ارشيف من :أخبار لبنانية
على حدّ السيف..
هنادي سلمان-"السفير"
«الحرب في سوريا تراكم خبرة إضافية لحزب الله». جملة تثير عواصف، إلا أنه لا يتردد في قولها. تلك هي ضريبة الكلام على حدّ السيف.
يمكن للجملة أن توحي، أو تُفهم، على أساس أن الحزب «يستفيد» من الحرب في سوريا.
أمّأ القصد، بحسب «السيّد»، فهو أن إسرائيل باتت تخشى الحزب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وأجهزتها الأمنيّة تقوم بدراسة المعارك التي يشارك فيها بشكل جدّي لمحاولة فهم طبيعة تحركّه وعمله، وتسعى لمعرفة ما إذا كان قد أضحى يمتلك سلاحاً نوعياً جديداً مهرباً من سوريا.
لكلٍ أن يختار من المعنيين ما يشاء. هكذا كان الوضع دوماً.
يخرج الرجل على الناس قائلا :«نحن شيعة عليّ بن ابي طالب لن ننسى فلسطين». فتثور الدنيا بالمطالبين بإثبات أن الرجل طائفيّ. والرجل هو سيدٌ، وشيخ معمم، مسلم شيعي من جبل عامل.
حين يُسأل عن سبب تلك الجملة، يورد سببين أساسيين: «في الجملة رسالة للشيعة أنفسهم، الذين يعمل البعض على ترهيبهم واستنزافهم وإشغالهم في أكثر من بلد عربي وإسلامي واستهدافهم بالمتفجرات وبالأعمال الانتحارية في سبيل تغيير هوية العدو بالنسبة إليهم، وبالتالي العمل على إبعادهم عن فلسطين والقضية الفلسطينية، بل إن هناك محاولة لإيجاد حواجز نفسية تجاه فلسطين والشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية».
... أمّا الرسالة الثانية، فهي «لكل الذين يريدون إبعاد هذه الشريحة من الأمة العربية والإسلامية عن قضية فلسطين، أي الذين يريدون أن يقولوا لنا: لا علاقة لكم بفلسطين. هذه فلسطين والقضية الفلسطينية هي قضية جماعة معينة أو طائفة معينة من الأمة الإسلامية».
في القول، بحسب قائله، ما يؤكّد أننا «نبقى من حَمَلة القضية الفلسطينية وحماتها والملتزمين بها. لم ينطلق من خلفية طائفية أو مذهبية».
على حدّ السيف. هكذا يحيا. هذه هي الحياة الوحيدة التي تقدّمها الخيارات التي اتخذها منهجاً ورسالة.
جبهة مشتعلة في سوريا، وأخرى مشرّعة دوماً ـ منذ العام 1948 ـ على الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، وثالثة تدور رُحاها في الأزقّة المحلّية الضيّقة، منتجة حروباً أهلية صغرى، تستثني مناطق وتُدمي أخرى. والجبهات الثلاث ليست إلا جزءاً من تغييرات إقليمية عنيفة، معطوفة على عملية رسم صورة جديدة لموازين القوى الدوليّة.
على حدّ السيف، مهما فعل، ومهما قال، على الحسابات أن تكون متناهية الدّقة، فالخطأ مكلف، بل مميت، والصواب لا يُرضي إلا قلّة.
لا يتوقف سيل الأخبار الكبرى محلياً وإقليمياً ودولياً، إلا أنّه يتمتع بهدوء غير متوّقع، وطمأنينة داخليّة نابعة، بلا شكّ، من قناعاته وإيمانه الصلب بصوابيتها.
