ارشيف من :أخبار لبنانية
علم الاقتصاد وتجنيب لبنان الهاوية
مروان اسكندر - صحيفة "النهار"
خلال السنتين المنصرمتين تكاثرت المقالات في الصحف والمجلات الاقتصادية المعروفة عالمياً والتي تبين ان علم الاقتصاد الكلاسيكي انطوى الى غير رجعة، نتيجة الازمة المالية العالمية التي بدأت صيف 2007 في بريطانيا وتوسعت بصورة مخيفة لتصبح أزمة اقتصادية أقسى مظاهرها ارتفاع معدلات البطالة في العديد من الدول الصناعية وخصوصاً في الفئات الشبابية الى ما يفوق نسبة الـ30 في المئة. وحيث ان لدى هذه الدول أنظمة لضمان البطالة، ارتفعت نسبة العجز في موازناتها الى مستويات لم يشهدها العالم الا في حقبة الكساد الكبير الذي استمر من عام 1928 والى 1934.
بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 اصبحت الصورة الدولية كأنها تفيد ان النمو والديموقراطية يترافقان ما دامت الانظمة الاقتصادية متحررة، والتجارة بين الدول غير مقيدة، وانظمة تقييد تحويل العملات مطوية.
انتصار النظرية الرأسمالية المترافقة مع الديموقراطية انهارت بشكل مخيف ما بين صيف 2007 وخريف 2008 الذي شهد افلاس اكبر مصرف أميركي، وعالمي، أي بنك ليمان في تشرين الأول 2008، ومذذاك اصبحت الرؤية الاقتصادية لانقاذ العالم الصناعي وتنشيط العالم النامي متركزة على دور المصارف المركزية وتوسيعه الى حدود كان من المفترض ألا تدخلها المصارف المركزية.
لقد اختار الاقتصاديون في تحديد مواصفات الانقاذ ولا يزالون في حيرة. الفكر الاقتصادي السابق استبدل بتقويم يفرض النظر بعمق الى التاثيرات الاجتماعية للسياسات الاقتصادية وتالياً درس ردود الفعل النفسية للمواطنين على القرارات والسياسات الاقتصادية، ولكل وقت اعتباراته. فالهموم المعيشية تختلف بين الظروف الامنية والاقتصادية، وابتكار السياسات المناسبة أمر بالغ الاهمية.
استناداً الى هذه الخلفية، يمكن اعتبار كتاب الدكتور نعمان الازهري "المخاطر المالية على لبنان – فرص تداركها لا تزال متاحة" بمثابة وثيقة دراسية وعملية تتخطى، نظراً الى خبرة ومعرفة الدكتور الازهري، وهو الذي تولى وزارات ذات طابع اقتصادي ومالي اوائل الثلاثينات من عمره، التفكير الكلاسيكي الذي عفاه الزمن.
يعدد الدكتور الازهري الفرص الضائعة على لبنان والاخطاء الفادحة في معالجة أمراض الادارة العامة، مستثنياً مصرف لبنان، الذي يرى انه حقق انجازات كبيرة على رغم القاء اثقال عليه كان من الواجب على السياسة المالية العامة تداركها، وهو يرى على سبيل المثال ان فرض الضرائب على الاستهلاك وارباح المبيعات العقارية وسيلة ناجعة وغير مضرة، في حين ان زيادة الضريبة على الفوائد، وهذه ممارسة غير موجودة في الدول المنافسة، أمر قد يحد من قدرة المصارف على تمويل الدولة، وهو في أي حال يعتقد ان هذا الدور يجب تحديده قانوناً.
المشكلتان الرئيسيتان اللتان تواجهان لبنان، هما المناخ الامني الذي اصبح بالغ التعقيد مع انخراط لبنان في مفاعيل الازمة السورية، وعودة نسبة المديونية العامة الى الارتفاع قياساً بالدخل القومي، وتحول فوائض حساب ميزان المدفوعات الى عجوزات خلال السنوات الثلاث المنصرمة، وهو يرى في الاتكال على توقع عائدات النفط والغاز بعد اكتشافها، اسرافاً في التفاؤل لان النتائج لن تظهر قبل سبع الى عشر سنين، واسعار الغاز والنفط قد تكون مختلفة وعلى الارجح انها ستكون منخفضة في المستقبل، وينهي كتابه الذي يتمتع بصفتي الاختصار والدقة بثلاث توصيات لتفادي السقوط وتدارك المحظور.
الهم الاكبر يراه في تحدي خفض نسبة الدين العام الى الدخل القومي، وهذه النسبة كما يؤكد تتأثر اجمالاً بثلاثة عوامل:
- "حجم الفائض أو العجز الاولي" وقد تحول فائض السنوات 2008 – 2010 الى عجز ملحوظ.
