ارشيف من :أخبار عالمية

العودة إلى سياسة التهجير

العودة إلى سياسة التهجير
قاسم حسين-"الوسط"
 
المراقب للوضع البحريني، يرى سياسة النفي والتهجير، تتويجاً لسلسلة الإجراءات القمعية الأمنية التي تصاعدت وتيرتها في الأشهر الأخيرة.


النفي والتهجير سياسة قديمة في البحرين والمنطقة العربية، وعادةً ما تستخدم كعقاب، في أعقاب أي حركات شعبية تطالب بمزيد من الحريات والحقوق. ففي منتصف الخمسينات، تم نفي عددٍ من قيادات هيئة الاتحاد الوطني المناهضة للاستعمار، عبدالرحمن الباكر وعلى العليوات وعبدالعزيز الشملان، إلى جزيرة سانت هيلانة، وسجن قيادات أخرى، بينما لجأ آخرون إلى الخارج.

في الستينات والسبعينات، ومع ظهور تيارات أخرى من المعارضة، كان هناك نازحون آخرون. وفي التسعينات، شهدنا موجةً أخرى من المنفيين السياسيين، في مقدمتهم أمين عام «الوفاق» الشيخ علي سلمان ورفاقه.

السيناريو نفسه تكرّر في أعقاب حراك فبراير/ شباط 2011، وبشكل أكبر ومستويات غير مسبوقة كماً ونوعاً. فإذا كان المهاجرون أو المهجّرون سابقاً، من الناشطين السياسيين، فإن دائرة ضحايا المرحلة الجديدة اتسعت جداً لتشمل معلمين وأطباء وناشطين حقوقيين وإعلاميين وصحافيين وأصحاب مهن متنوعة، بمن فيهم نوابٌ سابقون، وجدوا أنفسهم فجأةً متهمين بقضايا هي من صلب عملهم السابق، في الدفاع عن مصالح ناخبيهم. كما أن هناك أعداداً كبيرة من طلبة المدارس والمعاهد والجامعات، الذين طالتهم الملاحقات الأمنية جراء الحراك السياسي الذي نادى بالديمقراطية الحقيقية وإصلاح أوضاع البلاد.

في سياق الإجراءات المشدّدة لقمع الرأي الآخر، سحبت العام الماضي جنسية ثلاثين مواطناً بحرينياً، في خطوةٍ أثارت انتقادات دولية واسعة، سواءً من منظمات حقوق الإنسان العالمية أو عواصم الدول الكبرى التي تعتبر حليفةً للنظام. فالعالم اليوم بات رافضاً لمثل هذه الخطوات التي تحوّل المواطن إلى فاقدٍ للجنسية، بقرار سياسي. هذه السياسات باتت غير مقبولة وغير مفهومة على الإطلاق، ولا تحدث عادةً، حتى في البلدان التي شهدت ثورات أو انقلابات أو حروباً أهلية. لذلك لم تحصل السلطة على أي تأييدٍ أو تفهُّمٍ، من أية دولة في العالم، لإجراءات سحب جنسيات مواطنيها.

الخطوة الأخيرة بإبعاد الشيخ حسين النجاتي، تأتي في سياق هذه الإجراءات الهادفة لقمع المعارضة، وإسكات «أي صوت آخر». فالمطلوب ألا يكون في البحرين غير صوت واحد فقط، هو صوت السلطة، التي لا تريد أن تسمع غير صوتها. وعلى الجميع أن يسمعوا ويطيعوا ويخضعوا حتى لو كانت الإجراءات مخالفة للقانون المحلي والدولي.

الإبعاد كان من وسائل القمع التقليدية القديمة، في البحرين أو عموم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد طالت هذه الوسيلة شخصيات شتى، من ملك المغرب الأسبق محمد الخامس، وسعد زغلول ورفاقه في مصر، والإمام الشيخ محمد عبده، إلى قادة ثورة العشرين في العراق، وغيرهم كثيرون. طابور طويل من المهجّرين والمنفيين. ومن المؤسف جداً أن يكون لبلدنا الصغير، هذا الكمّ الكبير من المهاجرين والمهجّرين، لدوافع سياسية بحتة.

التبريرات التي ساقتها وزارة الداخلية لا تقنع أحداً، ولا يحتاج المرء للرد عليها وتفنيدها بسبب ضعفها الشديد. إلا أن تبعاتها سيئة جداً على الوضع السياسي في البحرين، فهي ستزيد من الانتقادات الموجهة للنظام بشأن سياسته المحلية، وتعزّز الاتهامات المتكررة من أكثر من جهة محلية ودولية، بشأن التمييز الطائفي ضد هذا المكوّن الرئيسي من السكان. وفي الوقت الذي هدف النظام بإبعاد النجاتي إلى إسكات صوت واحد، فإنه فتح على نفسه أصواتاً كثيرة، ومهّد الطريق أمام حملة عالمية يكون عنوانها أنه يتبنى سياسة تطهير مكشوفة ضد طائفة معينة من البحرينيين.

هدم عشرات المساجد لطائفة معينة، فصل الآلاف من أعمالهم وتجويع عوائلهم، وسجن آلاف آخرين بمن فيهم شخصيات دينية، وإغلاق مجلسهم الإسلامي... وتأتي حادثة إبعاد النجاتي لتضع اللمسة الأخيرة للوحة الاضطهاد الديني في لحظة تاريخية خاطئة جداً... «الربيع العربي»!
 
2014-04-27