ارشيف من :ترجمات ودراسات

لم نعد نتحدث بصوت واحد ـ ا’سرائيل تتفتت’

لم نعد نتحدث بصوت واحد ـ ا’سرائيل تتفتت’
لإسرائيليون يحيون "يوم الذكرى" ولكن المراسم باتت تعكس مدى تفتت وهشاشة الإجماع العام في "إسرائيل".  هذا ما كتبته ليلي جاليلي (محللة للمجتمع الإسرائيلي وخبيرة في مجال الهجرة من الاتحاد السوفياتي السابق)، في موقع i24news،إنه في كل عام بالتزامن مع يوم الذكرى (اليوم الذي تحيي فيه اسرائيل ذكرى من سقطوا خلال الحروب والعمليات العسكرية) الذي يسبق احتفالات عيد "الاستقلال"، نرى نفس صور الحزن والأسى في نفس المراسم التي تجري، ولكن نظرة أكثر إدراكا لواقع مراسم يوم الذكرى التي تنطلق مساء اليوم الأحد من هذا العام واحتفالات الاستقلال مساء الإثنين تعكس تغييراً دراماتيكياً في المجتمع الإسرائيلي. فما كان المثال الجلي على وحدة هذه الدولة الشابة التي يجتاحها الأسى بات مع مرور الأيام ميدانا آخر للجدل الذي أظهر هشاشة توافق الآراء. لا يزال هذا اليوم هو الأشد حزنا في الرزنامة الإسرائيلية، يوم الحداد ليس فقط على الـ 23.169 ممن سقطوا في الحروب والهجمات إنما أيضا على الـ 23.170 الذين سيسقطون مستقبلا. ولكن الأنغام المنبعثة من الموسيقى الرسمية لهذا اليوم الأليم أصبحت تترافق ببعض النغمات الجريئة.

كانت الوحدة تتمحور ذات مرة حول فكرة بسيطة، تعبر عن الامتنان لأولئك الذين ضحّوا بأرواحهم لنتمكن نحن من العيش، وإظهار الحزن العميق للأسر الثكلى، والآن في الكثير من الأحيان نرى بدلا عن تلك المشاعر إحباطا وشكوكا. وفي كثير من الأحيان يشكك الآباء الذين فقدوا أبناءهم، هؤلاء الآباء يعتبرون بقايا من قتلوا باقين على قيد الحياة. وهؤلاء الآباء يلقون بالمسؤولية على كاهل الساسة. في هذا العام بلغت تلك الاحتجاجات ذروتها حين طالبت جمعيات من الأهالي الثكلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعدم حضور المراسم التقليدية التي تقام كل عام في المقبرة العسكرية على جبل "هرتسل" في القدس تعبيرا عن غضبهم لإطلاق الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين.

التضحية الكبرى ـ التضحية بالحياة ـ لم تعد الهدية الأكثر سخاءً التي يقدمها الفرد لوطنه، ففي كثير من الأحيان تُعتبر أنها هدراً للحياة في سبيل شيء ليس مبررا وواضحا تماما. علاوة على ذلك، يوم الحداد هذا، يعكس أن الفكر الإسرائيلي العام اليوم بات لا يعتقد بضرورة الحرب، والقادة أصبحوا في موضع شك وعدم ثقة، وبات هناك اعتقاد أن فقدان الأرواح ليس الخيار الوحيد. فقدان الثقة وتضعضع الإجماع العام الذي بدأ يتصدع بعد حرب عام 1973 وتلك الصدمة الجماعية التي أصابت الجميع، لا زالت حتى اليوم تحصد زخما من قبل الجمهور الإسرائيلي. وهذا الزخم جذوره تمتد إلى الخلافات الإسرائيلية المشتدة حول استمرار الاحتلال، الصراع مع الفلسطينيين، فقدان الثقة في الساسة، والتهديد الأمني المستمر. يوم واحد للوحدة الوطنية - يوم الذكرى ـ لم يعد بإمكانه أن يعوّض خسارة الأبرياء.

بات التغيير مرئيا وملموساً. يمكن ملاحظة ذلك بسهولة عبر قراءة العديد من الإعلانات عن "الخدمة البديلة". هذه البدائل تزدهر في الفضاء الذي خلقته الآراء. هذا الواقع الجديد يظهر مصاحبا لعيد الفصح وذكرى المحرقة ويوم الاستقلال. هذا المثلث يحتضن بشكل كامل السرد اليهودي: فعيد الفصح خلق الشعب اليهودي ثم محاولة إبادة هذا الشعب فتأسيس الدولة. لكل مناسبة من هؤلاء قدسيتها التي ساهمت في توحيد المراسم، والآن هناك طرق أخرى.

هذه المراسم تعتبر حدثا بديلا كـ"قصة الهجرة" ـ شعائر يهودية تروى في الطقوس ـ وبدائل ذكرى المحرقة ويوم الاستقلال. بعض تلك الأحداث البديلة مثل "مقاتلون لأجل السلام" التي ينضم إليها الشباب اليهود والفلسطينيون للنضال من أجل السلام، الشيء الذي يجمع روايتين متضاربتين: يوم استقلال "إسرائيل" والنكبة الفلسطينية  ـ المعروفة بأن الفلسطينيين أرغموا على ترك ديارهم خلال أحداث بديلة أخرى تتحدى الأحداث الرسمية من قبل الدولة.

"ييش غفول" (هناك حد) هي منظمة تطالب باستبدال المشاعل عند إضاءة الـ 12 شعلة على جبل هرتسل ـ شعيرة للانتقال ما بين يوم الذكرى والاستقلال ـ بإنارة مصابيح اصطناعية. حركات عدالة اجتماعية أخرى تقدم أحداث مماثلة إضافية، وبالتالي تخلق عالما موازيا من الرموز. في كثير من الأحيان نختار أعمالا فنية جديدة، بعضها تحمل معنى تخريبيا على الرغم من أنها مختلفة. العديد من البدائل ترسل رسالة موحّدة: أننا لم نعد نتحدث بصوت واحد.

التغييرات الأكثر وضوحا تبرز في الأحداث التذكارية في المدارس الإسرائيلية للجنود الذين سقطوا. لعقود، كانت هذه الأحداث التذكارية تعتمد على نفس النصوص،.الأغاني والخطب التي تشيد بالشجاعة والتضحية. لا أكثر، ليبقى الألم عاملا واحدا وحيدا لا يذكر. ولكن كل هذا اليوم تغيّر، ففي الكثير من الأحيان نرى الطلاب، أولياء الأمور وحتى المعلمين يظهرون غضبهم وإحباطهم وحتى انتقادهم للقادة السياسيين (من اليمين واليسار). تقول البروفيسور، عِدنا لومسكي ـ فيدر، عالمة الاجتماع الإسرائيلية التي تبحث موضوع احتفالات المدارس: "العرض البطولي من قبل الجنود غالبا ما يستبدل لتحل محله عروض أخرى شخصية، ذات طابع مختلف يبرز الحزن والشعور بالفقدان والتساؤل، فهل يستحق الفقيد هذا؟.
2014-05-04