ارشيف من :أخبار عالمية
سنوات السجن... وسنوات الجريش
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية
شهد هذا الشهر ندوتين ثقافيتين، الأولى نظمتها «مجموعة 19 البحرين»، استضافتها جمعية «وعد»، عن «الإعلام الاجتماعي ودوره في تعزيز الحقوق وتوسيع الحريات»، (9 أبريل/ نيسان 2014)، والأخرى عن «تاريخ دلمون... مهد الحضارة» (14 أبريل)، واستضافها مركز جدحفص الثقافي.
استعرضت في مقالٍ سابقٍ ما يتصل بالجانب السياسي في الندوة الأولى، وتركت الجانب التاريخي لهذا اليوم، لأتناول تجربة جاسم حسين آل عباس الثرية في مجال التدوين، حيث أطلق موقعاً الكترونياً يهتم بالتراث. وقد بدأ صاحبنا بدراسة التاريخ مطلع التسعينيات، وبدأ الاهتمام بتاريخ البحرين منذ العام 2000، وفي 2004، أطلق موقعه «سنوات الجريش».
التسمية استوحاها من سنوات القحط والجوع التي عاشها سكان الخليج أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد ذكّرني بما سمعته من المرحوم والدي، وكان في بدايتها صبياً دون العاشرة، وكانت أمّه رحمها الله، تعطيه تمرةً واحدةً في اليوم، وتمرةً أخرى لأخته (عمّتي). وظلّ يذكر تلك الأيام الصعبة حتى آخر حياته، وظلّت صورتها محفورةً في ذاكرتي.
قبل تأسيس موقعه، كان يزور القرى ويكتب تقارير عنها وينشرها في بعض المنتديات، وشجّعه ما لقي من تفاعلٍ على الكتابة في تاريخ البحرين، مدفوعاً بحب الاستطلاع والبحث عن الهوية التي تتعرّض لتشويهٍ متعمّدٍ مسعور. وقد ذكر أنه تعرّض للتوقيف عدة مرات، وتم التحقيق معه في بعض مراكز الشرطة أثناء تتبعه وتقصّيه للأماكن الأثرية، إمّا لأنها كانت ضمن أملاك خاصة أو مواقع عسكرية، مثل جزيرة ابن المتوّج (القريبة من النبيه صالح)، وقرية المخروق (جنوبي محطة الرفاع للكهرباء). هذا الشغف بالتاريخ اكتشفنا أنه نشأ وترعرع لديه في سنوات السجن في التسعينات.
الندوة الأخرى، عن «حضارة دلمون» قدّمها محمود عبدالصاحب، تطرّق فيها إلى تاريخ البحرين القديم، حيث كانت هذه الجزر مهد حضارة عريقة، ارتبطت بحضارات السند والهند وفارس وبلاد الرافدين. وأشار إلى ما تميّزت به من صناعات السفن والصيد والنسيج والتعدين، فضلاً عمّا اشتهر به الفخار الدلموني، وانتشاره حتى وصل إلى أرض الفينيقيين (لبنان) والبتراء (الأردن) وإيران والعراق. هذه الجزر الغنية العريقة كانت لها صلاتٌ أيضاً بالمراكز الحضرية الأخرى، مثل ملوخا (الإمارات حالياً) وماجان (عُمان) وصولاً إلى الهند. فمن يقف على مثل هذا التاريخ لا يشعر داخله بعقدة نقصٍ أو انتماء.
تطرّق عبدالصاحب إلى ملحمة جلجامش، ومجيئه إلى «أرض الحياة»، بحثاً عن زهرة الخلود؛ وعن مدافن عالي التاريخية، أقدم مقبرة تاريخية في العالم، التي تعرّضت للتجريف في العقدين الماضيين، ولم يبق منها إلا 6-8 آلاف قبر، بعد أن كانت تقدّر سابقاً بين 170- 200 ألف. كما قدّم شرحاً لتكوّن القبر من طابقين، حيث كان يدفن مع المتوفى بعض مقتنياته، ما يوحي بوجود عقيدة البعث عند الدلمونيين القدامى.
مثل هذه الندوات يكون حضورها من النخبة والمثقفين، ويعقبها بعض المداخلات، منها ما أضافه الناشط البيئي محمد جواد المعاميري من القول بأن أهل البحرين حين تحوّل بعضهم للنصرانية، اختاروا المذهب النسطوري، الذي يؤمن بالمسيح نبياً وليس إلهاً. مضيفاً أن هناك دولاً مجاورة صرفت الملايين لتخرج لنفسها بهوية تاريخية، بينما نفرّط نحن بتراثنا الوطني، وآخره ما يجري من تخريب همجي مشين لقبر الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان العبدي.
عبدالصاحب هو الآخر كان سجيناً سياسياً، أطلق سراحه قبل شهرين، واستغل السنوات الثلاث أحسن استغلال، في القراءة والكتابة والتأليف، فخرج بأكثر من عشرين مخطوطة تنتظر التنقيح وإعداد أحسنها كتباً للطبع.
تجربتان ثريتان تثيران الإعجاب... تقولان أن السجن ليس نهاية الحياة.
