ارشيف من :أخبار لبنانية

«السلسلة» تسقط بـ«الضربة القاضية».. للمصارف!

«السلسلة» تسقط بـ«الضربة القاضية».. للمصارف!

ايلي الفرزلي - صحيفة "السفير"

سقطت «سلسلة الرتب والرواتب» على طريق بعبدا. لم تحتج المسألة لكثير من الجهد. وصلت الرسالة «المستقبلية» إلى الرابية مساء أمس الأول ووقّع عليها «التيار الوطني الحر» في المجلس النيابي مساء أمس.

عندما قدّم الرئيس فؤاد السنيورة، صباحاً، اقتراحه الداعي إلى تشكيل لجنة تعيد درس مشروع «السلسلة»، ظنّ البعض أنه يغرد بعيداً عن سرب المشروع الذي سبقه وصار أمراً واقعاً، ولكن عندما تلبدت الأجواء مساء بدا أن السنيورة وحده مَن يقود السرب ومَن يحدد له متى يسير ومتى يعود إلى أدراجه.. إلى نقطة الصفر.

لم يقل أحد من النواب الـ65 الذي وافقوا على اقتراح تأجيل البحث بـ«السلسلة» ما الذي كانوا يفعلونه في اللجان المشتركة، التي وصلت الليل بالنهار لتنجز المشروع، ولتوفّق بين حقوق الموظفين وحماية الاقتصاد. ناقشوا كثيراً على مدى أسبوعين. وضعوا كل ملاحظاتهم وعدّلوا بعض البنود واتفقوا مع زملائهم على تعليق بنود أخرى وترك البتّ بها للهيئة العامة، قبل أن يتبين أن ذلك كله كان مجرد وهم.. قبل أن يكتشفوا أن ما أقرّوه من أرقام «ليس واقعياً، ولا بد من إعادة النقاش به».

كان السنيورة أول المتكلمين، في الجلسة العامة، وحتى لا يظنّن أحد من النواب أن النقاش بالمرسوم رقم 10415 هو نقاش تقني، وضع العصي في الدواليب، طارحاً احتمالاً لم يكن معظم المشاركين في الجلسة بوارده: تشكيل لجنة لدرس «السلسلة» مجدداً.

قبل ذلك، أسهب السنيورة في نسف كل ما أقر في اللجان المشتركة، مكبراً حجر مخاطر «السلسلة»، قبل أن يقدم سبعة اقتراحات للخروج من الأزمة، هي: العودة بأرقام «السلسلة» إلى حدود اقتراح الحكومة تجنباً لمخالفة الدستور، إقرار إجراءات مالية لمعالجة تفاقم العجز عبر زيادة الـ tva إلى 12 % مع إعفاء السلع الاستهلاكية الأساسية لحماية أصحاب الدخل المحدود، معالجة مشكلة الكهرباء وزيادة الاسعار على الاستهلاك المرتفع، المبادرة الى حملة اصلاحات ادارية تزيد الانتاج وتضبط الهدر، زيادة عدد ساعات العمل للموظفين على خمسة ايام في الاسبوع، الالتزام بعدم إقرار أي مشروع إنفاق من دون توفر الإيرادات وتأجيل إقرار مشروع السلسلة لمزيد من البحث في أرقام الإنفاق والإيرادات. (النص الكامل لمداخلة السنيورة).

كان الردّ من الرئيس نبيه بري واضحاً. رفض أي حديث عن تأجيل النقاش بـ«السلسلة». قال مراراً إن المشروع وصل إلى الهيئة العامة بالطرق القانونية، بعد إقراره في اللجان، ولا بد من مناقشة بنوده، حيث يحق للمجلس حينها تعديلها أو إلغاؤها بالتصويت.

مع استكمال النقاش، توالى نواب «حزب الله» على التصدي لمحاولات تأجيل النقاش، رافضين تشكيل اللجنة. أعادت مداخلاتهم التذكير بأن في البلد طبقات مقهورة وطبقات ميسورة.. و«حيتان». انتقدوا الاقتصاد الريعي والفساد والمحاصصة وسيطرة المصارف.. بدا النقاش الطبقي أكثر جدية وصدقاً من النقاش التخويفي الذي أراد قلب الطاولة، مستفيداً من المناخ السياسي الناتج عن اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي، وعازفاً على مصالح أصحاب المصارف. هؤلاء لم تغب ملائكتهم للحظة عن الجلسة، فنجحوا في شيطنة «السلسلة» وعزفوا معزوفة الانهيار الاقتصادي والتضخم المتوقع، بالرغم من أن كل ملاحظات مصرف لبنان روعيت في نسخة المشروع الأخيرة التي خرجت من اللجان.