- "نسبة الفائدة التي تدفع فعلياً على الدين العام" وهو يرى ان الفوائد الى ارتفاع في المستقبل القريب بدءاً من 2015.
- "نسبة نمو الناتج المحلي الاسمي" وهذه النسبة تدنت الى 2 و1,5 في المئة خلال السنوات الثلاث المنصرمة في حين كانت على مستوى 8 – 9 في المئة في السنوات الثلاث التي سبقتها.
وفي رأيه، ان ضبط العجز وتنامي نسبة الدين العام الى الدخل القومي، يستوجب الحد من زيادة كلفة الرواتب والاجور بشكل صارم، وذلك من طريق تقسيط السلسلة، وكبح زيادة اعداد الموظفين.
والباب الثاني لضبط العجز يتمثل في العمل على تفادي زيادة على الفوائد التي يرى انها الى تصاعد، ولا يمكن ذلك ما لم ينخفض عجز الموازنة عن نسبته الحالية الى الدخل القومي.
ثالثا، وهذا لب المشكلة القائمة، ضبط عجز الكهرباء وقد أصبح هذا العجز يفوق الملياري دولار سنوياً ويشكل نسبة تفوق الـ50 في المئة من العجز الاجمالي.
اضافة الى هذه المستوجبات الرئيسية، نرى ان زيادة معدل النمو أمر ضروري لتحقيق الاهداف المشار اليها، والدكتور الازهري يشير الى ذلك بوضوح، وفي رأينا ان ثمة خطوات عملية لزيادة معدل النمو نعتبرها اساسية في منهج انقاذ الاقتصاد اللبناني:
اولاً: تسويق اسهم مؤسسة ضمان الودائع الخاصة بالدولة لدى المصارف التي تملك نصف هذه المؤسسة، الامر الذي يوفر للدولة على الاقل 1,5 مليار دولار، يمكن ان تمتص مفاعيل زيادة الاجور والرواتب في السنتين المقبلتين، شرط اسقاط اقتراحات زيادة الضرائب على الفوائد.
ثانيا: تحفيز بلدية بيروت على انجاز مشاريع أساسية لتحسين خدمات البنية التحتية في بيروت على صعيد النظافة، ضبط السير، وتأمين بيئة اجتماعية أفضل، ولدى البلدية موارد تفيض على 1,2 مليار دولار.
ثالثا: انجاز بناء محطات لاستقبال الغاز السائل وتأمين الغاز الطبيعي لمعامل الكهرباء، ومصانع الاسمنت، والاسمدة. وهذا المشروع يمكن انجازه خلال 18 شهراً، فنؤمن بانجازه توفير 1,2 مليار دولار سنوياً من عجز الكهرباء، وربما 400 مليون دولار من تكاليف انتاج الاسمنت والاسمدة، اضافة الى منافع بيئية كبيرة.
رابعا: تشريع زراعة الحشيشة وتسويقها، الامر الذي يساهم في ارتفاع مداخيل المزارعين في مناطق محرومة كالبقاع وعكار ويؤتي ارتفاعاً في الدخل القومي على مستوى ملياري دولار سنوياً.
خامسا: انجاز عقود البحث والتنقيب عن النفط والغاز وتوأمة هذه الخطوات بمشاريع مشتركة بين القطاعين الخاص والعام لتوسيع طاقة المصافي لتكرير النفط، الامر الذي يوفر لنا خلال سنتين، لا بد من انقضائهما لانجاز مشاريع التوسيع، 600 مليون دولار سنوياً. وينبغي درس شروط عقود البحث والتنقيب عن الغاز والنفط دراسة أدق مما هو حاصل حالياً.
ان انجاز الخطوات الخمس المقترحة يوفر في السنة الاولى، أي 2015، نمواً اضافيا بنسبة خمسة في المئة، وهذا النمو الذي يترجم بزيادة في الدخل القومي على مستوى 2,5 ملياري دولار، عائدات للخزينة لا تقل عن نسبة 30 في المئة من حاصلات النمو أي 800 مليون دولار.
والسنوات اللاحقة تضيف تدريجا منافع توفير تكاليف انتاج الكهرباء، والاستثمارات في توسيع المصافي، ومنافع زيادة العمالة في نشاطات البحث والتنقيب عن النفط.
ليست هنالك استحالة في تحقيق برنامج كالذي يعرضه الدكتور الازهري، كما ليست هنالك استحالة في وجه تحقيق الخطوات الاضافية التي نقترحها.
كل المطلوب ان يستفيق نوابنا الى الوضع المتردي الذي نعانيه، والتحديات التي لا بد من مواجهتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018