ارشيف من :ترجمات ودراسات
حزب الله في مواجهة إسرائيل: دروس النصر
إصدار دار دو روشيه، كانون الثاني 2014
قراءة منشورة في موقع: http://orientxxi.info
بقلم: بيار برييه
في صيف 2006 ، حصل هجوم الجيش الإسرائيلي على لبنان لكسر حزب الله. وظناً منه أن الحزب يمتلك عصابات سيئة التنظيم، وجد الجيش نفسه في مقابل قوة مهنية، مدربة ومحددة. وقد اضطر الإسرائيليون للانسحاب بعد شهر دون تحقيق أهدافهم. أسباب هذا الانتصار الذي هز يقين رؤساء الأركان يبحثها ضابطان فرنسيان بالتفصيل.
في ليل التاسع من آب 2006 ، وفي قرية دبل، في جنوبي لبنان، خلال الحرب ضد حزب الله، وقع فصيل كامل من المظليين الاحتياطيين في الجيش الإسرائيلي تحت نيران الميليشيا الشيعية. لجأ الجنود إلى مبنى وعلى الفور تعرض المبنى لعدد من الصواريخ المضادة للدبابات. وكانت النتيجة سقوط تسعة قتلى وأحد عشر جريحاً.
استمر القتال لمدة شهر تقريباً، وقد طبقت هذه الوحدة آلياً تكتيكات الانتفاضة: الاختباء قبل الرد. لم يكن مسؤول الفصيل يدرك أن أسلحة مضادة للدبابات يمكن أن تستعمل ضد المباني، وأنه يقاتل عدواً أكثر شراسة بكثير من الفصائل الفلسطينية. إنها "الحرب الهجينة"، وهي هجينة بين حرب العصابات والجيش النظامي" وفق تعبير الكولونيل ميشال غويا (1) ورئيس الكتيبة مارك أنطوان بريان (2). وفق هذين المحللين في الجيش الفرنسي فإن مثال دبل يوضح تماماً أسباب الهزيمة الإسرائيلية في العام 2006 في مواجهة عدو أقل عدداً بعشرة أضعاف. في كتابهما إسرائيل في مواجهة حزب الله يفند الضابطان القتال الذي ميّز نهاية حقبة.
فيما يتعلق بالجيش الإسرائيلي، يقول المحللان: إنه "جيش دون ذاكرة" يذهب إلى الهجوم، "جيش من مجندين مقادين بواسطة نقباء ذوي عقود قصيرة. ومعظم كبار الضباط لا يملكون أية خبرة سوى تلك المكتسبة من الحرب ضد الفلسطينيين".
جهل، ازدراء للعدو، استراتيجيا غير ملائمة، وسوء تفاهم يسيطر بين السياسيين والعسكريين. ولا وجود لعدد كافٍ من المعدات الحديثة والسترات الواقية من الرصاص ونظارات الرؤية الليلية، ما شكل غالباً مشاكل لدى جنود الاحتياط. فيما يتعلق بحزب الله، فإن المفاهيم الاستراتيجية والتكتيكية واضحة، تقييم الخصم محدد، والتسلح متطور. هذه هي خصائص القوى التي سوف تظهر بسرعة عند نشوب الحرب في 12 تموز 2006.
قرب الحدود الإسرائيلية – اللبنانية، تسلل كوماندوس من حزب الله إلى إسرائيل وقتل ثمانية جنود إسرائيليين واختطف اثنين آخرَين. ردت إسرائيل بدايةً بحملة جوية شملت على حد سواء منشآت حزب الله في الجنوب ومقره العام في بيروت. وضرب سلاح الجو الإسرائيلي أيضاً البنى التحتية اللبنانية، والجسور ومحطات توليد الطاقة. رد حزب الله بوابل من الصواريخ على إسرائيل. وبعد اقتناعهم بعدم فعالية الحملة الجوية، أطلق الإسرائيليون هجوماً برياً على عدة مراحل. في 14 آب، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، من دون أي نتيجة ملموسة لتل أبيب. مساءً، أطلق حزب الله أيضاً 264 صاروخاً على الأراضي الإسرائيلية. خسرت إسرائيل 119 شخصاً وأحصت سقوط 750 جريحاً، وقُتل نحو 1200 مدني لبناني. أما خسائر حزب الله فلم تُعرف بدقة.
مواجهة غير مسبوقة
أثارت هذه المواجهة غير المسبوقة أوساط العسكريين حول العالم. يشرح العقيد ميشال غويا في لقاء في باريس مع المؤلفين: "وُلد الكتاب في خضم الحرب عن مركز عقيدة استعمال القوات". وقد أُعدّ تحليل ما بعد الحرب بمساعدة مارك أنطوان بريان الذي خدم مرتين في الكتيبة الفرنسية التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل).
إن الحرب ظاهرة عالمية لا يمكن أن تتجاهل السياسة. وميزة حزب الله هي، وفق الخبيرَين، وجود حسن نصر الله، الأمين العام للحزب منذ 1992 . "رجل ذو بصيرة، استراتيجي كبير" كما يعترف غويا وبريان. بينما على الجانب الآخر، كان الوضع سيئاً بين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين. لا رئيس الوزراء ايهود أولمرت ولا وزير الدفاع عمير بيريتز لديه الكفاءة العسكرية الحقيقية. كتب المؤلفان: "بالكاد تواصلا مع رئيس الأركان. في المقابل لم ينم حزب الله على انتصاره في العام 2000 ، عندما أجبر الإسرائيليين على مغادرة الجنوب اللبناني. كان لديه سلاحه الهجومي، والصواريخ متنقلة ومن مختلف المديات. لقد نظم الحزب مشاته في فرعين: "قوة من المقاتلين المحترفين المدعومين من قبل متخصصين في الأسلحة المتطورة " (صواريخ، صواريخ متوسطة المدى أو متفجرات)، مجهزة تجهيزاً جيداً، وموجهة من قبل الجيش الإيراني. بينما الفرع الثاني عبارة عن قوة احتياطية من أكثر من عشرة آلاف رجل، جاهزين للاحتشاد في مهلة قصيرة.
