ارشيف من :أخبار لبنانية

الأوليغارشية المالية ونظام المضاربات

الأوليغارشية المالية ونظام المضاربات
غسان جواد- "الجمهورية"

ما شهده مجلس النواب أمس الأول، دفَع بالنظام المالي والاقتصادي، المبني منذ العام 1992، الى الكشف عن وجهه للمرة الأولى علناً وصراحة، وظهر الرئيس فؤاد السنيورة قائداً مباشراً لهذا النظام.

 
أبعد من سلسلة الرتب والرواتب والاصطفافات الحاصلة في شأنها اليوم، ثمّة ذهنية تتحكَّم بالاقتصاد اللبناني منذ اتفاق الطائف، تقوم على أبعاد شديدة الليبرالية والانحياز للطبقات الغنية وأرباب العمل على حساب الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود. والنقاش المحتدم اليوم حول «تمويل السلسلة» كشف أنّ في البلد شبكة مصالح مالية واقتصادية تفوق المصالح السياسية رسوخاً وثباتاً، وأنّ للمصارف وأسواق العقارات رؤساء ووزراء ومديرين في الدولة، يتحدثون باسمها، ويدافعون عن مصالحها بشراسة بعيداً عن الاهتمام بقضايا الناس وحاجاتهم المعيشية والاقتصادية.

المفاجأة لم تكن في موقف تيار «المستقبل»، او الحزب التقدمي الاشتراكي، بل في موقف تكتل «التغيير والاصلاح»، الذي قدّم طروحات سابقة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تدعو الى فرض ضرائب بنسبة 15 في المئة على الفوائد، و25 في المئة كضريبة عقارية، وكان ذلك جزءاً من الاقتراحات الاصلاحية في ما يخصّ تمويل الموازنة. امّا اصطفافه خلف «المستقبل» في هذا الشأن فسيجعل من قضية موظفي الدولة والعاملين الذين تطاولهم التحسينات في السلسلة «قضية شيعية»، في حين أنّ هذا الامر ليس صحيحاً.

البروليتاريا اللبنانية ليست شيعية، هذا الامر يمكن الاطلاع عليه من خلال الارقام الواضحة غير القابلة للتزوير، والتي تفيد بأنّ الغالبية العظمى ممَّن سيستفيدون من اقرار «السلسلة» كما تقدمت بها هيئة التنسيق النقابية هم من السنّة والمسيحيين يليهم الشيعة والدروز وبقية موظفي الدولة.

في الجيش، في قوى الامن، في المؤسسات الرقابية، في المدارس الخاصة والثانويات الرسمية... من يُحاول الإيحاء بأن موقف حركة «امل» و«حزب الله» يعكس مصلحة للثنائي الشيعي في الشارع الشيعي مخطئ ويحرّف مسار النقاش نحو أمر آخر مختلف تماماً.

وافق السنيورة، في لقاء له مع الرئيس نبيه برّي قبل الجلسة أثناء مناقشة «تمويل السلسلة»، على رفع الضريبة على القيمة المضافة، والضرائب الجمركية، لكنه طالب بعدم وضع ضرائب على المصارف والعقارات، وهذا في الحقيقة أمرٌ يعكس حرصاً شديداً من «المستقبل» على تمثيل مصالح هذين القطاعين في معزل عن مصالح الفئات الشعبية المهمشة والضعيفة التي يمثّلها «المستقبل» في عكار والشمال والبقاع وبعض احياء بيروت!.

وهنا يمكن الإفادة من الانقسام المذهبي الحاد الذي يسود البلاد لكي يغطي «المستقبل» انحيازه ضد شرائح اجتماعية يمثلها لمصلحة «الاوليغارشية» اللبنانية وحيتان المال والشركات والمصارف.

التأجيل لمدة أسبوعين او ثلاثة ليس سوى محاولة لكسب الوقت، وخنق مشروع القانون وإهماله في الادراج. من يعلم ماذا سيجري في لبنان بعد اسبوعين ونحن على أعتاب استحقاق رئاسة الجمهورية؟

امام هيئة التنسيق النقابية خيارات ضيّقة لكنها فعّالة، أهمّها تحريك الشارع والضغط على الكتل النيابية من خلال شارعها المتضرر من مواقفها بشأن السلسلة. وأمام القوى السياسية المصطفة مع مطالب الناس مهمة اقناع زملائهم والضغط عليهم، فيتكفّل «حزب الله» بشرح وجهة نظره لتكتل «التغيير والاصلاح» بغية تعديل موقفه، ويتابع برّي تواصله مع السنيورة والنائب وليد جنبلاط للخروج بحلٍّ يرضي موظفي الدولة ويأخذ بمطالب هيئة التنسيق، من دون الخضوع لشروط وحسابات أصحاب المال على حساب ضعفاء البلد وموظفيه ذوي الدخل المحدود. وعدا ذلك من حلول سيجعل البعد المطلبي لغماً اجتماعياً سينفجر في وجه الجميع اذا لم يستدركوا ولم يوقفوا انحيازهم لنظام المضاربات الاعمى والجشع.
2014-04-17