ارشيف من :أخبار عالمية

الخليج لم يعد حديقة بجع!

الخليج لم يعد حديقة بجع!
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية

من الحقائق التي يجب أن ندركها جميعاً، أن الخليج لم يعد حديقة بجع، وأننا في عالم متداخل، مهما حاولنا لن نتمكن من صدّ التيارات المؤثرة في عالم اليوم.

في السنوات الثلاث الماضية، راهنّا كخليجيين، على كسر موجة الربيع العربي، فتدخلنا في بعض البلدان بطريقة ناعمة، وفي بلدان أخرى بطريقة خشنة، كلّ ذلك لدرء خطر التغييرات القادمة وإسكات أصوات المطالبات التي بدأت بالارتفاع.

الخليج لم يعد اليوم بحيرةً مغلقةً دافئة، وسط كل هذا الموج المتلاطم، فالشعوب التي تعرّضت للتخدير طويلاً، والدفع بها في دروب الخلافات المذهبية والطائفية الوعرة لإشغالها عن واقعها، بدأت تصحو من سباتها، لتكتشف ما تعرضت له من تغرير، أوقعها ضحية للألاعيب والمصالح السياسية.

في الآونة الأخيرة، بدأت تطفو على السطح بعض الظواهر الإجتماعية غير المعهودة، في بلدان المنطقة، التي ينظر إليها في الخارج على أنها تنام على أسِرّةٍ من الحرير والديباج، وتأكل الرز بملاعق الذهب. بدأ العالم يشاهد مقاطع فيديو مصوّرة، لشباب يسجّلون رسائل سياسية احتجاجية على درجة عالية من الصراحة والغضب. لغة هؤلاء واضحة، جريئة، ومباشِرة، لا تتلجلج في الإفصاح عمّا تفكّر به ومن تنتقدهم من أسماء كبار.

ما يقوله هؤلاء ليس جديداً، فهو مما يتداوله الناس، كل الناس، في الخليج، كل الخليج، في ديوانياتهم ومجالسهم وأنديتهم وجمعياتهم. الجديد أن هؤلاء يخرجون على الملأ دون لثام، ويتكلّمون دون تلعثم، وهم متيقّنون بأنه سيتم تتبعهم واحداً واحداً، وسيتم ملاحقتهم واعتقالهم في أسرع وقت، وهم يصرّحون بذلك ويتحدّون العواقب. لقد انكسر حاجز الخوف وسقطت الرهبة.

هذا الجيل الغاضب، يطرح لغة جديدة، فهم يتكلمون عن توزيع الثروة بطريقةٍ عادلة، ويسألون عن تبذير الثروات في عمليات التدخل بالدول الأخرى، بدل صرفها على حلّ مشاكل المواطن، وتوفير سكن ملائم له، بدل أن يعيش 70 في المئة من السكّان في منازل مستأجرة.

هؤلاء الشباب، غير منتمين أو مصنّفين سياسياً، إلا الانتماء للوطن. وهم موزّعون على مختلف القبائل والطوائف والمحافظات والجهات. يعانون معاً من انتشار البطالة، وازدياد رقعة الفقر، ويعانون من الإقصاء والتهميش. شعارهم: بلغ السيل الزُبَى.

جيلٌ جديدٌ، لم يعد يرضى بالفتات، ولا يعترف بشيء اسمه عطايا ومكرمات. ما يعرفه هو شيء واحد: لغة الانسان، بما تشمله من حقوق وكرامة وحريات. بيده وسائل تواصلٍ أسقطت حدود الرقابة وأصابت قدراتها الخرافية بالشلل.

لم يعد الخليج بحيرةً مغلقةً عن العالم الخارجي، حيث بات الشاب والشابة يستخدمان آخر المبتكرات، ويتواصلان مع أحدث الموجات الفكرية، ويتداولان المصطلحات التي كانت ممنوعةً من التداول بين آبائهم، مثل المال العام، والتوزيع العادل للثروات، ومحاسبة الحكومة، وانتخاب برلمان حقيقي غير مزيّف لإرادة الأمة. لقد اكتشفوا أن قواعد اللعبة تقتضي إشغالهم عن قضاياهم الحقيقية بإثارة الأحقاد الطائفية، والخلافات التاريخية، وإعادتهم ألف عامٍ إلى الوراء، ليُشرب على أشلائهم نَخْبُ الاستحمار.

لقد تغيّرت الشعوب العربية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بما لم تتغيّره خلال الثلاثمئة عامٍ الأخيرة. والخليج لم يعد بحيرةً مغلقة من البجع والنعام!
2014-04-14