ارشيف من :ترجمات ودراسات
العولمة والنهاية المبرمجة للديموقراطية (2)
6- المال، كما هو في الحقيقة والواقع
المال في أيامنا هو، بشكل أساسي، مال وهمي. واقعه هو سلسلة من الأرقام (0 و 1 ) في حواسيب البنوك. والقسم الأكبر من التجارة العالمية يتم دون استخدام الأوراق المالية. وحدها 10 بالمئة من المبادلات المالية اليومية هي مبادلات اقتصادية تجري في "الواقع الفعلي".
أما الأسواق المالية بحد ذاتها، فتشكل نظاماً من عمليات خلق المال الوهمي، أي الأرباح غير المستندة إلى خلق ثروات حقيقية. وعن طريق لعبة الأسواق المالية (التي تسمح بتحويل التغيرات في أسعار الصرف إلى أرباح، يمكن للمستثمرين المهرة أن يصبحوا أكثر ثراءً بمجرد تحرك بضعة الكترونيات داخل الحواسيب. عملية خلق المال هذه غير المقترنة بخلق ثروة اقتصادية مقابلة هي بالضبط تعريف الخلق الاصطناعي للنقود. وعلى ذلك، فإن نشاط مزوري الأوراق النقدية الذي يمنعه القانون، ونشاط الدول الذي تمنعه العقائد الاقتصادية الليبرالية، يصبح ممكناً وشرعياً بالنسبة لعدد محدود من المستفيدين.
وإذا ما أردنا فهم حقيقة المال وحقيقة استخدامه، يكفي أن نعكس القول المعروف منذ القدم : "الوقت هو المال".
الوقت هو المال
المال هو ما يسمح بشراء وقت الآخرين، أي الوقت اللازم لإنتاج ما نستهلكه من منتجات وخدمات.
المال والوقت والعبيد
المال هو، من الناحية التقنية، وحدة حساب انتقالية في عملية مبادلة وقت بوقت، دون أن يكون هنالك مجال للمقارنة المباشرة بين وقت بعض الناس والبعض الآخر.
ذلكم أن كل عملية تحويل بين المال والوقت تتم على أساس تقدير ذاتي يختلف تبعاً لموازين القوى الاقتصادية والمعلوماتية بين المشتري والبائع.
من الناحية العملية، موازين القوى هذه هي على الدوام في غير مصلحة المستهلك الذي يعمل لقاء أجر.
عندما يقوم فرد متوسط الحال بشراء سلعة معينة، فإنه يدفع ثمن الوقت الذي كان ضرورياً لصنع تلك السلعة، وهذا الثمن يكون أعلى من الأجرة التي يحصل عليها لقاء عمله خلال فترة من وقته الخاص معادلة للوقت الضروري لصنع السلعة المذكورة.
على سبيل المثال، يتم صنع السيارة في المصانع الكبرى خلال يوم عمل واحد (أي 8 ساعات) ويشارك في صنعها 20 عاملاً (يضاف إلى ذلك عمل التجار والعمل الموظف في التجهيزات والمعدات المستخدمة في الإنتاج). الأجرة اليومية لكل عامل يجب إذاً أن تكون 1 من 20 من ثمن السيارة، أي 1000 يورو، إذا كان ثمن السيارة 20 ألف يورو. ما يعني أن أجرة العامل الشهرية يجب أن تكون 22 ألف يورو (على أساس أنه يعمل لمدة 22 يوماً في الشهر). ولكن معظم العمال يظلون بعيدين جداً عن تقاضي مثل هذه الأجرة.
عندما يعطي عامل غربي 10 ساعات من وقته، فإنه يتقاضى ما يعادل ساعة واحدة. وتنخفض هذه النسبة لتصل إلى 1000 ساعة مقابل ساعة فيما يخص عمال العالم الثالث.
هذا النظام هو النسخة الحديثة من الاستعباد. إن المستفيدين من الوقت الذي يسرق من العمال هم الشركات وأصحابها ( أجر رب العمل يفوق بمئة ضعف أجر العامل العادي). والدول تكون هي أيضاً في عداد المستفيدين منذ اللحظة التي لا يتم فيها وضع ما يجبى من ضرائب ورسوم في خدمة المصلحة العامة.