يدخل على زائريه مبتسماً. وسط كل الخراب الذي تعيشه المنطقة، الحروب والضياع، وصعوبة التكهّن بشكل الغد، أيّ غد. يؤكّد «السيد» أن «حزب الله لديه وضوح كامل يزداد نقاوة، مع الأيام، حول الأحداث والخيارات والمستقبل. الحزب يتعاطى بعزم، ليس لديه أي تردّد، ليس لديه أي قلق، أيضاً لديه ثقة بالمستقبل، ونحن منذ البداية كنا نعرف إلى أين ستسير الأمور لو تعاونّا جميعاً، وهي تسير الآن في هذا الاتجاه، إذاً ليس هناك أي شيء يدعو إلى القلق».
في ذهنه، للأحداث كلّها سياق متسلسل، ومترابط، ومنطقي. قرار الدخول في الحرب السورّية، قرار منع إسرائيل من تغيير قواعد الاشتباك جنوباً، قرار اللين داخلياً حيناً والتشدّد أحياناً، قرارات لها كلّها تبريراتها في إطار منطقه، كما أنّها قابلة للتغيير بحسب تغيّر المعطيات.
هي براغماتيّة سياسية. نعم. «السيد» بعمامة جدّه، الآتي إلى السياسة من درب المقاومة والإيديولوجيا، والقناعات الإلهية، يكاد يدخل المنطقة الرمادية في الواقعين المحلي والإقليمي. في المعركة مع إسرائيل. الخيارات سهلة، وليس من مجال لخلط الأبيض بالأسود. أمّا في كل ما عداها، فيطغى الرمادي ويسود، ويصبح هو الخيار هو بين السيئ والأسوأ.
هناك من يتّفقون معه، وهناك من يعارضونه بشدة. هناك من كانوا من أشدّ المتحمّسين له ثم خسرهم على الطريق. الطريق التي تبدو متعرّجة للكثيرين، إلا أنها في رأسه واضحة ومستقيمة، معروفة البدايات والموجبات ومحسوبة الانعطافات.
بالنسبة إليه، فإن كل ما يقوم به حزبه اليوم هو مساهمة في رسم نهاية للطريق تمليها مصلحة تقاس دوماً بمعيار واحد ووحيد: الموقف من إسرائيل.
وبما أن حال «الحصار» التي يعيشها اليوم، هي الحال الوحيدة التي عرفها بعد انتصار تموز 2006، وبما أن القضايا مترابطة في ذهنه، فإن هدوء الرجل وثقته الداخلية يصبحان مفهومين.
إلا أنه يبدو دوماً أن هناك هوّة بين ما يقوله، وبين ما يسمعه الناس. ربّما بسبب ظروفه الأمنية التي تمنع عليه اللقاءات المفتوحة مع الجمهور بتلاوينه المختلفة، ربما لأن هناك من لا يريد أن يرى إلا بعين واحدة، ربما لأنّ ما يستطيع أن يعلن عنه هو أقل بكثير مما لا يقدر على البوح به، ربما لأن الكلام المرجأ يفوق الكلام المعلن حجماً ومغزىً، ربما لأن جزءاً كبيراً من عمله وعمل حزبه يجب أن يبقى طيّ الكتمان. وربما للأسباب تلك كلها مجتمعة، وغيرها الكثير بعد.
في ذهن الرجل منطق متّسق: الحرب على سوريا ليست حرباً على بشّار الأسد بقدر ما هي حرب تهدف إلى إضعاف المحور المناهض لإسرائيل، والمتمثّل حالياً بكل من إيران وسوريا، ولبنان والعراق وفلسطين. والهدف من الحرب هو تفكيك سوريا كدولّة وتقسيمها كبلد.
الأمر إذاً هو جزء من الصراع العربي الإسرائيلي، وليست مجرّد حرب شعب في وجه حاكمه. هكذا، تصبح مشاركة «حزب الله» في الحرب في سوريا وعليها حتميّة، «نحن الأصل بالنسبة لنا في سوريا هو انتهاء الحرب». ومشاركة الحزب، برأي أمينه العام، جاءت متأخرّة، وذلك بحسب «دراسات أجريناها تثبت أن المزاج العام في صفوف جمهورنا، والفئات الأخرى أيضاً، وإن سراً، كانت مع التدّخل منذ البداية».
