ارشيف من :ترجمات ودراسات
استعباد البشرية ... لكي يتم تسديد الديون
الكاتب: أنطوني ميشيل
موقع interinfo الالكتروني
11 نيسان / أبريل 2014
يستند النظام العالمي الجديد إلى الاستدانة والربا. ولضمان تسديد هذه الديون المصطنعة، تتم إعادة برمجة البشرية بشكل يتحول فيه البشر إلى عبيد. ذلكم هو المحرك الرئيسي لـ"التقدمية"، حيث يسعى أصحاب المصارف "الملهمون" إلى احتلال موقع الله. وفي هذا الإطار، يقومون بإعادة تعريف الواقع لجعله متناسباً مع مصالحهم وخبثهم.
إن أصحاب المصارف اليهود يتخفون خلف مؤسسات غير يهودية، وهذا سمح لهم بخصخصة إصدار العملات عبر تحويلها إلى ديون مستحقة على الدولة. لكن النقد هو وسيلة للتبادل لا أكثر، شأن أي "إيصال" عادي. فهو لا يتمتع بقيمة ذاتية، إلا أنه ضروري من أجل الحيوية الاقتصادية. وقد تمكن أصحاب المصارف من شراء كل شيء والعالم كله، بما في ذلك رجال السياسة ووسائل الإعلام الجماهيرية. وفي الوقت نفسه، عملوا على إلهاء الناس وإفقارهم من خلال الحروب الدائمة والانهيارات المالية.
يجب تحريك المال بدون فوائد
الربا هو الخطيئة الأصلية والسبب الأول لكل مشكلاتنا الاقتصادية والسياسية. والحقيقة أننا نمتلك كل ما نحتاج إليه من أجل إصدار عملة بلا فوائد، وأن اقتصاداً بلا ربا يقضي على الفقر ويسمح بخلاص نفوسنا وأرواحنا. حب المال هو مصدر كل شر، والربا هو التطبيق العملي للطمع وشهوة المال. وهو يغذي البخل عند المرابي، ويدفع الدائنين إلى التصرف دائماً بشكل تتزايد فيه اللاأخلاقية. الربا يدمر النسيج الاجتماعي ويحول كل عقد اجتماعي إلى مهزلة.
إن مليارات البشر يعيشون في فقر مهين بسبب الربا. وهنالك شعوب وقبائل يجري انتزاع أحشائها لكي تدفع الفوائد لمن يعيشون في غنى فاحش. ولا أحد يقوم بإحصاء كل من يدركهم الموت المبكر بسبب الربا.
إن البلدان الفقيرة تدفع فوائد على ديونها الخارجية تزيد عشرة أضعاف عما تحصل عليه من مساعدات من أجل التنمية.
وحتى عندما لا تكون مكبلاً بأية ديون، فإن 40 بالمئة من دخلك تلتهمه الفوائد التي يفرضها المنتجون على أسعار المشتريات. وبهذا، فإن الناس يدفعون سنوياً ما بين 5 و10 تريليون دولار لمن هم أكثر ثراءً. وكل أوجه الإنفاق الأخرى ترتبط بكلفة الرأسمال، ولا يمكن أن تمر دون المرور بالربا.
فالربا هو الأداة القصوى التي تخدم مركزية السلطة، وهو قائم عالمياً. كما أنه ينمو بالتوازي مع الفوائد المتراكمة منذ قرون. والآن، يستعد هذا السرطان الهائل لالتهام الجسم الذي يتغذى عليه.
لقد دفعت الأمم الأوروبية 5،4 تريليون دولار على شكل قروض وتسهيلات استدانة وضمانات مختلفة من أجل "إنقاذ" مصارفهم وعملتهم الموحدة (اليورو). أما المصرف المركزي الأميركي فقد منح مبلغاً يفوق الخيال (16 تريليون دولار) على شكل تسهيلات استدانة للمصارف المتواطئة. وهذه المصارف لم تسدد القسم الأكبر من الأموال التي حصلت عليها. وكل ذلك كان "ضروريا" إذ، من غير المصارف، لن تكون لدينا أية نقود. إذن، دفع الغرب 20 تريليون دولار لكي يكون من الممكن استمرار التداول بهذا الفتات الرنان والفاقد للقيمة من أجل تبادل السلع والخدمات.