7- لم يعد الرجوع إلى الوراء ممكناً على صعيد البيئة
من الأكيد أننا بدأنا، من الناحية البيئية، نلامس الحدود التي ينبغي أن يقف عندها النشاط الاقتصادي.
إن نظاماً اقتصادياً ليبرالياً هدفه تحقيق الكسب السريع لحساب المصالح الخاصة لا يمكنه أن يأخذ في الاعتبار تكلفة ذلك على المدى الطويل في مجال دمار البيئة.
كما إن النماذج الاقتصادية الحالية غير مؤهلة لأن تدرك القيمة الحقيقية لـ "إنتاج" الطبيعة التي لا يمكن بدونها أن نظل على قيد الحياة : إنتاج الأوكسيجين، امتصاص غاز الكربون من قبل الغابات والمحيطات، ضبط درجات الحرارة، الحماية من الإشعاعات الشمسية، إعادة التدوير الكيميائي، توزيع الأمطار، إنتاج المياه الصالحة للشرب، إنتاج الغذاء، وما إلى ذلك.
وإذا أدخلت أنظمتنا الاقتصادية في الحساب الكلفة الحقيقية لدمار الطبيعة والتلوث والتغيرات المناخية، فإن من شأن ذلك أن يغير بشكل جذري نظرتنا إلى ما هو "مربح" وما هو غير مربح.
قدر فريق من خبراء l'Institute for Ecological Economics في جامعة ماريلاند، عام 1997، قدر إنتاج الطبيعة بـ 55 مليار دولار سنوياً.
8- تدمير الطبيعة ... مقصود
لم يعد من الممكن تجنب موت الطبيعة، لأن موتها هو ما تريده السلطة الاقتصادية الجديدة. لماذا ؟
هنلك أسباب ثلاثة :
1-موت الطبيعة وارتفاع منسوب التلوث سيجعلان الأفراد أكثر تبعية للنظام الاقتصادي من أجل تأمين بقائهم. وهم بذلك يسمحون بظهور مجالات جديدة للربح (تحديداً لجهة الاستهلاك المتزايد للأدوية والخدمات الطبية).
2-من جهة أخرى، تشكل الطبيعة مرجعية من نوع آخر ذي طبيعة كونية. ومجرد التأمل في جمال النظام الطبيعي وما عليه من اتقان من شأنه أن يزعزع النظام القائم بقدر ما يدفع الأفراد إلى رفض القبح الملازم للبيئات المدينية وإلى الشك في النظام الاجتماعي القائم الذي يحرص أسياد العالم على تكريسه كمرجعية وحيدة. أما تكريس البيئة بالشكل المعروف في المدن، فإنه يسمح بوضع الناس في مجال خاضع للمراقبة بشكل كامل، وبالإغراق الكامل للفرد في أجواء النظام الاجتماعي.
3-وأخيراً، فإن التأمل في الطبيعة يدفع نحو الحلم ويجعل حياة الأفراد الداخلية أكثر غنى وينمي أحاسيسهم وبالتالي توقهم إلى الحرية. وهنا يتوقف افتتانهم بالسلع ويعرضون عن البرامج التلفزيونية الهادفة إلى تبهيمهم والسيطرة على أذهانهم. وبتخلصهم من هذه السلاسل التي تكبلهم، فإنهم يبدأون بتخيل إمكانية بناء مجتمع آخر يقوم على قيم أخرى غير الربح والمال.
إن كل ما من شأنه أن يدفع الأفراد إلى التفكير وإلى العيش انطلاقاً من أنفسهم يحمل بذور زعزعة النظام القائم. والروحانية هي الخطر الأكبر الذي يهدد النظام الاجتماعي لأنها تدفع الفرد نحو زعزعة نظام قيمه ومن ثم سلوكه، والتخلص بالتالي من القيم والمسلكيات التي سبق للتشريط الاجتماعي أن غرسها في شخصيته.
وعليه، وفق ما يريده القيمون على "النظام الاجتماعي الجديد"، ومن أجل المحافظة على استقرار هذا النظام، ينبغي اجتثاث كل ما من شأنه أن يحفز اليقظة الروحية.