هذا ما لا يفهمه الإسرائيليون أبداً. يؤكد مارك أنطوان ريان: "لديهم جهل مطبق بما أصبح عليه حزب الله". وحتى الآن، فإن المعلومات متاحة، "لكن معرفة الأسلحة شيء ومعرفة كيف سيستخدمها العدو شيء آخر" أضاف ميشال غويا. إن الجيش الإسرائيلي لم يكن يتوقع التكتيكات الجديدة للميليشيا الشيعية: "سرب الدفاع" هو قلبُ جهازهم. هذا التطبيق، المستعمل من قبل الجيش الفنلندي في مواجهة السوفيات في 1939 – 1940، عُدّلت نظريته في وقت لاحق من قبل المفكرين العسكريين الألمان والفرنسيين للدفاع عن الأراضي في مجموعات صغيرة، فصائل من خمسة عشر إلى عشرين رجلاً. يكتب مؤلّفانا: "هذا النوع من القتال معدّ من دفاعات قوية، ومن كمائن، وهجمات مضادة متبوعة باختفاء مفاجئ" وشبكات من الأنفاق من أجل تيسير التسلل. لتحقيق النجاح، يجب اعتماد القتال المباشر، لمنع الدبابات أو الطائرات الاسرائيلية من دعم المشاة الخاصين بهم.
المدفعية المحمولة
يشرح ميشال غويا: "هذا النوع من القتال يتطلب دافعاً كبيراً". إن رجال حزب الله جاهزون للموت، بينما الإسرائيليون، كانوا يتطلعون دائماً إلى توفير أكبر قدر ممكن من أرواح جنودهم. المفاجأة الأخرى هي امتلاك صواريخ ضد الدبابات استعملت ضد المباني. لقد استعملها حزب الله كمدفعية محمولة. يقول المؤلفان: "لقد استبدلوا البنادق، الضعيفة جداً في مقابل العدو الذي له السيطرة على السماء". لهذا تستعمل الميليشيا الشيعية صواريخ من الستينيات، غير الفعالة ضد الدروع الثقيلة ولكن المدمرة للمباني. إنهم يحتفظون بالصواريخ الأحدث للدبابات، لا سيما الميركافا، التي تعتبر من بين الأفضل في العالم، مع نسبة نجاح مثيرة للإعجاب: من بين 400 دبابة مستعملة، 52 دبابة مصابة، منها 22 مثقوبة بواسطة قذائف من الجيل الأخير. يعلق ميشال غويا: " لأول مرة منذ فترة طويلة برزت على ساحة المعركة أسلحة مضادة للدبابات حديثة من صنع غير غربي"، مستخرجة من مصانع صينية أو إيرانية، من ضمنها كورنيت إي الهائل، القادر نظرياً على اختراق حتى 1200 مليمتر من التصفيح من على مسافة 5500 متر.
هذه الخسائر كان سببها على الأقل الأسلحة المستعملة وبنسبة أكثر كان السبب التطبيقات السيئة. يشرح أيضاً ميشال غويا: "أطلق الإسرائيليون أعمدة من دبابات دون حماية، تاركين الوقت للصواريخ لإصابة أهدافها". وفق المحللين الاثنين، فإن حرب 2006 كانت من إخراج "جنرالات بلازما" يديرون المعركة على شاشاتهم. ويشرح رئيس الكتيبة بريان: "يمكن لأجهزة الكمبيوتر أن ترسل مباشرة وضعيات كل وحدة، وكل مركبة، وما يمكن أن يعرفوه عن وضعيات العدو. ولكن لا شيء يحل محل نظرة القادة على الأرض".
لقد تعلم الجيش الإسرائيلي الدروس من فشله: إعادة تنظيم العاملين، زيادة بنسبة 50 % في ميزانية التدريب، بناء نموذج "مدينة عربية" في صحراء النقب للتدريب على قتال المدن، الخ. يقول ميشال غويا: "لا جيش انتُقد ذاتياً اكثر من الجيش الإسرائيلي". حزب الله، من جانبه، من الآن فصاعداً مشتبك على الجبهة السورية، وهذه المرة في دور المهاجم، لكنه يستطيع أيضاً المناورة في الميدان الدفاعي، على سبيل المثال من خلال توفير وسائل مضادة للطائرات حديثة وخفيفة. وفق مارك انطوان بريان فإن جيش حسن نصر الله الصغير هو أيضاً في طور إتقان نظامه الدفاعي من خلال شراء الأراضي في الجنوب لبناء المساكن التي تكون بمثابة عقبات أمام تحقيق اختراق في القوة، التكتيك المفترض أن تلجأ إليه إسرائيل إذا قامت حرب جديدة. إن وجود 16000 رجل من اليونيفيل سيعقد أيضاً مهمة الجيش في معركة غير مؤكدة محتملة جديدة.
(1) الكولونيل ميشال غويا شارك في العديد من العمليات الخارجية قبل أن يصبح مستشاراً لرئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة، ثم أصبح مديراً في معهد الأكاديمية العسكرية الاستراتيجية. ويرأس حالياً مركز بحوث "مركز عقيدة استعمال القوات". له الكثير من المؤلفات.
(2) خدم في أفغانستان ومرتين في لبنان ضمن اليونيفيل. هو حالياً محلل في "مركز عقيدة استعمال القوات".
رابط المقال:
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018