اليوم، يرى «السيد»، أن خطر التقسيم في سوريا قد زال وذلك نتيجة لمجموعة من الأسباب أبرزها: معطيات المعارك على الأرض، عدم وجود بيئة حاضنة جدّية للمعارضة السوريّة التكفيريّة السلفية المسلحة، التغييرات الإقليمية، وتلك الدوليّة.
ومع ذلك، يمكن للحرب في سوريا أن تطول، أن تتحوّل إلى حرب استنزاف، إلا أنه لم يعد من الممكن للمعارضة التكفيريّة المسلّحة إحراز أية مكاسب في أي معارك كبرى.
«لسنا بطلاّب حرب»، يقولها الرجل أكثر من مرّة، فحرب تموز 2006، برأي «السيّد»، هي حرب فرضت فرضاً. ومازالت المرارة تتملّكه كلّما تذكّر بعض الساسة اللبنانيين الذين أرادوا إطالتها واستمرارها حتى القضاء على الحزب وشبابه.
والحرب على سوريا تأتي في السياق ذاته، لذلك، لم يكن من الممكن للحزب أن يتجاهلها. سوريا هي «الحلقة الوسطى» في المحور الذي تنتمي إليه، فلا الحرب على إيران ممكنة، ولا المغامرات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني متاحة.
والحزب يرى أن ما يجري في سوريا مسألة وجودية. إذ ليس بالإمكان الاستهانة بالخطر التكفيري، أو تجاهله. ربما هو خطر يتساوى اليوم، أو «بعبارة أدق يتزامن» مع الخطر الإسرائيلي، إلا أنه لم يعد من الممكن القول إن هذا (الخطر التكفيري) هو خطر مؤجل.
هكذا، يسعى الحزب إلى ردع الخطر التكفيري، تماماً كما رفع سلاحه في وجه إسرائيل في زمن الاحتلال. وإن سُئل «ومن أوكل إليكم مهمّة التحرير»، يجيب «اليوم كما في الأمس، كانوا شباناً يدافعون عن قراهم وأراضيهم، فمَن منع الراغب في المشاركة من حمل السلاح والدفاع عن بلاده؟».
في الشأن الأمني الداخلي، «يمكن القول إن خطر التفجيرات تراجع بدرجة كبيرة جداً. وعلى الرغم من أن «المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين»، إلا أن الحزب مستعدّ للتسويات اللازمة لتأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار والأمن في البلاد. يبقى السؤال هو إلى أي مدى يمكن للحزب أن يساوم؟
ومع الأخذ في الاعتبار أن المعيار هو دوماً الموقف من اسرائيل، فإن الحزب منفتح لكل إمكانية للتقارب والتلاقي مع أي من الجهات المحليّة، مثلما يشجع الحوار السعودي ـ الإيراني.
ومع ذلك، تبقى خياراته المحليّة محكومة بمجموعة من «الأثقال»: فهو ملزم بمراعاة جمهوره من جهة، ومجبر على اتخاذ قرارات سياسية «براغماتيّة» من جهة أخرى.
وفي محاولة التوفيق بين ما يريده الحلفاء، وما يرفضونه، وبين ما يحاول الخصوم فرضه، وبين ما هو مصلحة الحزب الفعلية، وما يُرضي جمهوره.. مسافات طويلة لا يمكن اجتيازها إلا على حدّ السيف.
هكذا يمكن لكلمة واحدة، حمّالة أوجه، أن تصيب في مكان وأن تفاقم الأوضاع في أمكنة أخرى.
ليس في ما يمكن أن يقوله «السيد» أن يرضي الناس كافة. فلكل طريقته في قراءة ما يقول. وليست الكتابة عمّا يقوله «السيد» بالأمر اليسير، فلكل أيضاً طريقته في قراءة ما يُكتب.