9- البدائل الممكنة كفرصة أخيرة
ولكي يكون من الممكن للسلطات المضادة للسلطة الاقتصادية القائمة (النقابات، جمعيات المستهلكين، حركات البيئة) ألا تخرج بشكل نهائي من اللعبة، يتوجب عليها أن ترد بمستوى التنظيم نفسه، وعلى الصعيد العالمي لا الوطني فحسب، وذلك عبر توحيد نضالاتها وتنسيقها على مستوى تجمعات دول وازنة بشكل كاف في مجال المبادلات الاقتصادية العالمية.
لم يبق غير وقت قصير للرد لأن جميع وسائل التحكم الضرورية من أجل إقامة ديكتاتورية عالمية مستقبلية قد أصبحت جاهزة تماماً.
10- 2000 عام من التاريخ
يمكن القول إن الحضارة قد مرت، خلال الألفيتين المنصرمتين، بأربعة عصور يمثل كل منها شكلاً من أشكال السلطة :
1-عصر القبيلة
تتم خلالها ممارسة السلطة بفضل القوة (وبشكل نادر، بفضل الحكمة والمعرفة)، بشكل مشابه لما هو عليه الأمر عند الحيوانات حيث يتمتع "الذكر المسيطر" بكامل السلطة.
2-عصر الامبراطوريات والممالك
انتقال السلطة عن طريق الوراثة. ولادة مفهوم الدولة.
3-عصر الدولة-الأمة
بدأ هذا العصر مع ظهور الملكية البرلمانية في بريطانيا عام 1689، ثم مع الثورة الفرنسية عام 1789 وتأسيس الولايات المتحدة الأميركية.
في الدولة-الأمة، لم يعد انتقال السلطة يتم عن طريق الوراثة، بل صارت تمارس من قبل قادة يفترض بهم أن يمثلوا الشعب، ويتم تعيينهم عن طريق الانتخاب (الدولة-الأمة الديموقراطية)، أو عن طريق نظام اختيار داخل حزب أوحد ( الدولة-الأمة الشمولية).
4-عصر التجمعات الاقتصادية
بدأ هذا العصر عام 1954، وترسخ خلال السبعينيات والثمانينيات، وأصبح مهيمناً تماماً اعتباراً من التسعينيات.
لم تعد السلطة في هذا العصر تمثيلية وانتخابية، كما لم تعد، شأن القبيلة والمملكة والدولة-الأمة، مركزية بالمعنى الجغرافي.
تتم ممارسة السلطة في هذا العصر من قبل الجهات التي تسيطر على النظام المالي وعلى إنتاج البضائع. أما أدوات هذه السلطة فهي التحكم بالتكنولوجيا، وبالطاقة، وبالعملة، وبالإعلام.
وككل سلطة، تنشأ هذه السلطة الجديدة على أنقاض السلطة السابقة المحكوم عليها بالزوال.
وأخيراً تتميز هذه السلطة الجديدة بأنها كلية، عالمية. ولا بديل عنها ولا مهرب منها. إنها تمثل مستوى جديداً من تنظيم الحضارة. إنها عبارة عن جسم عملاق.
إن إيجاد حلول للمشكلات البيئية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى يتطلب ظهور شكل من أشكال السلطة الكلية. كما إن توحيد العالم عن طريق الاقتصاد وأفول الدول-الأمم قد تم اتخاذ القرار بشأنها من أجل خدمة قضية سامية هي الحيلولة دون نشوب حرب جديدة لا يمكنها، في هذا العصر النووي، إلا أن تؤدي إلى نهاية الحضارة.
لكن المشكلة هي في معرفة الأهداف والمصالح التي يجب أن تخدمها هذه السلطة العالمية، وفي معرفة الجهة التي يجب أن تمارسها، وفي معرفة السلطات المضادة التي يجب أن تضبطها وتوازنها.
فالعولمة ليست سلبية بذاتها. إذ من الممكن لها أن تسمح بإرساء سلام عالمي دائم وإدارة أفضل للخيرات. أما إذا استمرت في خدمة مصالح نخبة ما، وإذا ما احتفظت بتوجهاتها النيوليبرالية الحالية، فإنها لن تتأخر في توليد نوع جديد من الشمولية عبر التحويل الكلي للكائنات الحية إلى بضائع، والتدمير الشامل للطبيعة، والانبثاق غير المسبوق لأشكال جديدة من العبودية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018