ارشيف من :أخبار لبنانية

إستحقاق الرئاسة والمياومة السياسية

إستحقاق الرئاسة والمياومة السياسية

غسّان جواد - صحيفة "الجمهورية"

لشِدّة وضوح قواعد اللعبة في لبنان، يمكن أيّ مراقب جدّي أن يتوقّع ما ستؤول إليه الأمور، من دون حاجة إلى استشارة الفلك، أو ادّعاء معرفة ما لا يعرفه أحد.

هذه ليست معادلة مجترحة، ومناسبةُ هذا "البوح" استحقاق رئاسة الجمهورية، الذي لا لبسَ في تعقيداته الكثيرة. المحلّية والإقليمية والدولية. البعض سيقول: هذا هو لبنان، هكذا تجري الأمور في "بلاد الأرز" وطائر الفينيق المنبعث من رماده.

هذه هي الصيغة اللبنانية... ألخ. لكنّ ما يغفله هذا البعض أنّ الدولة تعيش على مبدأ المياومة وعدم وجود تصوّر مستقبلي مقبول منذ العام 1990، يوم انتهت الحرب بقرار خارجي وتفاهمات دولية إقليمية، وقمنا نحن اللبنانيين بتظهير هذه التفاهمات، لم نستفِد من الهامش المتروك لنا، ولم نُرسِ قواعد ونضع مبادئ وطنية عامّة من شأنها مساعدتنا وإسعافنا عند كلّ استحقاق.

جلسة الأربعاء المنصرمة كانت معروفة النتائج والأهداف سلفاً. كلّ فريق خرجَ من هذه الجلسة وقد اعتبر أنّه حقّق إنجازاً ووضع رؤيته حيال الاستحقاق الرئاسي. المفاجآت كانت شبه منعدمة، ولولا مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تعيين جلسة مقبلة لانتخاب الرئيس العتيد، لما كان اللبنانيون الآن أمام ملامح "إستحقاق رئاسي" جدّي. والسبب أنّهم انتظروا حتى اللحظة الأخيرة الدخول في المهلة الدستورية، وشرَعوا في التعامل معها على مبدأ المياومة نفسه، والعمل السياسي الفاقد أيّ مبادرة وإبداع ورؤية ممكنة.

جلسة الأربعاء المقبل لن تختلف عن سابقتها إذا لم يحدث اختراق سياسيّ جدّي يفضي للتفاهم على "انتخاب" رئيس. يحتاج أيّ مرشّح الآن للنصف زائداً واحداً لكي يصبح رئيس البلاد وحاميَ الدستور والساهر على تطبيقه، وهذا الرقم يمكن أن يتوافر لمرشّح وفاقي قادر على إقناع الوسطيّين بقدرته على قيادة دفّة البلاد في المرحلة المقبلة. الأرقام المتقاربة بين قوّة 14 آذار وقوّة 8 آذار لن تحسمها إلّا أصوات "الكتلة الوسطية" التي رشّحت النائب هنري حلو وأعطته أصواتها.

الحاجة إلى الوسطيين لا تعني أن يتخلّى كلّ طرف عن مواصفاته وحساباته ورؤيته، لكنّ أيّ مرشّح اليوم لا بدّ من أن يقدّم نفسه رجل دولة قادراً على إدارة المرحلة المقبلة بصيغة وفاقية تُطمئن الجميع، ومِن بينهم من يطرح نفسه وسطيّاً، وعينُه على المستقبل ولديه هواجسه، وهنا يصبح اللبنانيون أمام حاجة ماسّة لشخصية بمواصفات استثنائية، صاحبة موقف واضح من القضايا الأساسية، قادرة على التواصل مع الجميع، وفي وسعِها أن تحكم بالتفاهم والتحاور وليس بالغلبة أو الإخضاع أو الإلغاء أو العزل أو كلّ ما في قاموس العربية من مفردات من هذا النوع، والتي ستكون ترجمتها لبنانياً الانقسام والاصطفاف والصدام.

الثقل الإقليمي والدولي في الاستحقاق الرئاسي لا زال ضعيفاً، وهذا ما يجعل البعد اللبناني مهمّاً وذا فاعلية في إيصال الرئيس الجديد، لكنّ الانصراف الإقليمي الدولي، أو ما يحبّ أن يسمّيه البعض فترة سماح قد لا يطول كثيراً، ما يعني أنّ لبنان بعد 25 أيار المقبل سيخسر الهامش المحلّي في عملية تظهير الاستحقاق وسيربط نفسه بمسارات خارجية قد تنتهي وقد لا تنتهي.

شهر أو أقلّ هو "الزمن اللبناني" للتعامل مع ملفّ رئاسة الجمهورية. بعدَها سيخرج هذا الملف إلى الفضاء الخارجي وتنعدم الجاذبية ويدخل لبنان في الشغور أو الفراغ، ويكون عندها أمام تكرار مستمرّ للتجربة التي اتّخذت من الاتّكال على الخارج والمياومة السياسية مبدأً رئيساً للتعامل مع كلّ حدث واستحقاق، الأمر الذي سيعيد إنتاج الأزمات نفسها والاصطفافات نفسها والصدامات عينها.

لماذا لا يشكّل استحقاق الرئاسة نقلة نوعية في عمل القوى السياسية وإدارة البلاد والتعامل مع الاستحقاقات؟ لماذا لا يثق اللبنانيّون بأنفسهم؟
2014-04-26