ارشيف من :أخبار لبنانية
صراع على الميثاقية.. بدل النصاب المفقود!
إيلي الفرزلي - صحيفة "السفير"
المشهد ممل. جيئة وذهاباً تتنقل المراسلة في بهو مجلس النواب. تقلّب أفكارها بحثاً عن عبارات جديدة تقولها في وصف مشهد جلسة الانتخاب الخامسة، فلا تجد. كل شيء مكرر إلى حد الاستنساخ. تتمنى لو أنها تستطيع إعادة بث تقرير الأسبوع الماضي أو الذي قبله. القوى الأمنية وحدها أضفت مشهداً جديداً، فحاصرت الصحافيين في ركن إلى اليمين من مدخل المجلس كي لا ينزعج نواب الأمة الممددة ولايتهم والعاجزون عن انتخاب رئيس للجمهورية.
المراسلون الذين في الخارج، كما الذين اكتظ بهم بهو المجلس، مضطرون للبحث عن معلومات جديدة يقولونها للناس، لكن النواب لا يشعرون بالحرج من تكرار مواقفهم. جل ما يركزون عليه هو كيف يقنعون الناس أنهم ملائكة وأن الشيطان يكمن في مكان آخر. هؤلاء كانوا أمس ينفضون عن أنفسهم ثقل المسؤولية عن الفراغ. بعضهم، للأمانة، كان متأثراً وهو يسلّم علانية بأن الفراغ لم يعد احتمالاً، إنما أمر واقع. الأسوأ أن هذا الفراغ بلا سقف، لأنه ليس مقترناً بأي أمل بانتخاب قريب: قالها أكثر من نائب: شهر، شهران، 6 أشهر.. لا أحد يستطيع التكهن بمدة ولاية الفراغ لأن اللبنانيين سلموا أمرهم إلى الخارج.. والخارج لديه لائحة طويلة من الأوليات يقع لبنان في أسفلها.
الفراغ الطويل يعني، بالنسبة لبعض النواب الخارجين من المجلس مطأطئي الرؤوس، أن الاستقرار الذي يتغنى به الجميع قد لا يستمر طويلاً. القلق موصول بحيرة من المواقف الدولية غير المبالية بلبنان ولا بفراغه. فذلك لا يستوي مع الخوف على الاستقرار والذي استدعى تشكيل الحكومة مع التغاضي عن كل اللاءات.. الفراغ الطويل يفقد الاستقرار مناعته ويبطل مفعول ما يحكى عن أن الحكومة شكلت أساساً للتعامل مع قضيتين: حقن الوضع الأمني بمضاد حيوي، وتعبئة الفراغ الرئاسي.
في جلسة الانتخاب الخامسة التي لم تعقد لعدم تأمين النصاب (حضر 73 نائباً)، كان البديل بلقاءات مكثفة أجراها الرئيس نبيه بري، لم تكن لتعوض جلسة الانتخاب، فاجتمع مع الرؤساء تمام سلام وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي، كما التقى نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع سمير مقبل والنائب وليد جنبلاط، ثم نائب رئيس المجلس فريد مكاري والنائب سمير الجسر، قبل أن يأتي الخبر المتوقع: «الجلسة مفتوحة حتى انتهاء الولاية، وعندما يتوافر أي جديد سيوجه رئيس المجلس الدعوة للحضور فورا لانتخاب رئيس الجمهورية».
سئم المستقبليون من التأكيد أن الرئيس التوافقي لا يجب أن يكتفي بالتوافق مع تيار «المستقبل»، إنما عليه التوافق مع مسيحيي «14 آذار» أولاً. لا جدال بالنسبة لـ«المستقبل» بأن الحريري لن يعطي جواباً لعون، كما أنه من الطبيعي أن تحافظ «14 آذار» على ترشيحها لسمير جعجع، وهي تعتبر أن وحدتها أهم من التوافق مع الجنرال.
لم يكن العونيون مقنعين لكُثر في سعيهم إلى صدّ تهمة التعطيل عن أنفسهم. حتى اللغة الميثاقية التي رفعوا لواءها لم تلغ حقيقة أن تطييرهم للنصاب كان السبب المباشر في عدم انتخاب رئيس للجمهورية وليس ترشح سمير جعجع. هذا لا يعني أن دخولهم إلى الجلسة سيعني حكماً الانتخاب، إلا أنه يعني على الأقل أن النواب يقومون بواجباتهم.. وهو سياق لا بد أن يوصل في النهاية إلى انتخاب الرئيس. هذا السيناريو يبدو أفلاطونياً وماورائياً بالنسبة للعونيين. هؤلاء حسبوها بالقلم والورقة: تأمين النصاب يجعلنا مجرد «كمالة عدد» بلا تأثير فعلي، فيما الغياب يكرس «التيار الوطني الحر» شريكاً في القرار، بحيث أنه إذا لم يستطع إيصال مرشحه إلى سدة الرئاسة، فعلى الأقل ستكون له الكلمة الفصل في اختيار الرئيس. في السياسة، هذه الفرصة لن يضيعها عاقل حتى لو كبرت الحملة ضده. يعرف حلفاء الجنرال وخصومه هذه المعادلة، وسمير جعجع نفسه بدأ يحذر من جوائز ترضية تقدم لمنافسه للتنازل عن «حقه الرئاسي»، بعد أن وصف يوم أمس بأنه «اليوم الحزين بعد مصادرة الاستحقاق الرئاسي».
