ارشيف من :أخبار لبنانية

المقاومة ما بعد العام 2000


المقاومة ما بعد العام 2000

حبيب فياض - صحيفة السفير

الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000 من معظم الاراضي اللبنانية المحتلة، لم يُعفِ المقاومة من مهامها الاساسية، بل وضعها أمام مهام جديدة أشد خطورة من مهمة تحرير الأرض وطرد الاحتلال. ما بعد التحرير فرض على المقاومة استكمال المعركة ضمن ظروف ومعطيات أكثر تعقيداً، دفعت بها الى تبني استراتيجية جديدة تقوم على المواءمة بين الثوابت والمتغيرات، تبعاً لتغير أدوات الصراع وميادينه.
وبالعموم يمكن القول إن الجهود التي بذلت منذ العام 2000 للقضاء على المقاومة أو الحد من قدراتها، لم تؤت أكلها، بل ان هذه الاخيرة استطاعت توظيف ما تعرضت له في اطار مفعول عكسي، وضمن معادلة بسيطة تقوم على ان كل محاولة فاشلة للنيل منها تستحيل في رصيدها الى قوة مضافة.

1 ـ اغتيال الحريري والداخل اللبناني

 مع اغتيال الحريري وجد حزب المقاومة نفسه مضطراً للانخراط في صلب الحياة السياسية الداخلية. الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005 وما أحدثه من فراغ في الداخل اللبناني دفع الحزب الى ملئه على قاعدتين. الاولى، حماية ظهر المقاومة من الطعن في ظل تمكين وحضور داخليين لخصومها. الثانية، لملمة الحلفاء في لحظة مصيرية من تاريخ لبنان وتشكيل غطاء للقوى الداعمة للمقاومة في مرحلة انكشاف محرجة. مذاك بات الحزب منغمساً في خانة العمل السياسي الى جانب هويته الجهادية الأساسية، حيث نجح في فصل مساره الجهادي عن نشاطه الداخلي، واستطاع الحفاظ على هويته بكونه مقاومة تتعاطى الشأن السياسي وليس حركة سياسية تتعاطى المقاومة.
حاول خصوم حزب المقاومة استهدافه عبر خطة رباعية الأضلاع: تشويه صورته وضرب مصداقيته عبر اتهامه باغتيال الحريري، تأجيج نار الفتنة بواسطة تصعيد الاحتقان المذهبي، عزله سياسياً عبر منعه من المشاركة في الحكومة، واستهداف بيئته الحاضنة من خلال أعمال إرهابية. بالمقابل، نجح الحزب في التعامل مع هذه التحديات والحد من فعاليتها. فالمحكمة الدولية باتت حدثاً هامشياً في المشهد اللبناني، والتحريض المذهبي لم ينجح في إحداث الفتنة والاصطدام في الشارع، بينما لم يستطع الآخرون تشكيل حكومة من دون مشاركته وتبني المقاومة في البيان الوزاري. هذا فضلاً عن قدرة الحزب، بالتعاون مع الأجهزة الرسمية المختصة، في مواجهة الجماعات التكفيرية وتجنيب مناطقه التعرض لهجمات إرهابية.
في الداخل اللبناني، رهانات الخصوم على إضعاف حزب المقاومة لا تنتهي. الحرب النفسية التي يتعرّض لها لا تنقطع. الزجّ باسمه في كل صغيرة وكبيرة بات لازمة مصاحبة لكل حدث. أما محاولات النيل من أخلاقياته ومصداقيته فمتواصلة على الفضائيات ووسائل الإعلام المعادية له. بالمقابل، هو يعمل بصمت وبعيداً عن ضوضاء الإعلام، ويمارس السياسة بوصفها فضيلة الصبر، وغالباً ما ينجح في الوصول الى أهدافه بعيداً من التباهي والادعاء.

