ارشيف من :ترجمات ودراسات

الاتحاد الأوروبي والتدخل الأجنبي في إفريقيا


الاتحاد الأوروبي والتدخل الأجنبي في إفريقيا

الكاتب : Antoine Lerougetel
عن موقع Mondialisation.ca
18 نيسان / أبريل 2014-04-23


قررت القمة الرابعة للاتحاد الأوروبي-إفريقيا التي انعقدت في 2 و3 نيسان / أبريل في بروكسل بحضور 30 رئيس دولة أوروبية وإفريقية، قررت إرسال قوة عسكرية أوروبية قوامها ألف جندي إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، وذلك قبل نهاية شهر أيار / مايو.

ويأتي هذا القرار كاستجابة لرغبة دولتين نافذتين في الاتحاد الأوروبي، هما ألمانيا وفرنسا تحديداً، بتكثيف الهجمة الاستعمارية الجديدة التي تقودانها في إفريقيا إلى جانب الولايات المتحدة.

وفي جلسة افتتاح القمة، دعت المستشارة الألمانية، آنجيلا ميركل، إلى مقاربة جديدة لإفريقيا حيث قالت بأنه من المهم للدول الأوروبية أن تعترف بأن هنالك "فرصاً سانحة" للإطلال على القارة وليس "كما هي العادة على الدوام مشكلات ولا شيء غير المشكلات".

وخلال مؤتمر صحافي عقدته بالمشاركة مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند، قالت ميركل : "معاً يمكننا أن نحرز تقدماً على مستوى الأمن والتنمية والتغير المناخي" وأن نكون "محرك التنمية الجماعية" لكل من الاتحاد الأوروبي وإفريقيا. وأشارت أيضاً إلى "الطريق الجديد" الذي سلكته ألمانيا في مجال السياسة الخارجية تجاه إفريقيا بهدف "التحلي بقدر أكبر من الحس بالمسؤولية في إفريقيا، وكذلك في السياسة التنموية المتعارفة". وأعطت مثلاً على ذلك هو الدعم الذي قدمته ألمانيا لفرنسا في الحرب الدامية التي تدور رحاها في مالي.

وفي شباط / فبراير الماضي، أدلى وزير التعاون والتنمية الاقتصادية الألماني، جيرد مولر، بتصريح قال فيه : "إن القارة الإفريقية هي المجال الرئيسي للتعاون بين ألمانيا والاتحاد الأوروبي". كما أكد أن ألمانيا هي شريك استراتيجي للاتحاد الإفريقي في مجال التنمية العسكرية.
وقد أقر رئيس المفوضية الأوروبية، خوسيه باروزو، موافقة الاتحاد الأوروبي على تقديم 800 مليون يورو للاتحاد الإفريقي بهدف تعزيز "إجراءاته الوقائية وإدارته للصراعات".
إن توسع التدخل العسكري في إفريقيا من قبل الامبريالية الأوروبية، وهو التوسع الذي يتم تقديمه بخبث إلى الرأي العام على أنه عملية تنمية إنسانية، هو هجوم امبريالي وحشي هدفه ضمان أرباح ومكاسب استراتيجية. لقد أطلقت واشنطن والقوى الامبريالية الأوروبية عملية هروع كبير نحو إفريقيا من أجل التنافس مع بلدان كالهند والبرازيل وخصوصاً الصين.


الاتحاد الأوروبي والتدخل الأجنبي في إفريقيا

وبهذا الصدد، وضع كريستوف هاسيلباش، الإعلامي في الإذاعة الألمانية "دويتش فيل"، برنامج هذه القمة تحت عنوان " تجارة واستثمار" حيث قال : "إن الاتحاد الأوروبي يعي جيداً جداً أن الصين قد أصبحت ذات نفوذ كبير جداً في إفريقيا".
إن الدول الأوروبية تعزز بشكل متزايد تغلغلها التجاري في الأسواق الإفريقية. وبهذا الصدد، قال فرانسيسكو ماري، وهو موظف ألماني مسؤول في مجال المساعدات، على هواء الإذاعة المذكورة : "منذ دورة الدوحة التي انعقدت عام 2000، طرح الاتحاد الأوروبي عرضاً وافقت عليه منظمة التجارة العالمية بمنح البلدان الأكثر فقراً في العالم، ومنها 33 بلداً إفريقياً، إمكانية إدخال البضائع إلى الأسواق الأوروبية دون المرور بحواجز جمركية".

مقابل ذلك، تكون هذه البلدان مجبرة على فتح أسواقها أمام بضائع الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية حدد الاتحاد موعداً لتوقيعها ينتهي في تشرين الأول / أكتوبر 2014. وفي حال عدم توقيعها، سيقوم الاتحاد بفرض رسوم على البضائع القادمة من تلك البلدان. لكن أربعة بلدان إفريقية لا غير وافقت حتى الآن على هذه الاتفاقية بسبب المخاوف من تداعيات المنافسة المحمومة بين بضائعها وبضائع الاتحاد الأوروبي.

