ارشيف من :أخبار لبنانية
خطاب "الحرامي" والعدالة الدولية
"الخليج" - عبدالله علي الشرهان
واضح أن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو أمضى وقتاً ليس بالهين وهو يناقش خطابه مع الأمريكيين والأوروبيين قبل أن يقرأه منمقاً بكلمات ملعوبة من “مركز بيجن- السادات” في جامعة بار إيلان العبرية في تل أبيب، وهو الشيء الوحيد الذي يفسر سرعة الردود الأمريكية والأوروبية التي اتفقت على وصف ما جاء في الخطاب بالجملة نفسها “خطوة مهمة إلى الأمام”.
والحقيقة أن هذا الخطاب الذي قد يفسره بعض السياسيين بأنه وضع أعلى سقف للشروط التي يمكن لعتاة المتطرفين الصهاينة أن “يتسلوا” بها ردحاً جديداً من الزمن في أية مفاوضات “تلهية” جديدة مع الفلسطينيين والعرب، إنما كان موجهاً في صياغته الدبلوماسية لآذان الرئيس الأمريكي أوباما بالتحديد بعد خطابه الأخير في القاهرة، والذي اصطف الأوروبيون وراءه على موقف جامع من موضوعي “حل الدولتين” و”وقف الاستيطان” على وجه التحديد.
وفي هذين الموضوعين جاء نتنياهو ليقول لأوباما ومناصريه الأوروبيين قبل أن يبدأ جولة زيارات لبلدانهم حسناً.. تريدون دولة للفلسطينيين، فليبقوا في أماكنهم في الضفة وغزة، وليأخذوا من تبقى منهم لدينا منذ عام 1948 ونحن لن نخنقهم أكثر بمصادرة مزيد من الأراضي أو بناء مستوطنات جديدة، وإنما سيظل من حقنا أن نتمدد في المستوطنات القائمة كلما زاد “نمونا اليهودي الطبيعي” فيها.. ثم أحضروهم إلينا لنتفاوض على هذه الشروط، ولا مانع لدينا لو كان الاسم “امبراطورية” وليس مجرد “دولة منزوعة السلاح” إن أرادوا.
أما للفلسطينيين والعرب فقد ترجم ذلك بلغة أخرى بقوله: حسناً.. إن تبقت لديكم ذرة من كرامة أو قطرة من دم في وجوهكم فتعالوا وحاربونا.. أو اركعوا قابلين باستسلام كامل لهذه الشروط.
وهكذا، لم يسقط نتنياهو، وهو صاحب تعبير “كيان صغير لا يكاد يرى على الخارطة في محيط واسع من العداء”، كل ما كان يمكن اعتباره مفاتيح لأبواب السلام المسدود جزافاً من خطابه، لأن الخطاب في الواقع لم يكن يُعنى بشيء اسمه السلام، وإنما بغطرسة “الحرامي” المدجج بالسلاح والذي لا يريد إلا شيئاً واحداً فقط وهو أن يتركوه بأمان مع الغنيمة المسروقة من دون عقاب.
فتحت “بردعة الأمن” التي ألبستها “إسرائيل” على ظهور الجميع منذ قيام كيانها الغاصب على أرض فلسطين قبل ثلثي قرن من الزمان، شطب نتنياهو من أجندة “الحل الأمريكي” القادم، والمؤيد أوروبياً، النقاط التي سلسلها أوباما نفسه في خطاب القاهرة وفي مقدمتها “مبادرة السلام العربية” التي قدمت “للحرامي” أكثر مما كان يحلم به من “سترة أمان واقية ضد المدافع والدبابات والطائرات” و”خارطة الطريق” التي انحرف بها تماماً إلى “طريق لا خارطة”، و”اللجنة الرباعية” ومؤتمر مدريد، و”الاعتراف المتبادل” مع منظمة التحرير، واتفاق أوسلو، بل وكل الاتفاقيات التي ظلت “تنزع من الفلسطينيين والعرب ثوب شرفهم قطعة قطعة حتى باتوا عراة بالكامل في بحر من دماء أطفالهم ونسائهم وشعوبهم التي فرض على بعضها أن تقبل “المقاومة” بمفهوم “إرهابي”.