«الحرب في سوريا تراكم خبرة إضافية لحزب الله». جملة تثير عواصف، إلا أنه لا يتردد في قولها. تلك هي ضريبة الكلام على حدّ السيف.
يمكن للجملة أن توحي، أو تُفهم، على أساس أن الحزب «يستفيد» من الحرب في سوريا.
أمّأ القصد، بحسب «السيّد»، فهو أن إسرائيل باتت تخشى الحزب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وأجهزتها الأمنيّة تقوم بدراسة المعارك التي يشارك فيها بشكل جدّي لمحاولة فهم طبيعة تحركّه وعمله، وتسعى لمعرفة ما إذا كان قد أضحى يمتلك سلاحاً نوعياً جديداً مهرباً من سوريا.
لكلٍ أن يختار من المعنيين ما يشاء. هكذا كان الوضع دوماً.
يخرج الرجل على الناس قائلا :«نحن شيعة عليّ بن ابي طالب لن ننسى فلسطين». فتثور الدنيا بالمطالبين بإثبات أن الرجل طائفيّ. والرجل هو سيدٌ، وشيخ معمم، مسلم شيعي من جبل عامل.
حين يُسأل عن سبب تلك الجملة، يورد سببين أساسيين: «في الجملة رسالة للشيعة أنفسهم، الذين يعمل البعض على ترهيبهم واستنزافهم وإشغالهم في أكثر من بلد عربي وإسلامي واستهدافهم بالمتفجرات وبالأعمال الانتحارية في سبيل تغيير هوية العدو بالنسبة إليهم، وبالتالي العمل على إبعادهم عن فلسطين والقضية الفلسطينية، بل إن هناك محاولة لإيجاد حواجز نفسية تجاه فلسطين والشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية».
... أمّا الرسالة الثانية، فهي «لكل الذين يريدون إبعاد هذه الشريحة من الأمة العربية والإسلامية عن قضية فلسطين، أي الذين يريدون أن يقولوا لنا: لا علاقة لكم بفلسطين. هذه فلسطين والقضية الفلسطينية هي قضية جماعة معينة أو طائفة معينة من الأمة الإسلامية».
في القول، بحسب قائله، ما يؤكّد أننا «نبقى من حَمَلة القضية الفلسطينية وحماتها والملتزمين بها. لم ينطلق من خلفية طائفية أو مذهبية».
على حدّ السيف. هكذا يحيا. هذه هي الحياة الوحيدة التي تقدّمها الخيارات التي اتخذها منهجاً ورسالة.
جبهة مشتعلة في سوريا، وأخرى مشرّعة دوماً ـ منذ العام 1948 ـ على الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، وثالثة تدور رُحاها في الأزقّة المحلّية الضيّقة، منتجة حروباً أهلية صغرى، تستثني مناطق وتُدمي أخرى. والجبهات الثلاث ليست إلا جزءاً من تغييرات إقليمية عنيفة، معطوفة على عملية رسم صورة جديدة لموازين القوى الدوليّة.
على حدّ السيف، مهما فعل، ومهما قال، على الحسابات أن تكون متناهية الدّقة، فالخطأ مكلف، بل مميت، والصواب لا يُرضي إلا قلّة.
لا يتوقف سيل الأخبار الكبرى محلياً وإقليمياً ودولياً، إلا أنّه يتمتع بهدوء غير متوّقع، وطمأنينة داخليّة نابعة، بلا شكّ، من قناعاته وإيمانه الصلب بصوابيتها.
