ارشيف من :ترجمات ودراسات
هل باتت النهاية قريبة؟
الكاتب : Paul Craig Roberts
عن موقع alterinfo
14 نيسان /أبريل 2014
يأخذ العام 2014 شكل العام الذي يعود فيه كيد الولايات المتحدة إلى نحرها. فالدولار الأميركي يتعرض لنوعين من الضغوط الكبرى. النوع الأول يأتي من تناقص قدرة البنك الفيدرالي على تحصين سعر الذهب في وقت يتقلص فيه مخزون هذه المادة في بلدان الغرب، ويأخذ السوق علماً بتوسع عمليات تحصين أسعارها من قبل البنك الفيدرالي. والدليل هو وجود كميات كبيرة جداً من الأموال الموظفة -في عقود لآجال قصيرة جداً- في سوق أوراق الذهب المستقبلية، وذلك في فترة تشهد هذه السوق انحساراً وقلقاً في التبادلات. وقد أصبح التلاعب بأسعار الذهب في الأسواق المستقبلية، بهدف حماية سعر الدولار إزاء ما يسببه التخفيف الكمي من أضرار، أمراً أكثر من مؤكد.
أما النوع الثاني من الضغط فيأتي من التهديدات الغبية التي يطلقها نظام أوباما بفرض عقوبات على روسيا. فالبلدان الأخرى لا تريد تحمل شطط واشنطن فيما يخص سعر الدولار في العالم، حيث إنها تستخدم نظام الدفع العالمي المستند إلى الدولار من أجل إلحاق الأضرار بالبلدان التي تقاوم هيمنتها السياسية. وقد ضاقت كل من روسيا والصين ذرعاً بهذا الواقع، وهما الآن بصدد العمل على فصل تجارتهما الخارجية عن الدولار. وبالتالي، فإن روسيا ستعتمد التعامل بالروبل وبعملات شركائها في مجموعة بريكس في تعاملاتها التجارية، بما فيها بيع النفط والغاز الطبيعي إلى أوروبا. هذا يعني هبوطاً كبيراً في الطلب على الدولار، ومن ثمة هبوطاً مماثلاً في أسعاره.

علم أميركا
وكما أوضح John Williams على موقع shadowstats.com ، فإن الاقتصاد لم يستعد حيويته مطلقاً منذ أزمة العام 2008، لا بل إنه أصبح أكثر ضعفاً مما كان عليه قبل تلك الأزمة. فالأكثرية الساحقة من سكان الولايات المتحدة تتعرض للاستنزاف منذ سنوات بفعل النقص في نمو المداخيل. وبما أن اقتصاد الولايات المتحدة قد أصبح اليوم رهين الاستيراد، فإن أي هبوط في قيمة الدولار، سيرفع أسعار المواد التي تحتاج إليها الأسر، وسيدفع بمستوى المعيشة والاستهلاك نحو المزيد من الانخفاض.
وعليه، فإن جميع الحسابات تتجه نحو فشل اقتصادي للولايات المتحدة في العام 2014، وتلك هي النتيجة التي وصل إليها التقرير الاقتصادي الذي أصدره جون ويليامز في 9 نيسان / أبريل.
كما يمكن لهذا العام أن يشهد انهيار حلف الناتو والاتحاد الأوروبي أيضاً. فالانقلاب الأبله الذي دبرته الولايات المتحدة في أوكرانيا والتهديدات بفرض عقوبات على روسيا، كل ذلك دفع ببيادق الناتو نحو أرض تحفها الأخطار. فواشنطن قدرت بشكل سيئ جداً رد الفعل في أوكرانيا على الانقلاب الذي أطاح بحكومتها المنتخبة وفرض على البلاد حكومة من العملاء الألاعيب. إذ سرعان ما انفصلت القرم عن أوكرانيا والتحقت بروسيا. ولا شك بأن مقاطعات روسية سابقة في أوكرانيا ستحتذي قريباً مثال القرم. فقد بدأ المتظاهرون يطالبون بإجراء استفتاء في دونتسك ولوغانسك وخاركوف، وأعلنوا قيام جمهوريتين شعبيتين في كل من خاركوف ودونسك. أما الحكومة الألعوبة في يد واشنطن، فقد هددت باستخدام العنف ضد المتظاهرين.
أما واشنطن فقد صرخت بأعلى صوتها قائلة بأن روسيا هي من يقف وراء المظاهرات. ولكن أحداً لم يعد يريد تصديق واشنطن، ولا حتى عملائها في أوكرانيا.
وقد أفادت تقارير إخبارية روسية عن وجود مرتزقة أميركيين في صفوف الفرقة المسلحة التي أرسلتها كييف لسحق الاحتجاج في أوكرانيا الشرقية. كما دعا أحد أعضاء الحزب النازي الجديد الممثل في برلمان كييف إلى إطلاق النار على المتظاهرين.
والأكيد أن استخدام العنف ضد المتظاهرين سيؤدي إلى تدخل الجيش الروسي وإلى نتائج من نوع استعادة روسيا لأراضيها التي كانت قد منحت لأوكرانيا من قبل الحزب الشيوعي السوفياتي.
