ارشيف من :أخبار لبنانية
دمشق: لا سياسة قبل انتخابات الرئاسة
غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"
في دمشق ثمّة من ينظر حوله ويبتسم، يرجع ثلاث سنوات إلى الوراء، يستعرض الأحداث والمجريات المتسارعة للأزمة السورية، يروي كيف كانت بعض الجهات العربية والدولية تسوّق لسقوط «النظام» باليوم والأسبوع والشهر، ويجزم بأنّ الوقت لطالما كان صديقاً لدمشق، وهي اليوم تعطي الوقت مداه ووقتَه، والقلقُ «الأصلي» قد شارفَ على الزوال.
خلفَ مكتب مُحدِّثنا ومضيفِنا السياسي السوري المخضرم، خريطة للجمهورية العربية السورية، يحتاجها المتكلم بين الفينة والأخرى ليشرح عبرها أين أصبحت إنجازات الجيش السوري العسكرية والميدانية، بالتعاون مع الحلفاء. يُبدي ارتياحه إلى وضع اليد على منطقة «القلمون» وإقفال ملف الحدود اللبنانية - السورية، ويقول: «ثلاثة أرباع الأزمة جاءت من لبنان وتمّ توريدها عبر الحدود السائبة».
لا يبدي عتَباً على الدولة اللبنانية لأنّه يقدّر ظروفها، لكنّه يعتبر أنّ بعض القوى السياسية دفعت منذ بداية الأزمة بثقلها في الحرب الدائرة على سوريا، وراهنَت مثلما راهنت دول إقليمية وعربية حليفة لها، واستعملت لبنان جسراً لتمرير الأسلحة والأموال والرجال»، ويضيف: «البعض ينزعج عندما نقول عن لبنان الشقيق إنّه «خاصرة سوريا» الرخوة، وفي هذه الأزمة كان في وسعهم أن يثبتوا العكس.
الإنجازات العسكرية لا بدّ أن تجري ترجمتُها في السياسة. الأميركيون اقتنعوا بأنّ سوريا لن تسقط، وأنّ النظام عصيّ على التفكّك كما كانوا يراهنون، الخيار العسكري بدوره لم يعُد فعّالا على الأرض، والجماعات المسلحة تتلقّى ضربات موجعة في الوسط والجنوب، وتتناحر بعضها ضدّ بعض في الشمال، ثمّة تغيُّر واضح في المزاج الشعبي السوري، وحرب العصابات القائمة بين «داعش» و»جبهة النصرة» و»الجيش الحر» وغيره، جعلت حتى المواطن المعارض يراجع مواقفَه وحساباته.
واشنطن لا تقدر على شنّ حرب، ومتردّدة في تسليح الجماعات المسلحة بأسلحة نوعيّة، لكنّها تريد حرب استنزاف طويلة، تُنهك سوريا وتمنعها من العودة إلى أداء دورها في النزاع العربي - الإسرائيلي، ووظائفها الإقليمية.
ما جرى في الشمال السوري في منطقة كَسَب يقع ضمن هذا السياق، في رأي محدّثنا، أردوغان استجاب لطلب أميركي في فتح «جبهة» ليس لها أيّ أفُق، استفاد منها في خَلق عصَب «مذهبي» خلفه على أبواب الانتخابات البلدية التركية، وفتح جرحاً على الحدود من شأنه أن يرتدّ على الداخل التركي، وقد بدأت هذه الارتدادات.
الوقت كشف صحّة رهانات دمشق وتوصيفها للأزمة. منذ البداية كان واضحاً أنّ المستهدف هو دور سوريا وموقعها السياسي في «محور المقاومة»، والآن أصبحت كلّ الأوراق مكشوفة، واللاعبون الدوليّون والإقليميّون أصبحوا أمام خيارات محدودة: إمّا الذهاب نحو تسوية سياسية تُنهي الأزمة السورية وتساهم في ترتيب واقع المنطقة مجدّداً، وإمّا استمرار النزف مثلما هو قائم الآن، ومن تداعيات هذا الخيار انتقال التوتّر والنزاع إلى معظم دول الإقليم.
في سوريا يجري العمل على مسارَين، سياسي وعسكري. الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها والرئيس بشّار الأسد سيعلن ترشّحه لولاية جديدة في سباق رئاسي ضد مرشّحين آخرين، والجيش السوري سيستكمل السيطرة على غالبية المدن والمحافظات المهمّة قبيل الانتخابات. هذا القرار مُتّخَذ منذ مدّة ويجري تنفيذه بنجاح حتى الآن.
التقارب السعودي - الإيراني في لبنان هو اختبار لإمكانية التفاهم بين البلدين في لبنان، والانطلاق منه إلى بقيّة ملفّات الإقليم. سوريا اليوم هي مختبر نجاح التفاهمات الدولية والاقليمية، لبنان حالة خاصة، وسوريا شجّعت حلفاءَها على الخطوات الأخيرة فيما يخص الخطط الأمنية وتأمين الاستقرار.
العبرة في النتائج، ودمشق ترى صعوبةً في التفاهم الآن مع الرياض ما لم توقِف الأخيرة دعمَها الجدّي للمسلحين وتمويلَها للمعارضة. ليس ثمّة حراك سياسيّ جدّي حول الأزمة السورية الآن، فقبل الانتخابات الرئاسية السورية وإعلان نتائجها ليس هنالك من أفق. بعد الانتخابات نصبح أمام وقائع جديدة وصيغة جديدة وقواعد لعبة جديدة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018