شهد هذا الشهر ندوتين ثقافيتين، الأولى نظمتها «مجموعة 19 البحرين»، استضافتها جمعية «وعد»، عن «الإعلام الاجتماعي ودوره في تعزيز الحقوق وتوسيع الحريات»، (9 أبريل/ نيسان 2014)، والأخرى عن «تاريخ دلمون... مهد الحضارة» (14 أبريل)، واستضافها مركز جدحفص الثقافي.
استعرضت في مقالٍ سابقٍ ما يتصل بالجانب السياسي في الندوة الأولى، وتركت الجانب التاريخي لهذا اليوم، لأتناول تجربة جاسم حسين آل عباس الثرية في مجال التدوين، حيث أطلق موقعاً الكترونياً يهتم بالتراث. وقد بدأ صاحبنا بدراسة التاريخ مطلع التسعينيات، وبدأ الاهتمام بتاريخ البحرين منذ العام 2000، وفي 2004، أطلق موقعه «سنوات الجريش».
التسمية استوحاها من سنوات القحط والجوع التي عاشها سكان الخليج أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد ذكّرني بما سمعته من المرحوم والدي، وكان في بدايتها صبياً دون العاشرة، وكانت أمّه رحمها الله، تعطيه تمرةً واحدةً في اليوم، وتمرةً أخرى لأخته (عمّتي). وظلّ يذكر تلك الأيام الصعبة حتى آخر حياته، وظلّت صورتها محفورةً في ذاكرتي.
قبل تأسيس موقعه، كان يزور القرى ويكتب تقارير عنها وينشرها في بعض المنتديات، وشجّعه ما لقي من تفاعلٍ على الكتابة في تاريخ البحرين، مدفوعاً بحب الاستطلاع والبحث عن الهوية التي تتعرّض لتشويهٍ متعمّدٍ مسعور. وقد ذكر أنه تعرّض للتوقيف عدة مرات، وتم التحقيق معه في بعض مراكز الشرطة أثناء تتبعه وتقصّيه للأماكن الأثرية، إمّا لأنها كانت ضمن أملاك خاصة أو مواقع عسكرية، مثل جزيرة ابن المتوّج (القريبة من النبيه صالح)، وقرية المخروق (جنوبي محطة الرفاع للكهرباء). هذا الشغف بالتاريخ اكتشفنا أنه نشأ وترعرع لديه في سنوات السجن في التسعينات.
الندوة الأخرى، عن «حضارة دلمون» قدّمها محمود عبدالصاحب، تطرّق فيها إلى تاريخ البحرين القديم، حيث كانت هذه الجزر مهد حضارة عريقة، ارتبطت بحضارات السند والهند وفارس وبلاد الرافدين. وأشار إلى ما تميّزت به من صناعات السفن والصيد والنسيج والتعدين، فضلاً عمّا اشتهر به الفخار الدلموني، وانتشاره حتى وصل إلى أرض الفينيقيين (لبنان) والبتراء (الأردن) وإيران والعراق. هذه الجزر الغنية العريقة كانت لها صلاتٌ أيضاً بالمراكز الحضرية الأخرى، مثل ملوخا (الإمارات حالياً) وماجان (عُمان) وصولاً إلى الهند. فمن يقف على مثل هذا التاريخ لا يشعر داخله بعقدة نقصٍ أو انتماء.
تطرّق عبدالصاحب إلى ملحمة جلجامش، ومجيئه إلى «أرض الحياة»، بحثاً عن زهرة الخلود؛ وعن مدافن عالي التاريخية، أقدم مقبرة تاريخية في العالم، التي تعرّضت للتجريف في العقدين الماضيين، ولم يبق منها إلا 6-8 آلاف قبر، بعد أن كانت تقدّر سابقاً بين 170- 200 ألف. كما قدّم شرحاً لتكوّن القبر من طابقين، حيث كان يدفن مع المتوفى بعض مقتنياته، ما يوحي بوجود عقيدة البعث عند الدلمونيين القدامى.
مثل هذه الندوات يكون حضورها من النخبة والمثقفين، ويعقبها بعض المداخلات، منها ما أضافه الناشط البيئي محمد جواد المعاميري من القول بأن أهل البحرين حين تحوّل بعضهم للنصرانية، اختاروا المذهب النسطوري، الذي يؤمن بالمسيح نبياً وليس إلهاً. مضيفاً أن هناك دولاً مجاورة صرفت الملايين لتخرج لنفسها بهوية تاريخية، بينما نفرّط نحن بتراثنا الوطني، وآخره ما يجري من تخريب همجي مشين لقبر الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان العبدي.
عبدالصاحب هو الآخر كان سجيناً سياسياً، أطلق سراحه قبل شهرين، واستغل السنوات الثلاث أحسن استغلال، في القراءة والكتابة والتأليف، فخرج بأكثر من عشرين مخطوطة تنتظر التنقيح وإعداد أحسنها كتباً للطبع.
تجربتان ثريتان تثيران الإعجاب... تقولان أن السجن ليس نهاية الحياة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018