ارشيف من :أخبار لبنانية
طرابلس: «قادة المحاور» يخرجون من مناطقهم
غسان ريفي - صحيفة "السفير"
عطلت البيئة الحاضنة للجيش اللبناني في طرابلس والالتفاف السياسي والشعبي حوله، كل المحاولات التي جرت خلال الأيام الماضية لعرقلة استكمال الخطة الأمنية في المدينة، عبر بعض الاحتجاجات المفتعلة التي ساهمت فيها الصراعات السياسية الداخلية وتبادل الاتهامات بين بعض الأطراف.
وعلمت «السفير» أن ما كان يعرف بـ«قادة المحاور» أو رؤساء المجموعات المسلحة في التبانة والحارة البرانية والمنكوبين، أيقنوا بعد مذكرات التوقيف التي صدرت بحقهم وبحق علي ورفعت عيد والمسؤولين في جبل محسن، وبعد الجدية الميدانية التي أظهرتها المؤسسة العسكرية، بأن لا طائل لهم بمواجهة هذه الخطة المغطاة محليا وإقليميا. وعرفوا بإلغاء دورهم العسكري بشكل كامل ونهائي، فاتخذوا قرارا بمغادرة التبانة الى أماكن بعيدة.
وتؤكد المعلومات أن نحو عشرة من قادة المحاور الأساسيين والمعروفين، خرجوا من التبانة والحارة البرانية والمنكوبين فجر أمس وغادروا الى جهات مجهولة بعيدة عن المدينة، تحسبا من وقوعهم في قبضة الجيش الذي يتابع مداهماته بشكل مكثف، ولكي لا يعرّضوا مناطقهم الى مواجهات بالسلاح مع الوحدات العسكرية، كما حصل قبل يومين وكاد أن يؤدي إلى مجزرة لولا الحكمة التي تصرف بها الجيش.
ويبدو واضحا أن مطلب الأمن بدأ يتقدم لدى أبناء طرابلس على كل القضايا الأخرى، خصوصا بعدما لمسوا أن مدينتهم كانت مخطوفة لمصلحة مكاسب سياسية وأخرى شخصية. كما أدركوا أن السنوات الثلاث العجاف التي عاشوها وساهمت في تدمير اقتصاد مدينتهم وتهديد نسيجها الاجتماعي، كانت بسبب تصفية الحسابات ومحاولات إسقاط الحكومة الميقاتية بشتى الوسائل، والصراعات الدينية، وسعي بعض المشايخ والقيادات وحتى قادة المحاور لتقديم أوراق اعتمادهم الى دول خليجية معينة كانت تجاهر بدعم الثورة السورية.
ولا شك في أن الوضع السوري كاد أن ينتقل بكل تفاصيله الى طرابلس لولا التدابير السريعة بانجاز الخطة الأمنية التي وضعت أسسها الحكومة الميقاتية بتسليم الجيش إمرة كل الأجهزة الأمنية، ومن ثم بنت عليها الحكومة السلامية وتابعت تفاصيلها، وجاء دخول «تيار المستقبل» الى الحكومة والغطاء السياسي المحلي والاقليمي والتشجيع الدولي ليؤمن لها فرص النجاح، ويطوي هذه الصفحة السوداء من تاريخ طرابلس.
ويمكن القول إن وضع العصي في دواليب الخطة الأمنية والتحريض عليها وعلى الجيش، كان نتاج شعور بعض المتضررين بأن وهجهم يتجه نحو الأفول، وأن دورهم بدأ ينتهي تدريجيا. لذلك حاولوا رفع الصوت للتأكيد بأن لهم مكاناً في المرحلة المقبلة، لكن أصواتهم لم تجد الصدى المطلوب، ولم تقنع إلا القليل من المتحمسين الذين لم يتمكنوا من التأثير حتى في محيطهم، خصوصا بعدما شعرت الأكثرية الساحقة من المواطنين بالاستقرار الذي وفرته لهم هذه الخطة، بعد أسبوعين مثاليين من الأمن لم تنعم طرابلس بهدوئهما منذ أكثر من ثلاث سنوات.
أمام هذا الواقع مرّ يوم أمس بهدوء تام، ولم تلق الدعوات التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر في ساحة عبد الحميد كرامي احتجاجا على مداهمات الجيش للمنازل، أي تلبية من قبل المواطنين. فحضر الجيش وغاب المتظاهرون، وذلك بعد سلسلة اتصالات جرت بهذا الخصوص.
ومما ساهم في ذلك أيضا، هو اقتناع الطرابلسيين، بأن طرابلس تركع عندما تتحكم بها المجموعات المسلحة والفلتان والفوضى وليس عندما ينتشر فيها الجيش ويلاحق كل العابثين بالأمن. وأن طرابلس بكاملها تظلم عندما تشل مرافقها، وتقفل مدارسها وجامعاتها، وينهار اقتصادها، وتشوه صورتها، وليس عندما يتعرض طرف هنا أو مجموعة هناك لمداهمة أو لمصادرة سلاح. وأن الطائفة السنية تُستهدف عندما يكون أكثر من نصف مليون طرابلسي في العاصمة السنية الأولى في لبنان يعيشون تحت رحمة السلاح، وليس عندما يسعى الجيش والقوى الأمنية لتثبيت الاستقرار في ربوعها.
وأن التبانة وكل المناطق المحيطة بها تنتهك عندما يُقتل أبناؤها مجانا، وتُشرد عائلاتها، وتتعطل أسواقها، وتُغلق مؤسساتها ومحلاتها التجارية ويجتاحها الفقر من أقصاها الى أقصاها، وليس عندما يعود إليها الأمن على يد مؤسسات الدولة وتمنح الفرصة للنهوض من جديد.
من جهة ثانية، واستكمالاً للخطة الأمنية، بدأت بلدية طرابلس وبإشراف من قوى الأمن الداخلي بوضع كاميرات مراقبة في مختلف شوارع المدينة وذلك لمتابعة الأمور الأمنية المختلفة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018