يدخل على زائريه مبتسماً. وسط كل الخراب الذي تعيشه المنطقة، الحروب والضياع، وصعوبة التكهّن بشكل الغد، أيّ غد. يؤكّد «السيد» أن «حزب الله لديه وضوح كامل يزداد نقاوة، مع الأيام، حول الأحداث والخيارات والمستقبل. الحزب يتعاطى بعزم، ليس لديه أي تردّد، ليس لديه أي قلق، أيضاً لديه ثقة بالمستقبل، ونحن منذ البداية كنا نعرف إلى أين ستسير الأمور لو تعاونّا جميعاً، وهي تسير الآن في هذا الاتجاه، إذاً ليس هناك أي شيء يدعو إلى القلق».
في ذهنه، للأحداث كلّها سياق متسلسل، ومترابط، ومنطقي. قرار الدخول في الحرب السورّية، قرار منع إسرائيل من تغيير قواعد الاشتباك جنوباً، قرار اللين داخلياً حيناً والتشدّد أحياناً، قرارات لها كلّها تبريراتها في إطار منطقه، كما أنّها قابلة للتغيير بحسب تغيّر المعطيات.
هي براغماتيّة سياسية. نعم. «السيد» بعمامة جدّه، الآتي إلى السياسة من درب المقاومة والإيديولوجيا، والقناعات الإلهية، يكاد يدخل المنطقة الرمادية في الواقعين المحلي والإقليمي. في المعركة مع إسرائيل. الخيارات سهلة، وليس من مجال لخلط الأبيض بالأسود. أمّا في كل ما عداها، فيطغى الرمادي ويسود، ويصبح هو الخيار هو بين السيئ والأسوأ.
هناك من يتّفقون معه، وهناك من يعارضونه بشدة. هناك من كانوا من أشدّ المتحمّسين له ثم خسرهم على الطريق. الطريق التي تبدو متعرّجة للكثيرين، إلا أنها في رأسه واضحة ومستقيمة، معروفة البدايات والموجبات ومحسوبة الانعطافات.
بالنسبة إليه، فإن كل ما يقوم به حزبه اليوم هو مساهمة في رسم نهاية للطريق تمليها مصلحة تقاس دوماً بمعيار واحد ووحيد: الموقف من إسرائيل.
وبما أن حال «الحصار» التي يعيشها اليوم، هي الحال الوحيدة التي عرفها بعد انتصار تموز 2006، وبما أن القضايا مترابطة في ذهنه، فإن هدوء الرجل وثقته الداخلية يصبحان مفهومين.
إلا أنه يبدو دوماً أن هناك هوّة بين ما يقوله، وبين ما يسمعه الناس. ربّما بسبب ظروفه الأمنية التي تمنع عليه اللقاءات المفتوحة مع الجمهور بتلاوينه المختلفة، ربما لأن هناك من لا يريد أن يرى إلا بعين واحدة، ربما لأنّ ما يستطيع أن يعلن عنه هو أقل بكثير مما لا يقدر على البوح به، ربما لأن الكلام المرجأ يفوق الكلام المعلن حجماً ومغزىً، ربما لأن جزءاً كبيراً من عمله وعمل حزبه يجب أن يبقى طيّ الكتمان. وربما للأسباب تلك كلها مجتمعة، وغيرها الكثير بعد.
في ذهن الرجل منطق متّسق: الحرب على سوريا ليست حرباً على بشّار الأسد بقدر ما هي حرب تهدف إلى إضعاف المحور المناهض لإسرائيل، والمتمثّل حالياً بكل من إيران وسوريا، ولبنان والعراق وفلسطين. والهدف من الحرب هو تفكيك سوريا كدولّة وتقسيمها كبلد.
الأمر إذاً هو جزء من الصراع العربي الإسرائيلي، وليست مجرّد حرب شعب في وجه حاكمه. هكذا، تصبح مشاركة «حزب الله» في الحرب في سوريا وعليها حتميّة، «نحن الأصل بالنسبة لنا في سوريا هو انتهاء الحرب». ومشاركة الحزب، برأي أمينه العام، جاءت متأخرّة، وذلك بحسب «دراسات أجريناها تثبت أن المزاج العام في صفوف جمهورنا، والفئات الأخرى أيضاً، وإن سراً، كانت مع التدّخل منذ البداية».