وتحت “بردعة الأمن”: لا قدس ولا لاجئين، ولا مياه ولا جولان، ولا ما تبقى محتلاً من أرض لبنان، والمقابل: نعطي العرب رشاشات ماء!! وأدوية وأسلحة أيضاً، ولكن مما تصنعه “إسرائيل” فقط.
ويذهب الاستخفاف إلى أكثر من ذلك، لنجد أنه بتقليب “الكلمات الملعوبة” في الخطاب، فإن “حل الدولتين” يصبح “حلاً لدولة واحدة” نقاؤها يهودي بالمطلق، وبحيث تصبح كل المجتمعات التي تعيش فيها شعوب الأرض غير اليهودية في العالم (الغوييم أو الاغيار في التوراة) هي الدولة الأخرى والتي ينطبق عليها مفهوم “دولة بلا دولة” مثل التي “تكرم” بها نتنياهو للفلسطينيين، فلا سلاح أمام سلاح “الدولة اليهودية”، ولا حدود إلا ما يحدد “الدولة اليهودية” وفي الهوية تستوي كل أجناس الأرض وشعوبها بهويتين فقط “يهودي” و”غير يهودي”، وهؤلاء هم “الخنازير والقردة والأفاعي” الذين لا يستحقون حياة على هذه الأرض التي اختارها الله فقط “لليهود” كما يؤمن هؤلاء المتطرفون الصهاينة.
وفي هذا لا يمكن لعاقل في الكون أن يفهم معنى “خطوة مهمة إلى الأمام”، فهل “الخطوة التالية المهمة” هي “إقليم محيط” (يشمل الأردن وسوريا ولبنان ومصر ودول الخليج وإيران وباكستان وربما اندونيسيا أيضاً) منزوع السيادة والسلاح طالما ظل العالم يصغي لهذه الكذبة الكبرى واسمها “الأمن ل”إسرائيل””، والحدود القابلة للدفاع عنها، والتي لا يعرف بعد ستين عاماً من أين تبدأ أو إلى أين تنتهي، فقد لا نفاجأ بعد عقود أخرى من الزمن أن حدود “إسرائيل” التاريخية صارت على حدود الصين شرقاً، والجمهوريات السوفييتية السابقة شمالاً، والمحيط الأطلسي غرباً، وجنوب إفريقيا في الجنوب قبل أن تقوم “دولة بلا مقومات مجلس بلدي” للفلسطينيين، فالواضح من خطاب نتنياهو انه حيث يوجد يهودي واحد على الكرة الأرضية فهناك حدود “إسرائيل” التاريخية التي يجب الدفاع عنها، والتي يجب أن يقابلها “إقليم منزوع السيادة والسلاح” أياً كان اسم هذا الإقليم أو الدولة.. وهذه نتيجة يجب أن نقتنع بها جميعاً.
ولعل الفلسطينيين باتوا يدركون الآن أن مصيرهم الواحد أكبر من اختلافهم على جهاز أمني وقوائم معتقلين، ولعل العرب يدركون الآن أنهم كانوا يجب أن يأخذوا ما قاله شارون على محمل الجد عندما قال إن مبادرتهم لا تساوي الحبر الذي كتبت به، ولعل اوباما وحلفاءه من الأوروبيين يدركون الآن أن أقصر الطرق لحل الدولتين هو العودة إلى قرارات الشرعية الدولية، وهناك مثلاً قرار التقسيم عام ،1947 فما الفارق في تطبيقه على “إسرائيل” تحت نفس الفصل السابع كما طبقت قرارات المجلس نفسه عسكرياً على العراق وصربيا وأفغانستان، وبالعقوبات الاقتصادية على سوريا وكوريا وكوبا والصين والنظام العنصري المماثل في جنوب إفريقيا من قبل، وغيرها من مناطق أخرى في العالم بدوافع الحرية والعدل.
أم أن “إسرائيل” ستظل من دون كل كيانات العالم الطليق الحر من يد العدالة طالما أن “الغوييم يقتلون الغوييم”.. واليهود لا يحاسبون على قتلهم إلا في السماء كما تورد توراتهم؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018