ارشيف من :ترجمات ودراسات
تقاسم إفريقيا
الكاتب: يواكيم دفغي
عن موقع agoravox الالكتروني
نيسان / أبريل 2014 2
تذكير بالفصل السابق: في العام 1873، كان الغرب يعاني من تباطؤ اقتصادي مزمن، وضرورة إيجاد مخارج قادت إلى غزو مناطق منها إفريقيا. وبعد قرن ونصف القرن على ذلك، تراجع النمو من جديد. لكن الغزاة أصبحوا أكثر تنوعاً، وصارت الحدود ترسم بشكل رئيسي على مستوى الأسواق الاقتصادية.
آي بي إم في إفريقيا: مسألة اتصالات
هل تعلمون أن آي بي إم موجودة في إفريقيا منذ العام 1933؟ فهذه الشركة الأميركية أقامت مركزاً في الجزائر بادئ ذي بدء، ثم توسعت تدريجياً وافتتحت وكالات في تونس والسنغال والمغرب ومصر وكينيا وغانا ونيجيريا وأنغولا وإفريقيا الجنوبية. وقد اكتفى العملاق الأميركي، طيلة القرن العشرين، بهذه المروحة التي تضم عشر مدن. فهي تسمح لملف الشركة أن يظهر أقدمية وجودها فوق أراضي القارة.
ومع هذا، فإن الوثيقة التجارية التي تحمل عنوان "آي بي إم وإفريقيا" تقدم عرضاً عن الشركة قبل الكلام عن تاريخها، لتؤكد بأنها تهتم بنفسها قبل أن تهتم بزبائنها. إلا أنها تشدد: "نحن ملتزمون بشكل كامل بالعمل من أجل نجاح زبائننا انطلاقاً من مبدأ العلاقات المستندة إلى الثقة. فشبكة خبراتنا العالمية ومعرفتنا بالأسواق المحلية، وهما أمران تعززهما قوة آي بي إم المالية، تسمحان لنا بأن نقدم لزبائننا حلولاً تجديدية لمواجهة التحديات في القارة الإفريقية". كلام رائع! ولكن كيف حدث لهذه "القوة المالية" أن توقف نموها في إفريقيا خلال نصف قرن؟
ثم تكشف آي بي إم في الوثيقة المذكورة عن تفوقها من خلال استعراض لا يكاد يصدق لما تقدمه من خدمات: "منذ أكثر من قرن، ترافق آي بي إم زبائنها في تحقيق تحولات كبرى بفضل التكنولوجيا. فنحن عنصر فاعل لا محيد عنه منذ بدايات المعلوماتية، [...]، فسجلنا يحوي عدداً أكبر من العمليات، ونحوز عدداً من جوائز نوبل لا يتيسر لأي شركة أخرى". أجل، إنه التواضع بكل ما فيه من روعة!
في العام 2010، استيقظت الشركة الأميركية العابرة للقارات وقررت أن تستثمر بكثافة في إفريقيا. لم يعد من الممكن لها أن تكتفي بعشر قواعد لا أكثر. بات عليها أن ترفع سريعاً (حتى العام 2015) عدد المدن التي تتواجد فيها إلى 50 مدينة! وبالفعل، بلغ عدد هذه المدن حتى الآن 45 مدينة! لا بد من القول هنا بأن إفريقيا تحقق منذ العام 2000 معدلات نمو في حدود الـ 5 بالمئة. هنالك إذاً ما يحول عملياً دون أن يبقى رئيس شركة لا تحقق ما يكفي من أرباح في سباته العميق. والأروع من ذلك هو تلك الرشاقة التي لا تضاهى في طريقة التدبير التي يعتمدها هؤلاء التجار: "نحن نركز على قطاعات النشاط الأكثر توسعاً لنمكن زبائننا من المراهنة على معدلات نمو تفوق الـ 10 بالمئة".

وضع اليد على المعلومة
لننتقل الآن إلى معطيات أكثر إزعاجاً. ما الذي تطرحه آي بي إم قبل أي شيء آخر، في هذا الوقت الذي تثير فيه مسائل التنصت والتجسس بوجه عام أكبر قدر من الضجيج؟ "خدمات الشبكة المتحركة". وهكذا، تسارع نمو آي بي إم بشكل كبير جداً بفضل الاتصالات الهاتفية بعد توقيع عقد لإنشاء نظام معلوماتي مع شركة بهارتي إيرتيل في 17 بلداً.
ولجهة البرنامج المعلوماتي، استثمرت آي بي إم، في حزيران / يونيو، في مركز للأبحاث في نيروبي (كينيا) يقيم شراكة مع جمعية "تنمويين" محلية تدعى "إيهوب" (iHub). وكان هذا الاستثمار عبارة عن عرض قدمته الشركة لـ "اختبار ما يقدمه العملاق الأميركي من حلول معلوماتية". وبالطبع، فإن الأسلوب اللغوي هو، كالعادة، في غاية الأهمية: فالمقصود هو ليس الانتاج، بل "الاختبار". ولكن، أين يجري الاختبار في هذه الحالة؟ الجواب: في الولايات المتحدة. وما ينبغي فهمه في الواقع هو أن هنالك مركزا للبحث ... عن ربح تحققه آي بي إم التي تنوي تحقيق أرباح في إفريقيا تفوق المليار دولار عند مشارف العام 2015.