الأكيد أن حضارتنا تقترب من نهايتها لأننا نسمح بوجود مثل هذا النهب الكاسح، في حين أن أية أموال لا تصرف من أجل إنقاذ الفقراء من الجوع وحماية الطبيعة من التلوث.
غير معقول
يقول المرء لنفسه: "بدون فوائد لا مجال للإقراض. لا يمكنني أن أقرض دون أن أحصل على شيء بالمقابل".
لكن المؤسسات المالية لا تقرض شيئاً بالمرة! فالمال ليس غير أرقام مكتوبة وحسابات، والقرض هو نتيجة آلية لعملية موازنة تتضمن من حيث طبيعتها الجهة المقرضة والجهة المقترضة. فالمشكلة هي ليست في خلق النقد! فالواقع أنها على العكس تماماً من ذلك: من الرائع أننا لا نحتاج مطلقاً لأن نعيش حالة نقص المال.
المشكلة تطرح نفسها عندما يبدأ المحاسب بسرقة المدين وهو يسجل عليه فواتير بالفوائد بلا سبب غير علامة ناقص (-) التي تتناسب مع عملية المحاسبة، ثم يستولي على تلك الفوائد على اعتبار أنها الأجرة التي يتقاضاها مقابل عمله كمحاسب.
إننا ندفع 300 ألف دولار كفوائد على قرض عقاري بمبلغ 200 ألف دولار جرى خلقها عبر إدخال أرقام في برنامج محاسبة إلكتروني!
الذهب لا يحل المشكلة
لا نريد أن ندفع قروشاً قليلة تتراكم قرشاً فوق قرش لتصبح 300 ألف دولار من الفوائد! نريد نظام محاسبة باهظ الثمن! بلا فوائد!
حتى في الأزمنة الغابرة، كان يتم وضع الذهب والفضة في التداول بفوائد خاصة. وهذا ما يجري تقديمه على أنه تعبير رائع عن المنافسة الحرة. ولكن من هي الجهة التي تضع القطع الذهبية والفضية في التداول؟ تلك الجهة هي بالطبع من يملكون مناجم الذهب والفضة! كان يضعونها في التداول عبر إقراضها بفوائد ويتحكمون بكميتها منذ أقدم العصور.
في أيامنا، لا أحد يعلم كم بقي من الذهب. فجميع مناجم الذهب تمتلكها وتسيطر عليها مصارف خاصة. وهذه السلطة يتمتع بها من يمتلكون المناجم. من هنا يبدأ كل شيء. كميات هائلة من الذهب موجودة في خزائنهم، وكلها جاهزة لأن تجتاح السوق على شكل قروض ربوية بهدف خلق فقاعات مضاربة. وبعد ذلك بقليل، وعندما يقوم الناس بتسديد ديونهم، يتوقف الإقراض بهدف خلق أزمة انكماش اقتصادي.
وبالطريقة نفسها، يستخدمون الأوراق النقدية لخلق دورة نمو تعقبها دورة انكفاء اقتصادي. انتبهوا إلى ما يفعلونه بالذهب في هذه الأيام، وما يفعلونه في هذه الأيام هو نفسه ما كانوا يفعلونه على الدوام. إنه العجل الذهبي، الرمز النموذجي القديم للبخل؛ وبدنه لا يمكن تصور وجود أية سلطة مالية.
نريد عملة بلا فوائد
لقد أمرنا السيد المسيح أن نقرض مجاناً، دون أن ننتظر الحصول على شيء بالمقابل. والكتب المقدسة في الديانة الهندوسية تستفضع الربا. موسى حرم الربا. ونصف القرآن هو تهديدات بالعقاب الأليم لمن يجمعون المال عن طريق الربا.
لا يمتلك المال وجوداً واقعياً خارج عمليات المحاسبة. فالمدخرون لا يحتاجون إلى الفوائد، والمصارف لا تحتاج إلى مدخرين. والإقراض والاستدانة هما وجهان لعملية المحاسبة ذاتها. إنهما متلازمان بشكل آلي.
أجل، لا بد من التحكم بحجم الأموال، ذلك أمر لا مفر منه. لا يمكن لأي نظام مالي أن يوجد دون التحكم بحجم المال. والمشكلة ليست في نمط إدارة المال، بل في منح حق ممارسة هذه الإدارة للطيور الكاسرة.
