ارشيف من :أخبار عالمية

مَنْ يقاضي مَنْ... معالي الوزير؟

 مَنْ يقاضي مَنْ... معالي الوزير؟
هاني الفردان-"الوسط"
 
جاء في مرسوم بقانون رقم (4) لسنة 1998 بشأن الانضمام إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مادته الأولى ما نصه: «يقصد (بالتعذيب) أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرّض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية».


هذا هو تعريف التعذيب العالمي، والذي صادقت عليه البحرين رسمياً، ووضعته ضمن تشريعاتها وألزمت نفسها به، وهو واضح وضوح الشمس.

وزارة شئون حقوق الإنسان في بيان أصدرته في الخامس من سبتمبر/ أيلول 2013 قالت إنه صدر في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 2012 القانون رقم 52 لسنة 2012 والذي تضمن تعديل تعريف التعذيب الوارد في نصي المادتين 208 و232 من قانون العقوبات بأن تضمن النص الجديد للمادة 208 تجريم إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة سواءً بدنياً أو عقلياً بشخص مُحتجز بمعرفة موظف عام أو مُكلف بخدمة أو تحت سيطرته بغرض الحصول على معلومات أو اعتراف منهُ أو مُعاقبته أو تخويفه أو إكراهه هو أو شخص آخر».

وهذا التعريف البحريني للتعذيب، هو الآخر واضح وضوح الشمس، فالتعذيب ليس فقط الضرب، بل حتى الإهانة وسوء المعاملة وليس لهدف انتزاع اعتراف فقط، بل حتى لمعاقبته أو تخويفه أو إكراهه على شيء ما.

من الواضح أن وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وقع في «سوء فهم» لقراءة النصوص التشريعية، وعبارات العرف العام، ولذلك قال في تصريح له يوم الإثنين الماضي (14 أبريل)، وذلك عندما دعا إلى «عدم الخلط بين التعذيب وسوء المعاملة»، غافلاً أن التشريعات البحرينية لا تنص على «سوء معاملة» عدا قانون الطفل وحديثه عن سوء معاملة الطفل، وإلا فإن باقي التشريعات تتحدث فقط عن «التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة»، وهي كجملة واحدة لا يمكن تجزئتها أو تشطيرها. وتعريف التعذيب الدولي والبحريني جمع في طياته جميع أنواع الألم «الجسدي أو العقلي».

أما حديث الوزير بشأن ملاحقة من يتحدّثون عن وجود تعذيب في البحرين قضائياً ما لم يثبتوا ذلك بالدليل، فإن ذلك لا يحتاج للكثير من العناء لإثبات وجوده، سواءً قبل تقرير لجنة تقصي الحقائق أو حتى بعده.

وزارة الداخلية لم تعترف يوماً بالتعذيب، حتى أجبرها تقرير تقصي الحقائق على ذلك، ولا أعتقد أن أحداً يحتاج أن نذكره كيف كانت الداخلية تدّعي قبل نتائج السيد بسيوني أن استشهاد أربعة من المواطنين (عبدالكريم فخراوي، حسن جاسم مكي، علي صقر، زكريا العشيري) كان لأسباب أمراض وراثية ومزمنة أو فوضى، حتى جاء تقرير بسيوني ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأربعة الذي استشهدوا في السجن كان نتاج «تعذيب»، وأضاف لهم الخامس وهو جابر العلويات الذي استشهد بعد الإفراج عنه بأربعة أيام.

ما بعد تقصي الحقائق، جاءت وحدة التحقيق الخاصة لتؤكد استمرار التعذيب في البحرين، وهذه حقيقة حتى وإن لجأت الوحدة مؤخراً لإسقاط كلمة «التعذيب» التي كانت تذكرها في بياناتها حتى السادس من يناير/ كانون الثاني 2014، وهي المرة الأخيرة التي قالت الوحدة فيها إنها باشرت التحقيق في «ادعاءات التعذيب وإساءة المعاملة»، إذ اكتفت بعد ذلك بالحديث فقط عن التحقيق في «ادعاءات سوء معاملة»، وهو ما يثير الاستغراب وبشدة، في ظل توجه يبدو أنه أصبح مكشوفاً من خلال التلاعب بالمصطلحات، والعمل على تفريق التعذيب عن سوء المعاملة.

وحدة التحقيق التابعة للنيابة العامة تلقت خلال الفترة من أبريل 2012 وحتى فبراير 2014 نحو 400 شكوى سوء معاملة (تعذيب)، وهذه الأرقام جُمعت من بيانات الوحدة التي تصدرها بشكل منتظم في الأسبوع الأول من كل شهر، وهي ردٌ كافٍ على من يدّعي عدم وجود تعذيب في البحرين.

وإن كان هناك من يستحق المقاضاة من قبل وزير الداخلية بشأن الحديث عن التعذيب، فهو أولاً السيد بسيوني الذي وثَّق حالات التعذيب في السجون وخارجها، وكشف زيف ادعاءات الوزارة بشأن وفاة سجناء بـ «أمراض وراثية»، مثبتاً أنهم ماتوا تحت وطأة التعذيب، أضف إلى ذلك حالات القتل الأخرى التي أدان فيها قوات الأمن.

ما بعد تقرير بسيوني، يجب مقاضاة وحدة التحقيق الخاصة التي أكدت وحققت في أكثر من 400 شكوى سوء معاملة «تعذيب» (وفقاً للقانون الدولي والمحلي) منذ إنشائها حتى فبراير 2014، وكذلك إحالتها 51 رجل أمن بينهم 8 ضباط، إلى المحاكمات بتهم وبحسب بيان رسمي «منها جناية الضرب المفضي إلى موت، وجناية إلحاق ألم شديد جسدياً ومعنوياً بشخص محتجز بغرض الحصول منه على اعتراف، وجناية إحداث عاهة مستديمة وجنحة الاعتداء على سلامة جسم الغير»، فهل كل تلك التهم لا يعتبرها وزير الداخلية تعذيباً!
 
2014-04-16