اليوم، يرى «السيد»، أن خطر التقسيم في سوريا قد زال وذلك نتيجة لمجموعة من الأسباب أبرزها: معطيات المعارك على الأرض، عدم وجود بيئة حاضنة جدّية للمعارضة السوريّة التكفيريّة السلفية المسلحة، التغييرات الإقليمية، وتلك الدوليّة.
ومع ذلك، يمكن للحرب في سوريا أن تطول، أن تتحوّل إلى حرب استنزاف، إلا أنه لم يعد من الممكن للمعارضة التكفيريّة المسلّحة إحراز أية مكاسب في أي معارك كبرى.
«لسنا بطلاّب حرب»، يقولها الرجل أكثر من مرّة، فحرب تموز 2006، برأي «السيّد»، هي حرب فرضت فرضاً. ومازالت المرارة تتملّكه كلّما تذكّر بعض الساسة اللبنانيين الذين أرادوا إطالتها واستمرارها حتى القضاء على الحزب وشبابه.
والحرب على سوريا تأتي في السياق ذاته، لذلك، لم يكن من الممكن للحزب أن يتجاهلها. سوريا هي «الحلقة الوسطى» في المحور الذي تنتمي إليه، فلا الحرب على إيران ممكنة، ولا المغامرات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني متاحة.
والحزب يرى أن ما يجري في سوريا مسألة وجودية. إذ ليس بالإمكان الاستهانة بالخطر التكفيري، أو تجاهله. ربما هو خطر يتساوى اليوم، أو «بعبارة أدق يتزامن» مع الخطر الإسرائيلي، إلا أنه لم يعد من الممكن القول إن هذا (الخطر التكفيري) هو خطر مؤجل.
هكذا، يسعى الحزب إلى ردع الخطر التكفيري، تماماً كما رفع سلاحه في وجه إسرائيل في زمن الاحتلال. وإن سُئل «ومن أوكل إليكم مهمّة التحرير»، يجيب «اليوم كما في الأمس، كانوا شباناً يدافعون عن قراهم وأراضيهم، فمَن منع الراغب في المشاركة من حمل السلاح والدفاع عن بلاده؟».
في الشأن الأمني الداخلي، «يمكن القول إن خطر التفجيرات تراجع بدرجة كبيرة جداً. وعلى الرغم من أن «المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين»، إلا أن الحزب مستعدّ للتسويات اللازمة لتأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار والأمن في البلاد. يبقى السؤال هو إلى أي مدى يمكن للحزب أن يساوم؟
ومع الأخذ في الاعتبار أن المعيار هو دوماً الموقف من اسرائيل، فإن الحزب منفتح لكل إمكانية للتقارب والتلاقي مع أي من الجهات المحليّة، مثلما يشجع الحوار السعودي ـ الإيراني.
ومع ذلك، تبقى خياراته المحليّة محكومة بمجموعة من «الأثقال»: فهو ملزم بمراعاة جمهوره من جهة، ومجبر على اتخاذ قرارات سياسية «براغماتيّة» من جهة أخرى.
وفي محاولة التوفيق بين ما يريده الحلفاء، وما يرفضونه، وبين ما يحاول الخصوم فرضه، وبين ما هو مصلحة الحزب الفعلية، وما يُرضي جمهوره.. مسافات طويلة لا يمكن اجتيازها إلا على حدّ السيف.
هكذا يمكن لكلمة واحدة، حمّالة أوجه، أن تصيب في مكان وأن تفاقم الأوضاع في أمكنة أخرى.
ليس في ما يمكن أن يقوله «السيد» أن يرضي الناس كافة. فلكل طريقته في قراءة ما يقول. وليست الكتابة عمّا يقوله «السيد» بالأمر اليسير، فلكل أيضاً طريقته في قراءة ما يُكتب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018