كان النائب ابراهيم كنعان أكثر المحبطين. وجد نفسه ضحية الاتفاق الذي خيّطه السنيورة مع الوزير جبران باسيل، ففضل الانسحاب من لحظة بدء الجلسة المسائية، بعدما رأى أن ثمة من يريد أن يضرب كل الجهد الذي بذله في التحضير لـ«السلسلة»، إن كان في اللجنة الفرعية أو في اللجان المشتركة. اضطر النائب ألان عون لتولي الدفة، علماً أن خلو معظم مقاعد «تكتل التغيير» أوحى أن الإحباط لم يقتصر على نائب أو اثنين. بدت كلمة ألان عون محورية. قال فيها إن «تكتل التغيير» لا يمانع بالتريث، بعدما كان كنعان أشار صباحاً إلى أن التأجيل خطر كبير. ضجت القاعة بالكلام الجديد، صفق البعض وذُهل البعض الآخر.

تلقف النائب جورج عدوان الكرة العونية، محاولاً تسجيل الهدف بنفسه. اقترح أن يؤجل البحث لأسبوعين فقط. رفض بري مجدداً، إلا أن الحسابات صارت مختلفة، وما كانت تضج به أروقة المجلس منذ الصباح صار علنياً. صارت الأغلبية الواضحة مع التأجيل: التيار الوطني الحر، تيار المستقبل، حزب «الكتائب» وحزب «القوات»، من دون نسيان «جبهة النضال الوطني»، الأكثر صراحة في رفض مشروع «السلسلة».

عندها اضطر بري للتجاوب، سائلاً عدوان عمن يقترح لعضوية اللجنة. ولأن الاتفاق كان جاهزاً منذ الصباح، لم يحتج الأمر لكثير من الجهد. أخرج عدوان قصاصة ورق صفراء تضم عدداً من الأسماء. جوجلها مجدداً مع عون والسنيورة وحكمت ديب، قبل أن يبدأ بكتابة اقتراحه على ورقة بيضاء، أعاد «تبييضها» مرتين. انتقل إلى جانب النائب محمد رعد، فالنائب سامي الجميل، ثم عاد إلى مكانه.
بعد أن وقع عدوان الاقتراح وحيداً، أوصله إلى الرئيس نبيه بري الذي رفض الإطلاع عليه، طالباً من مدير الجلسات تلاوته: عملاً بأحكام المادة 78 من النظام الداخلي نتقدم بالاقتراح التالي:

- إقفال باب المناقشة.

- تأليف لجنة مؤلفة من النواب: ألان عون، جورج عدوان، ابراهيم كنعان، غازي يوسف، جمال الجراح، هنري حلو وسامر سعادة.
على أن ينضم اليهم وزراء المال والاقتصاد والتربية والتنمية الإدارية وحاكم مصرف لبنان ورئيس مجلس الخدمة المدنية عند الحاجة. كما جاء في الاقتراح أن تعطى اللجنة مهلة أسبوعين لترفع إلى الهيئة العامة تقريراً حول المرسومين 10415 (الواردات) و10416 (السلسلة).

كان لافتاً للانتباه في الاقتراح شطب اسمي النائبين علي فياض وياسين جابر، اللذين سبق أن اقترحهما عدوان، بعد أن أصرت كتلتا «الوفاء للمقاومة» و«التنمية والتحرير» على عدم المشاركة في اللجنة.

لم يأبه أصحاب الاقتراح لغياب مكونين أساسيين عن اللجنة، فأصروا على السير باقتراحهم. طرحه بري على التصويت فحصل على أغلبية ساحقة (65 نائباً)، فيما لم ينضم إلى جبهة الكتلتين المعترضتين مَن حضر من كتل «القومي» و«البعث» و«المردة»، وبعدما كان النائب عباس هاشم آخر المنسحبين من الجلسة، فضّل النائب نبيل نقولا الامتناع عن التصويت، ليرسو عدد المعترضين على تشكيل اللجنة على 27 نائباً. رفع بري بعدها الجلسة، قائلاً: أنا ضد تشكيل لجنة لبحث السلسلة، وأنا مع إقرارها، واتمنى أن لا يكون هذا اليوم يوماً ظالماً في تاريخ المجلس النيابي».
2014-04-16