مطولاً، كان «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» أشد المعارضين له، فيما اكتفى الآخرون بالتأكيد أنه يعوزه اتفاق سياسي لتطبيقه. وفي الحالتين فإن فتح النقاش بحد ذاته جعل البعض يتساءل عن احتمال وجود من يسعى إلى استغلال «السلسلة» لزيادة الـTVA
إضافة إلى البند الأول، أجّل النقاش في البند الخامس الذي يتعلق بالرسوم على رخص البناء بعد التضارب في الأرقام بين المردود الفعلي لهذه الرسوم، وبعدما كان مشروع الحكومة يتحدث عن مردود صاف يصل إلى 600 مليار ليرة تبين للجنة الفرعية، بناءً على استشارة التنظيم المدني أن المبلغ الفعلي لا يتخطى 305 مليارات، إلا أن إعلان وزير المالية أنه لا يتعدى 75 ملياراً، أدى إلى توتر الأجواء بينه وبين كنعان. وبعد صراخ متبادل وصل إلى مسامع الصحافيين في الخارج، تقرر تأجيل البت به إلى الجلسة المقبلة، ريثما تتم استشارة «التنظيم المدني» مجدداً، خاصة أن خليل أشار إلى أن الأرقام التي قدمها حصل عليها من التنظيم المدني أيضاً. وقد أشار مصدر مطلع إلى أن الاختلاف يعود إلى طريقة الاحتساب، فاللجنة الفرعية دعت إلى فرض رسم 1.5 بالمئة بعد تخمين العقار، فيما الوزارة تفضل أن يكون الرسم مقطوعاً، وبدون الحاجة إلى التخمين.
بالنتيجة لم تستطع اللجان أن تقر أكثر من 7 بنود، قبل أن ترفع الجلسة إلى الاثنين المقبل، من دون أن يتضح ما إذا ستكون الجلسة الأخيرة قبل إحالة المشروع إلى الهيئة العامة. وفيما حافظ البعض على تفاؤله بالانتهاء من النقاش «إذا صفت النيات»، فإن أكثر من نائب أبدى ثقته باستحالة إنجاز المشروع الأسبوع المقبل. المتفائلون أملوا أن تقر المواد المتعلقة بـ«السلسلة» نفسها كما هي، ما يعني أنه لن يتبقى على طاولة اللجان سوى 10 بنود، فيما أعاد المتشائمون التذكير بأنه عندما زيدت الأجور في العام 1998 كانت النتيجة تدهور الليرة، محذرين من الاستعجال في إقرار المشروع قبل إيفائه حقه من الدرس.
خليل وكنعان
بعد الجلسة، حرص خليل وكنعان على الظهور جنباً إلى جنب أمام وسائل الإعلام ليؤكدا أن ما حصل يعكس الجو الديموقراطي.
بداية تحدث خليل مؤكداً «مسلّمة تم الإجماع عليها اليوم خلال الجلسة من قبل كل القوى السياسية من دون استثناء وهو أننا أمام مطلب محق لإقرار سلسلة الرتب والرواتب ولم نسمع في النقاش والمداخلات وجهات نظر مختلفة حول هذه النقطة».
وأعلن «التوصل إلى الرقم الإجمالي للسلسلة الذي هو غلاء المعيشة وهو بحدود 2765 مليار ليرة لبنانية وهذا رقم له وقع كبير على الرأي العام، لكن بكل مسؤولية وجدية كان هنالك بحث عن مصادر للتمويل، والحديث عن هذه المصادر الآن سابق لأوانه، ونحن بحاجة الى بعض الخطوات قبل الإعلان المباشر عنها، وهناك بعض المسائل تحتاج الى إجابة عامة حول المسارات التي ستعتمد لتأمين هذه الواردات وهي مسارات تتعلق بخيارات أساسية اقتصادية ومالية وربما سياسية».
بعد ذلك، أكد كنعان أن «هناك تقدماً ملموساً سجل في اتجاه إقرار السلسلة بعد إقرار عدد من المواد»، مشيراً إلى أن «الموضوع ليس موضوع أرقام ولا موضوع تقديرات، بل خيارات». وأكد أن «الحقوق بمعنى حق الناس منفصلة طبعا لكن حتى نستطيع تأمينها علينا أن نذهب في أكبر قدر ممكن من الإمكانيات حتى نؤمنها بأفضل الطرق، ولكن هي منفصلة ولا يعتبر أحد أننا نريد القيام بالبازارات».
من جهته وصف النائب نوار الساحلي النقاش خلال الجلسة بالجدي والموضوعي لمصلحة السلسلة وفي الوقت نفسه لمصلحة الدولة حتى تتقارب أرقام النفقات مع الواردات.
وقال النائب علي فياض «تركز النقاش على تأمين واردات السلسلة لحمايتها وإيصالها الى بر الأمان، وان يحدد موعد جديد قريب يوم الاثنين معناه أن هناك إرادة طيبة لكي نصل الى نتيجة إيجابية. وعندما يكون لدينا رقمان مختلفان نأخذ الرقم الادنى من باب الاحتياط حتى لا نقع في أي إشكالية ونحاول التعاطي باحتياط قدر الإمكان، والأمور تسير بالاتجاه الصحيح».
بدوره، تحدث النائب أحمد فتفت فقال: «لا نلتزم إلا بالواردات التي يقدمها وزير المالية ويؤكد عليها لأنه الوحيد الذي يتحمل المسؤولية المالية والمسؤول عن تعهداته تجاه مجلس النواب والرأي العام، وكل الارقام التي تتضمنها السلسلة، سواء المتعلقة بالمصاريف أو بالواردات يجب ان تكون مرجعيتها وزارة المال للتدقيق بها والتحقق منها، حتى نصل الى سلسلة نستطيع بالفعل أن ندفعها الى مستحقيها من دون أن يكون هناك ضرر اقتصادي أو مالي كبير على البلد». وأبدى الاستعداد للتعاون مع الحكومة واللجان المشتركة ومن ثم في الهيئة العامة حتى نصل الى وضع اقتصادي مريح في البلد لا يهدد الليرة اللبنانية في أي شكل من الأشكال ولا يتسبب بأعباء اقتصادية حتى لا نعطي من جهة ونأخذ من جهة ثانية، وهذا ربما يحتاج الى أيام قليلة لنوضح كل النقاط.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018