ويتابع فرانسيسكو ماري قائلاً : "فالأوروبيون يريدون بالطبع أن يبيعوا لإفريقيا المصنع والآلات وقطع الغيار. ويريدون أن يكون كل ذلك معفى من الضرائب، ما يعني أن موقعهم سيكون أفضل من موقع الأميركيين والصينيين الذين لن يحصلوا على إعفاءات في هذا المجال".
هذا، ويشكل اشتداد الهجمة الأوروبية في إفريقيا جزءاً من تفجر أكثر اتساعاً للنزعة العسكرية الأوروبية. وهذا الاتساع يجد شكله الأكثر تركيزاً في تعزيز هذه النزعة من قبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا ومن خلال الإنقلاب الذي نفذه الفاشيون في أوكرانيا. وفيما يخص إفريقيا، فإن القوى الإمبريالية الأوروبية تعود اليوم إلى قارة سبق أن استثمرتها، بوصفها قوى استعمارية مسيطرة، خلال القرن التاسع عشر وصولاً إلى أواسط القرن العشرين. والحقيقة أن الإرث الكارثي للاضطهاد الاستعماري والتدخل العسكري المستمر يتناقضان مع التصريحات القائلة بأن الهجمة الحالية هي مسعى إنساني.

وفي خطاب حول السياسة العامة ألقاه مؤخراً رئيس الوزراء الفرنسي الجديد مانويل فالس (من الحزب الاشتراكي)، أنكر فالس بطريقة وقحة التواطؤ الإجرامي لفرنسا، وهو تواطؤ موثق من قبل فرنسا نفسها، في إبادة 800 ألف إنسان من إتنية التوتسي في رواندا عام 1994، خلال الفترة الرئاسية للاشتراكي فرانسوا ميتران. وجاء هذا الإنكار بعد أن كان الرئيس الرواندي كاغامي قد اتهم فرنسا -خلال إحياء الذكرى العشرين للمجازر- بالتقليل من مسؤوليتها عن هذه الإبادة.
وفي الخطاب نفسه، امتدح فالس التدخلات العسكرية التي تقوم بها فرنسا في مستعمراتها الإفريقية السابقة (مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى) وهي المستعمرات التي وصلت إلى مستوى رهيب من الفقر.

ويوماً بعد يوم، تزداد حماسة النخبة الألمانية القائدة للتخلي عن التحفظ العسكري ليس فقط في أوروبا الشرقية، بل أيضاً في إفريقيا. فقد ذكرت الإذاعة الألمانية، "دويتش فيل" أن "ميركل تؤكد الآن استعداد ألمانيا لأداء المزيد من الالتزامات في إفريقيا، داعمة بذلك مسعى وزيرة الدفاع الألمانية، أورسولا فون در لاين، الهادف إلى جعل ألمانيا ‘‘تتحمل المزيد من المسؤوليات في إدارة الصراعات في أربعة أقطار المعمورة، بما في ذلك من الناحية العسكرية".

وتأتي هذه التوجهات معاكسة للمعارضة الشعبية الواسعة في أوروبا لفكرة الحروب. فقد بين استطلاع للرأي أجرته مؤخراً وكالة الأنباء الألمانية أن نصف الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع يعارضون بشكل كامل كل توجه نحو رفع مستوى التدخل الألماني في إفريقيا.
في اللحظة الراهنة، وعلى الرغم من الخصومة المزمنة وحتى من المواجهات العسكرية في إفريقيا بين الامبرياليتين الفرنسية والألمانية، يبدو أن النخبة الحاكمة في فرنسا تشجع برلين على المضي قدماً في عملية التصعيد على الأرض الإفريقية. والظاهر أن فرنسا تراهن على استخدام القوات العسكرية الألمانية من أجل تعزيز نفوذها الخاص في إفريقيا.

ففي مقالة ذات دلالة أكيدة، شنت مجلة لو نوفيل أوبسرفاتور الفرنسية الملتزمة إلى أبعد حد بالحزب الاشتراكي الحاكم، شنت هجوماً على الاتحاد الأوروبي لأنه لم يتدخل بقوة أكبر في إفريقيا.

كما هاجمت إسهام الاتحاد الأوروبي في الحرب التي تخوضها فرنسا في جمهورية إفريقيا الوسطى، معتبرة أن هذا الإسهام ليس كافيا، حيث وصفته بأنه "ترضية هزيلة ما دام أن ما نشره الاتحاد من جنود ومن وسائل لوجستية يظل متواضعاً بالقياس إلى القدرات التي تمتلكها البلدان الأعضاء في الاتحاد". واشتكت أيضاً لأن نظام الحشد التكتيكي التابع للاتحاد الأوروبي والذي يضم 1500 جندي "لم يتم استخدامه على الإطلاق".
لكن لو نوفيل أوبسرفاتور اعترفت بطريقة مواربة بالخاصية غير الشعبية وغير الديموقراطية للتدخل الأوروبي في إفريقيا، وكتبت بهذا الصدد أن السبب في النكوص عن التدخل بشكل أقوى هو "الخطر السياسي الذي يشكله عدم تأييد الرأي العام للتدخل العسكري... [وأخيراً] فقدان الشهية تجاه أوروبا قوية عسكرياً".
2014-04-29