ارشيف من :أخبار لبنانية
خطاب نتنياهو يوحّد الجمهور الإسرائيلي حول الخوف ويبعد فرص التقدم نحو الحل السياسي
صحيفة "السفير" - حلمي موسى
أنجز رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خطابه ونطق «الكلمتين» (الدولة الفلسطينية) ولم تسقط السماء فوق رأسه. بل إنه لم يتلعثم حين قال بالدولة الفلسطينية المثقلة بالشروط رغم أنه القائل «بأن نعم للدولة الفلسطينية تعني لا للدولة اليهودية». ومن الجائز أنه يخبر المقربين منه أن شيئا لم يتغير وأن كل ما جرى فعليا هو أنه ركز على القسم الثاني من إيمانه بأن «نعم للدولة اليهودية تعني لا للدولة الفلسطينية». ولهذا السبب فإن الدولة الفلسطينية التي قصدها هي وفق كاتب إسرائيلي مجرد «منطقة صناعية».
ومن الواضح أن نتنياهو حاول، وهو يتحدث عن الدولة الفلسطينية، أن يدرج في خطابه كل المخاوف الكامنة في النفس الإسرائيلية الحاضرة. ورغم حديثه عن الحق التاريخي والامتداد التراثي فإنه في قرارة نفسه لا يرى في إسرائيل أكثر من وجود استعماري بدأ بـ«البرج والسور» ويترسخ بـ«البرج والسور» وينتهي بهما أيضا. ولهذا السبب فإنه ركز على «طلائعية» و«قيمية» المشروع الاستيطاني. وخلافا للصهيونية العمالية التي ركزت على الأرض والمكان وبالتالي الوجود بالمعنى الحاضر، فإن الصهيونية اليمينية من مدرسة نتنياهو تركز على الأرض والمكان ولكن عبر التركيز على الماضي. ولا تكتفي صهيونية نتنياهو بمجرد الوجود والاعتراف به بل تطالب بالإقرار بحق تاريخي مزعوم يحفظ المستقبل عبر التطبيع مع الحاضر.
ولكن بعيدا عن أية جدالات فكرية حول علاقة الحاضر بالماضي بالمستقبل، من الجلي أن المشروع الصهيوني يواجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مشكلة أيديولوجية خطيرة. فالقيادة الإسرائيلية الحالية هي القيادة اليمينية التي حاربت طوال السنين كل فكرة تنادي بالحل الإقليمي، بمعنى تقاسم أرض فلسطين التاريخية مع العرب. وتجد هذه القيادة نفسها اليوم مضطرة للاعتراف بأن الحل القائم على التقسيم أمر مقبول ولكن باشتراطات تدخل في باب المساومة ولا تلغي جوهر الإقرار بقبول الحل. لهذا صرخ كثيرون، في الغالب خارج إسرائيل، بأن نتنياهو نطق «الكلمتين» وهذا كاف ويوفر الأساس للانطلاق نحو ما هو أكبر. ويشيرون على هذا الصعيد إلى واقع أن التأييد لحل الدولتين في كل من الحلبة السياسية وفي صفوف الجمهور يكاد يكون جارفاً، مما يعني أن الإقرار بذلك بات حتميا ونهائيا.
ولكن كل من يعرف الوقائع على الأرض يعلم أن الحتمي والنهائي في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية يعتبر نسبيا. فالصهيونية وإن كانت في أدائها العام براغماتية تقرأ الواقع وتحاول أن تجد منافذ فيه لفائدتها كانت إراداوية إلى حد كبير. وتكثر الكتب المدرسية الإسرائيلية من ترداد عبارة هرتسل لتشجيع الالتفاف حول فكرة الدولة اليهودية: «إذا أردتم، فإنها لن تكون أسطورة». وليس هناك من يجهل أن القيادة الإسرائيلية سوف تواصل مساعيها للإفادة من أي تغيير في الواقع الإقليمي والدولي لتكسب المزيد من الوقت للدولة العبرية.
ومن الملاحظ أن نتنياهو أفلح في إقناع قوى اليمين بأن إقدامه على «خطوة إلى الوراء» بشأن «الدولة الفلسطينية» هو ما يفسح المجال لخطوتين إلى الأمام في لاحق الأيام. فـ«كلمتا» الدولة الفلسطينية لا تستحقان الوقوف عندهما إذا كان الأمر يتعلق بالخلاف مع الإدارة الأميركية التي باتت العلاقة الوطيدة معها أبرز مقومات الأمن القومي الإسرائيلي. ولهذا فإنه تحدث عن ظرف دولي أكثر مما تحدث عن إقرار طبيعي بحق الفلسطينيين في دولة.
ولهذا السبب غاب عن السمع ذلك الصراخ الهيستيري الذي كان سمة غلاة اليمينيين في الليكود وباقي الأحزاب اليمينية. بل إن شخصا مثل بني بيغن اضطر لابتلاع موقفه من الدولة الفلسطينية الذي أعاد التأكيد عليه فقط قبل يومين من خطاب نتنياهو. كما أن شخصا مثل رئيس الكنيست روبي ريفلين الذي وصف حديث نتنياهو عن الدولة الفلسطينية بأنه طعنة في القلب لم يذهب أبعد من ذلك ويدفع إلى اتخاذ موقف من نتنياهو.
لقد تعامل اليمين الإسرائيلي مع خطاب نتنياهو بتأرجح بين التجاهل واعتباره مجرد تكتيك تفاوضي مع الإدارة الأميركية. وقد استفاد على ما يبدو من ردة الفعل العربية الكلامية السريعة التي تعاملت مع الخطاب بعدائية من دون أن توفر رد فعل عملياً مدروساً ومفصلاً. ومن الجائز أن الكلام العدائي تجاه خطاب نتنياهو لن يحول دون القوى العربية «المتصالحة» مع إسرائيل والاجتماع قريبا بنتنياهو أو ممثلي حكومته في مفاوضات جديدة.
غير أن أهم ما في خطاب نتنياهو هو أنه نقل ائتلافه الحكومي من مجرد ائتلاف مأزوم إلى ائتلاف يمثل روح الجمهور الإسرائيلي برمته. صحيح أن بعض الأوساط اليسارية وفي مقدمتها الأديب ديفيد غروسمان رأت أن الخطاب والتأييد الشعبي له يبرزان ابتعاد إيمان الإسرائيليين بإمكانية تحقيق السلام، ولكن هذا الرأي يبقى أقلية. فالخطاب نال التأييد من كديما إلى البيت اليهودي، مما يفتح الباب «تقريبا» لانتهاء المعارضة.
فنتنياهو، إذا لم يشتد الضغط الدولي والأميركي عليه، ليس فقط بشأن المستوطنات بل أيضا بشأن الحصار والقيود اليومية على الفلسطينيين والحل السياسي، فإنه سيعيش مرحلة ازدهار. وكل ما على نتنياهو أن يفعل في الأشهر المقبلة هو «عدم اقتراف حماقات» فعلية. وفي نظره هذه هي السياسة السليمة المطلوبة راهنا والتي تترك للعرب الحق الحصري في اقتراف الحماقات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018