النائب جورج عدوان رأى أن الميثاقية تتأمن بالنزول إلى المجلس وترشح الأقوياء واختيار أحدهم رئيساً بما لا يتيح للتدخل الخارجي صنع تسويات خارج إطار اللبنانيين. فيما يرفض النائب ابراهيم كنعان أن «نكون شهود زور في جلسة يترشح فيها اثنان او ثلاثة او اربعة في الجلسة الأولى ولا نعرف في الثانية ماذا سيحصل». يرفض كنعان أن «نؤمن تقنياً نصاباً للانتخابات ويأتي من يأتي!». ويضيف: «هذه ليست مهمتنا، والوكالة المعطاة لنا تفرض علينا ان نكون حريصين وان نكون شركاء أساسيين فعليين في عملية بات عمرها 24 سنة منذ اتفاق الطائف الى اليوم وهي تتجاهلنا ولا ترانا».
هجوم قواتي ورد عوني
بعد إعلان التأجيل المفتوح، تدافع النواب إلى التصريح، فيما كان جعجع يعقد مؤتمراً صحافياً في معراب ويستهله بتوصيف يوم أمس بـ«اليوم الحزين بعد مصادرة الاستحقاق الرئاسي».
وأبدى جعجع شعوره بالأسى حيال «إضاعة فرصة انتخاب رئيس حقيقي وفعلي منذ 24 سنة». وقال: «إن فريق 8 آذار لم يشارك في الجلسات لأنه لم يكن واثقا من فوز مرشحه، فأدخل البلد في فراغ وعطل إمكان أن يكون الاستحقاق طبيعيا ولبنانيا ومجيء رئيس قوي، فقط لأنه لا يرضى إلا بمرشحه».
النائبة ستريدا جعجع لاقت زوجها من مجلس النواب، قائلة انه «للمرة الخامسة نأتي إلى المجلس، ولسوء الحظ لا تؤمن مجموعة من النواب النصاب لأنها تعتبر انه إما أن تأتي هي بالرئيس الذي تريده أو لا رئيس».
أما المرشح لرئاسة الجمهورية النائب هنري حلو فأشار إلى أن «علينا كنواب في هذا المجلس أن نكون فعلا على قدر هذه المسؤولية، ولكن المشهد الذي رأيناه اليوم أصبحت نتائجه معروفة، الإنقسام الذي أوصلنا فعلا الى تعطيل النصاب، والحل الوحيد لا يكون الا بانتخاب رئيس يحاور الجميع ومقبول من الجميع ويمد جذورا مع الجميع هذا هو الحل الوحيد، ولهذا طرح ترشيحي لرئاسة الجمهورية، ولا أرى إلا هذا الحل».
وسأل النائب جورج عدوان «هل عدم تأمين النصاب يصب في خانة الميثاقية ومجيء رئيس قوي للبلاد، نعم أم لا؟ ونحن إذا لم نؤمن النصاب واكملت الأمور على ما هي عليه ماذا سيحصل بشكل عملي؟ سيحصل أمر من اثنين: الأمر الأول الواقع وهو الفراغ في رئاسة الجمهورية، وبذلك سيصبح الموقع المسيحي الأول شاغرا وبالتالي تصبح الميثاقية غير مؤمنة وغير معمول بها بشكل صحيح». وقال «إن «الميثاقية تتأمن في معركة ديموقراطية مفتوحة بأن يأتي كل مرشح من الأقوياء ومن الذين يمثلون بشكل فعلي المكون الذي هم منه».
ورد أمين سرّ «تكتل التغيير والاصلاح» النائب ابراهيم كنعان على الحملة القواتية بالتأكيد «ان النصاب يمكن ان يكون أداة ووسيلة لتأمين شراكة فعلية لانتخاب رئيس للجمهورية»، مؤكدا أن «لا تعارض بيننا وبين بكركي في مسألة الحرص على انتخاب رئيس».
وقال كنعان: «علينا ألا نتحدث بالماورائيات ودعونا نتحدث بالممارسات العملية، ولا يزايد علينا احد في موضوع انتخابات الرئاسة، جميعنا يريد رئيسا للجمهورية الامس قبل اليوم، لكن لا نريد رئيسا على خلفية ما حصل في الـ24 سنة الفائتة، وان تكون مهمتنا فقط الحضور إلى المجلس النيابي، ونؤمن تقنياً نصاباً للانتخابات ويأتي من يأتي!.. لا، هذه ليست مهمتنا. والوكالة المعطاة لنا نفهمها ونحترمها تجاه شعبنا، تفرض علينا ان نكون حريصين وان نكون شركاء أساسيين فعليين في عملية بات عمرها 24 سنة منذ اتفاق الطائف الى اليوم وهي تتجاهلنا ولا ترانا».
عون و«المثالثة»
استدعى حديث العماد ميشال عون عن طموحه إلى تفاهم ثلاثي يضمه إلى الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصر الله، رداً قواتياً ثنائياً. فاعتبر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن «في لبنان آليات دستورية لا يمكن النهوض بالبلد الا من خلالها، ولكن هذا الأمر لم يحصل، اذ أن ما يطرحه البعض خلافا لذلك هو تغيير أو تعديل الدستور». وذكّر «بأننا مررنا بحرب طيلة 15 عاما لنصل الى دستورنا الحالي، فهل يجوز بالتالي هذا الطرح؟».
أما النائبة ستريدا جعجع فقالت إن «الموضوع يعني نسف المناصفة ونسف اتفاق الطائف»، مشيرة إلى أن «ما تكلم عنه هو خطير جدا».
ورد النائب ابراهيم كنعان، سائلاً: «من طرح المثالثة؟!». وأضاف: «إن ما قيل هو في موضوع قيادات لها وزنها وحضورها على المستوى الوطني، وبالتالي، التفاهم بين هذه القيادات يكرّس المناصفة، فاحترام الدستور والميثاق الآن أكثر بكثير من العشرين سنة الماضية».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018