2 ـ عدوان تموز والحرب المقبلة

 العداوة بين طرفين مثل «حزب الله» واسرائيل لا يمكن ان تستمر الى ما لا نهاية من دون حرب. من النتائج المباشرة لحرب تموز أنها كفت يد اسرائيل عن الخوض في حروب صغيرة ومتفرقة ضد لبنان لكنها، في الوقت نفسه، شكلت حافزاً لدى الجانبين من أجل الإعداد لحرب نهائية وحاسمة. المرجّح أن تحافظ الجبهة بين لبنان والعدو الإسرائيلي على هدوئها برغم كل ما يُقال عن إمكان اشتعالها. الأسباب كثيرة أهمها، قوة «حزب الله» التي وبرغم عجز العدو عن إدراكها بالتفصيل، فإنه يستطيع تقديرها بالإجمال.
بعد حرب تموز العام 2006، استطاعت المقاومة نقل الصراع مع إسرائيل من حالة توازن الرعب الى حالة توازن القوة، و تحوّلت الى قوة قادرة على حفظ التوازنات الإقليمية و الاطاحة بها. تحضيرات المقاومة في الصراع مع العدو تتجاوز هدف التغلب عليه في جولة، الى حرب تتهدده في وجوده وبقائه. فحرب تموز لا تصلح لمقاربة الحرب المقبلة بين اسرائيل و«حزب الله». في المرة المقبلة، سيخوض الحزب حرباً هجومية تتجاوز منع العدوان من تحقيق اهدافه، ولن يسمح أن يقتصر الدمار على لبنان من دون دمار يوازيه داخل فلسطين المحتلة، كما لن يعطي العدو فرصة لإطالة أمد الحرب. والأهم من ذلك، لن ينتظر قراراً من مجلس الأمن لوقف النار.

الاسرائيلي يدرك ان لدى المقاومة القدرة والإرادة على استهداف كامل بنيته العسكرية داخل فلسطين المحتلة. بالترجمة العسكرية، هذا يعني القدرة على ضرب الطائرات الإسرائيلية قبل إقلاعها من المطارات، واستهداف الدبابات قبل وصولها الى الأراضي اللبنانية، وإصابة القطع الحربية البحرية وهي بعيدة عن الشواطئ اللبنانية. وهذا يعني أيضاً القدرة على تدمير موانئ ومطارات ومحطات كهرباء ومصانع ومستشفيات ومنشآت حيوية ومجمّعات كيمياوية، هذا فضلاً عن استعداد المقاومين للدخول الى مستوطنات شمالي فلسطين في الساعات الاولى للحرب.
المقاومة اليوم في أفضل أحوالها، وهي في الحرب المقبلة، أقوى مما كانت عليه في حرب تموز بعشرة أضعاف عدة وعديداً، كماً ونوعاً، تجهيزاً واستعداداً، خبرة وإدارة، قدرة وأداء.

3 ـ الأزمة السورية

 كثيرون راهنوا على غرق «حزب الله» في مستنقع الأزمة السورية. رهانات هؤلاء خابت بما استطاع أن يشكله من واقع صادم لكل الخصوم والمعادين. ولقد كشف الحزب، من خلال انخراطه بالمعركة في سوريا، عن جانب من قدراته العسكرية الخبيئة ليوم المواجهة الموعود على الجبهة الأصلية مع اسرائيل. ففي الداخل السوري، اكتسب صفة المقاومة التي لا تنكسر، وخرق كل التوقعات في المنجز الميداني بلحاظ وعورة الجغرافيا وشراسة الخصوم ومناعة تحصيناتهم.
في الأزمة السورية، استطاع «حزب الله»، بخلاف التوقعات، تحويل التورط الى تموضع استراتيجي، والاستدراج الى انتصار، والاستنزاف الميداني الى حسم عسكري، والمؤامرة التي تستهدف سوريا الى فرصة لإظهار قدراته وتعويم محور الممانعة برمته. كما استطاع أن ينأى بلبنان عن خطر التكفيريين والانتحاريين، ولم يسمح بإسقاط النظام السوري، وأعاد تظهير هذه الأزمة ضمن سياقها الاصلي المتصل بتصفية الحساب مع المقاومة وحلفائها.

في سوريا دخل «حزب الله» مرحلة جديدة من مسيرته النضالية. قبل الآن، شكل الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000 المرحلة الأولى من عمل المقاومة على طريق تحرير الأرض. حرب تموز في العام 2006 شكلت المرحلة الثانية من مسيرة تكامل المقاومة على أساس القدرة في مواجهة العدوان واحباطه. لكن هذه المرة، كشفت الأزمة السورية عن قدرة المقاومة على الإمساك بزمام المبادرة والانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
2014-05-24