ارشيف من :أخبار لبنانية
ينتظرون الايام العشرة؟
نبيل بومنصف - صحيفة "النهار"
ماذا تراها تعني الاستفاقة الاجتماعية والمطلبية الواسعة التي اجتاحت المشهد الداخلي على اوسع مدى في الاسبوعين الأخيرين ناقلة الانظار من الواقع الامني الى المعترك الذي لا يقل تعقيداً في ازمات الناس؟
مخطئ مَن يظن ان ثمة عشوائية تخلط الملفات وتقلب المشهد يوماً بعد يوم. هذا الجاري الآن يشكل خطاً بيانياً يحرك قعر الصحن الداخلي بكل ما فيه ويخرجه الى السطوح. لكأننا أمام تقطيع ممرحل مقصود، جرعة اثر جرعة، من صنع ايد محترفة يتولى ادارة اللعبة فيه عرابون مهرة عشية الوصول الى الفصل الحاسم في الانتخابات الرئاسية والتحكم بنتائجه كما يجري التحكم بتفريخ الملفات ونتائجها.
تبعاً لذلك، صار للتفاهم الكبير الذي استولد الحكومة محتواه العملي كأنه الصفقة التي اطلقت الانحباس اللبناني من قمقم الاسترهان الطويل للحرب السورية. لا تزال هذه الانعكاسات تذر شظاياها المتفجرة بطبيعة الحال، ولن تتوقف عند حدود سيطرة النظام السوري وحليفه "حزب الله" على الجانب السوري من الحدود الشرقية. لكنّ خطتي طرابلس والبقاع الشمالي شكلتا الاثبات على ان التفاهم السني - الشيعي العريض انسحب بعد تشكيل الحكومة على المربع الامني ومن ثم على المربع الاجتماعي، ويفترض تالياً ان ينسحب بمقدار مماثل على المربع الرئاسي الذي يملي اعادة المبادرة الى المسيحيين الا اذا تركوا لسائر الآخرين التحكم بالاستحقاق من خلال ادارة الازمة كما تجري حالياً.
بذلك لا توجب حملة البطريرك الراعي المتصاعدة لعقد الجلسة الانتخابية الرئاسية اي اندهاش لكونه يلح على بلوغ المربع الاخير وتجنب الفراغ. لكن البطريرك لم يجد حليفاً موضوعياً له بعد، في حملته، الا الدكتور جعجع الذي لا يزال ينفرد بالترشح العلني بصرف النظر عن حظوظ وصوله الى بعبدا، مضفياً حيوية مفتقدة على الاستحقاق. حتى انه يبدو ان فرنسا نفسها التي حركت حامل الملف الرئاسي اللبناني ايمانويل بون الى بيروت تسارع الى الانخراط في المساعي الحميدة لإطلاق الاستحقاق من جمود الانتظار الى الايام العشرة الأخيرة من المهلة الدستورية.
مفاد ذلك ان الرئيس نبيه بري لن يجد نفسه مضطراً الى استعجال الجلسة الانتخابية ما دام نصاب الثلثين لن يتوفر الا بانسحاب التفاهم الكبير إياه على الرئيس العتيد. وهي معادلة خطرة لأنها تربط التوافق المسبق على الرئيس العتيد بالنصاب، في حين يمكن قلب المعادلة لو اراد المسيحيون انتزاع المبادرة وفرض انعقاد جلسات لتصفية المرشحين تباعاً وصولاً الى انتخاب الرئيس. وما دامت البلاد تشهد عروضاً متعاقبة بين المشاهد الامنية والاجتماعية. فماذا تراهم ينتظرون، أهل البيت الرئاسي، لإطلاق عرضهم الأكبر؟ أم تراهم ينتظرون استحقاقاً "ديموقراطياً" فعلاً في الايام العشرة الأخيرة حين لا تبقى الكلمة الا لمهرة اسقاط كلمات السرّ؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018