ولا تكتفي الشركة الأميركية بإقامة المنشآت والمراكز، بل إنها تقدم خدماتها للمؤسسات خصوصاً في مجال الـ "بيغ داتا": "فقد عرضت على بلدية نيروبي جعل حركة السير أكثر انسيابية عبر إجراءات منها تزويدها بمعلومات يتم جمعها بواسطة كاميرات أمنية يتم تثبيتها على محاور الطرق". مرة أخرى، كيف يمكن للمرء ألا يشعر بالمفاجأة وهو يقول لنفسه بأن آي بي إم تقتطع لنفسها بهذه الطريقة حق استخدام كاميرات عديدة في مراقبة الناس! هل أنتم مستعدون للتنازل عن قسم من حريتكم مقابل التخلص من 10 بالمئة من زحمة السير؟
واطسون، أو استقالة العقل لمصلحة الروبوت
لا تتوقف الـ "معلوماتية الإدراكية"، بحسب الاسم الذي يطلقه عليها من قاموا بتأسيسها، لا تتوقف عند هذه الحد. فهدفها هو أبعد من ذلك بكثير. ففي شهر شباط الحالي، وانطلاقاً من التقرير الذي يحمل اسم Mc Kinsey African Lions Go Digital ويتنبأ بأن ديناصورات إفريقيا الجدد سيربحون 300 مليار دولار سنوياً، أعلنت آي بي إم عن إطلاق "مجموعة واطسون" (Watson group ) وتوظيف مبلغ مليار دولار. ولا بد هنا من التعريف بـ "واطسون" لأن معرفته ليست أساسية بالنسبة للجميع.
فـ "واطسون"هو الاسم الذي تم إطلاقه على أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، والهدف منه هو تزويد الخبراء والمقررين الاقتصاديين بالتقنيات المعلوماتية الإدراكية الأكثر تقدماً في العالم. والحقيقة أن هذا النظام الذي تطلّب إنشاؤه أربعة أعوام من "الأبحاث المكثفة" يحاكي الاستعدادات الإدراكية البشرية، كملكة إدراك المعنى المزدوج للكلمات، والمعاني المختلفة لكلمة واحدة، وفك رموز حكايات قصيرة وفهم معناها، وإيجاد حلول الألغاز.
إذا كان واطسون قد فاز في النهائيات الأميركية للعبة "Jeopardy"، فإن هدفه الحقيقي هو توجيه اتخاذ القرارات واقتراح النتائج الممكنة وفق معايير "التناسب". وإذا كان العقل البشري يقف عند حدود معينة في مجال استيعاب المعطيات، فإن " واطسون" لا يقف عند مثل هذه الحدود. وهنا، فإن الأولوية الأساسية التي تضعها آي بي إم في المقدمة هي الصحة! هل هنالك من يجرؤ على التفوه بكلمة واحدة ضد هذا النوع من الأرباح؟!
ولكن، هنالك خطر ماثل: الإلغاء الكامل للعامل البشري في اتخاذ القرار، والتطبيق المنهجي والعقلاني لعمليات حسابية خارقة. فمن يمتلك الآلة الحاسبة الخارقة هو من يقرر بدلاً من الآخرين. وإلى أين يقودنا هذا؟ إلى الخضوع الاستعبادي الكامل للآلات... ولمن يمتلك الآلات. وبالطبع، لا يقف هذا الخطر عند حدود إفريقيا، لأن آي بي إم تعرض "واطسون" على العالم أجمع.
من يختبئ وراء "واطسون"؟
يبدو لي، لا لأن أحد أبرز قياديي آي بي إم يدعى "واطسون"، أن اختيار اسم "واطسون" هو اختيار موفق إلى أبعد حد، لأن هذا الاسم هو أيضاً اسم ذلك الدكتور الشهير الذي كان يتبع، كجرو صغير، معبوده شرلوك هولمز، ذلك الشرطي-المفتش المتميز بقدراته ما فوق البشرية في العمليات العقلية والحسابات الخارقة. انظروا إلى الشطارة السيكولوجية في اختيار هذا الاسم: الماهر في إجراء الحسابات الخارقة ليس الدكتور"واطسون"، بل شرلوك هولمز، ولكن إطلاق اسم الدكتور اللطيف على هذا النظام يضفي مظهراً بشرياً على آلة حاسبة عملاقة وباردة ومسيطرة. هذا الذكاء الاصطناعي هو لا شيء غير شرلوك هولمز (قياديو آي بي إم، الأكثر قوة) يتخفى وراء قناع الدكتور واطسون ليضفي على الشركة صورة لامعة.
إن "الهروع الكبير نحو إفريقيا" هو تجسيد لفكرة هامة ذات صلة بالحرب الاقتصادية العالمية. فلأن إفريقيا هي القارة التي يمكن فيها اصطياد أكثر ما يمكن من فرص النمو في الفترة الحالية، فإنها المكان الأفضل لدراسة سلوكات الشركات العابرة للقارات التي تتعارك من أجل السيطرة على أكبر ما يمكن من أسواق، وعلى إنشاء أوسع ما يمكن من شبكات.
إن حالة آي بي إم تضعنا أمام عناصر مثيرة للقلق على الصعيد العالمي. فهؤلاء الذين ينتظرون بفارغ الصبر ظهور شخص أو روبوت يفكر ويتخذ القرارت بدلاً منهم سيكونون (خلافاً لمن ينتظرون مخلصاً من السماء) سعداء جداً لظهور "واطسون". استراتيجية آي بي إم تعني أن السيطرة على المعلومة تؤدي، عبر معالجة المعطيات الأكثر تعقيداً، إلى السيطرة بالمعنى الواسع، ما دام أننا نود أن نصدق ذلك...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018