السبب في كوننا نشهد دورات نمو وتباطؤ اقتصادي، هو سماحنا لكيانات خاصة هي المصارف بإدارة حجم المال تبعاً لمصالحها الخاصة. لقد أنشأوا المصارف المركزية لا لشيء إلا لإشاعة الوهم بأن ما يجري هو أمر "رسمي".
إن القول بأن على "السوق" أن يدير اللعبة يعني أن أصحاب الأموال قد أحسنوا عملاً خلال الخمسة آلاف عام المنصرمة.
إننا نريد الحصول على قروض عقارية بلا فوائد، وبلا ضرائب على المداخيل، وبلا فقر. نريد الوفرة والصدق وانبعاث الحياة الثقافية والعدالة وإنهاء نفوذ أصحاب الأموال.
علينا إذن أن نقتل الربا!
الدين يحرم الربا. وإليكم مواقف أديان أهل الكتاب من مسألة الربا والإقراض بفائدة:
اليهودية
التوراة تدين الربا. إنها تجمع الربا والفائدة تحت اسم "تاربيت". لكن الـ"تاربيت" محرم بين اليهود ومباح بينهم وبين غير اليهود. أما الهدف من تحريمه فهو مكافحة الفقر [بين اليهود].
المسيحية (الكاثوليكية)
الربا والإقراض بفائدة محرمان في الكاثوليكية. وكان الهدف من تحريمهما هو تجنب الاضطهاد والإسراف في اتخاذ المواقف القاسية من قبل الفئات المسيطرة في الأزمنة التي كان يتم فيها استعباد المدينين العاجزين عن تسديد ديونهم.
أما في الواقع، فقد بقي الاقراض والاقتراض قائمين بين الناس في أوروبا حتى الزمن الحديث. وقد قامت الكنيسة الكاثوليكية بسحب تحريم الإقراض بفائدة من قانونها في العام 1830. وفي العام 1991، وافق البابا يوحنا بولس الثاني رسمياً على مبادئ اقتصاد السوق.
وقد ظهرت فكرة الاستثمار المسؤول اجتماعياً في فرنسا داخل أجواء الجماعة الكاثوليكية.
البروتستانتية
هنالك اختلافات في مواقف البروتستانت من الربا. فلوثر لم يكن مؤيداً للإقراض بفائدة اللهم إلا بالنسبة للقروض التي تعود بالمنفعة على الكنيسة والكهنة والطلاب والمسنين والأرامل واليتامى. من جهته، وضع كالفن نظرية حديثة حول الفائدة : إقراض بلا فائدة للفقراء، ومع فائدة للأغنياء لأنهم يجنون المال عن طريق الإقراض.
أما البروتستانتية الأميركية التي طورها القس جون ويسلي فإنها تشجع على الإثراء استناداً إلى أحد الأمثال الواردة في الإنجيل : "يا سيدي، أعطيتني خمس وزنات، فخذ خمس وزنات ربحتها". وتقترب هذه الرؤية من رؤية الكواكرز الذين يعتبرون أول من تحدث، وفق ما تقره عقائدهم، عن الاستثمار المسؤول.
الإسلام
خلافاً للديانتين السابقتين، ما زال الربا محرماً في الإسلام. وهذا التحريم يحكم الأنشطة الاقتصادية في عدد من البلدان الإسلامية. والبنوك الإسلامية هي تعبير عن ذلك خصوصاً في أوروبا. ولا بد من التوضيح أن الإقراض بفائدة مقبول في جميع بلدان العالم الإسلامي السني.
والربا الذي يتحدث عنه الإسلام قريب من حيث معناه من التربيت عند اليهود. وهو يعني "الربح الحرام" أكثر مما يعني الربا بمعناه المتعارف في أوروبا. والغرض من تحريمه هو عدم استغلال ضعف الآخر أو قلة تجربته. وهو يهدف في النهاية إلى تنمية وتعزيز التضامن والتعاون.
وبالنتيجة، فإن أديان أهل الكتاب تحرم الربا والإقراض بفائدة. وقد كان هدف هذا التحريم حماية من هم أكثر ضعفاً من أنفسهم ومن الأقوياء. لكن هذا التحريم أصبح أقل قوة بوجه عام بالتوازي مع نمو المجتمعات الحديثة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018