تحذير أميركي
ومع التهديدات التي تطلقها واشنطن على غير هدى، فإن أوروبا ستجد نفسها مدفوعة نحو مواجهتين مزعجتين وغير مرغوب فيهما بالمرة. فمن جهة، لا يريد الأروبيون أن يدخلوا في حرب مع الروس بسبب انقلاب دبرته واشنطن في كييف؛ ومن جهة أخرى، يعلم الأوروبيون جيداً أن تطبيق أية عقوبات حقيقية بحق روسيا ستكون تداعياته أشد ضرراً بكثير على أوروبا. فالحقيقة أن تعاظم الفوارق الاقتصادية بين دول الاتحاد الأوروبي، وارتفاع معدلات البطالة، وإجراءات التقشف الصارمة التي فرضت على دوله الأشد فقراً، قد أدت إلى توترات كبرى. إن الأوروبيين غير مستعدين لتحمل نتائج صراع مع روسيا تديره الولايات المتحدة. وفي حين تعرض واشنطن الحرب والتضحيات على الأوروبيين، فإن روسيا والصين تعرضان عليهم التجارة والمودة. وبالطبع، فإن واشنطن سوف تقوم بكل ما في وسعها من أجل المحافظة على استمرار السياسيين الأوروبيين الذين اشترتهم في اعتماد النهج المنسجم مع سياساتها، ولكن الضرر الذي يلحق بأوروبا جراء بقائها إلى جانب واشنطن أصبح اليوم أكبر بكثير مما كان عليه في السابق.
فمن وجوه عديدة، باتت واشنطن مكشوفة أمام العالم لجهة نفاقها ودجلها وفسادها الكبير. جايمس كيدني، أحد مفتشي "لجنة الأمن والصرف" (التابعة لوول ستريت، والشرطي المزعوم المكلف بالسهر على المالية الأميركية) استفاد من تقاعده من العمل ليكشف أن أشخاصاً في مناصب رفيعة قد غيبوا في أدراجهم ما وجهه من اتهامات وما وضعه من تقارير حول مصرف غولدمان ساش وغيره من المصارف "الضخمة إلى حد لا يمكن معه أن تخطئ أو أن تفشل". أما لماذا غيبوا تلك التقارير، فلأن المسؤولين في "لجنة الأمن والصرف" ليسوا معنيين بالعدالة بل بـ "الحصول على وظائف بمرتبات ضخمة بعد انتهاء عملهم في اللجنة، مقابل حماية تلك المصارف من أية ملاحقات قضائية بسبب أعمالهم غير الشرعية.
خريطة العالم
وقد ضبطت "الوكالة الأميركية الدولية للتنمية" (USAID) بالجرم المشهود وهي تحاول استخدام بعض وسائل التواصل الاجتماعي لغرض إسقاط الحكومة الكوبية. وقد أضيفت هذه المحاولة غير المسؤولة والوقحة إلى فضيحة تجسس "وكالة الأمن القومي" (NSA) على تقرير الصحافي سيمور هيرش حول الهجوم بغاز السارين الذي كان في الحقيقة هجوماً نفذه الناتو، عن طريق تركيا، بهدف تبرير هجوم عسكري أميركي على سوريا. كما تضاف إلى فضيحة قيام واشنطن بإجبار طائرة الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، على الهبوط بقصد تفتيشها. وإلى فضيحة أسلحة الدمار الشامل التي قالت المزاعم بامتلاكها من قبل صدام حسين، والتعسف في استخدام القرار الدولي بشأن منطقة الحظر الجوي فوق ليبيا من أجل شن هجوم عسكري على هذا البلد. وكل هذا قليل من كثير. فالواقع أن واشنطن قد دمرت ثقة البلدان الأخرى بحكمة ونزاهة الحكومة الأميركية إلى الحد الذي سقط معه الاعتقاد بأهلية الولايات المتحدة لقيادة العالم.
لقد آلت الأمور بالولايات المتحدة إلى حال باتت لا تحسن معها غير توجيه التهديدات دون انقطاع، ورعاية عمليات الإفساد، والقيام بالأعمال التي يقوم بها زعماء عصابات الأزقة.
إن الضربات القاسية التي وجهتها واشنطن لنفسها قد بدأت بالظهور للعيان. وأشد هذه الضربات هو ذاك الذي بدأ يتضح للجميع : بهتان نظرية المؤامرة التي لا يصدقها البلهاء والتي حبكتها واشنطن في ما يتعلق بهجمات 11/9/2001. إذ إن عدداً كبيراً من الخبراء المستقلين وأكثر من مئة مسعف ممن وصلوا قبل غيرهم إلى أمكنة الهجمات أجمعوا على نقض جميع أوجه نظرية المؤامرة التي أطلقتها واشنطن. لم يعد بإمكان أي شخص حصيف أن يصدق أن بضعة سعوديين لا علم لهم بقيادة الطائرات قد تمكنوا، دون مساعدة من أجهزة الاستخبارات، من إحداث شلل كامل للأمن القومي الأميركي بعد أن ضللوا 16 وكالة استخبارات أميركية، إضافة إلى أجهزة الاستخبارات الأطلسية والإسرائيلية.
كل شيء تعطل في 11/9/2001! خلال ساعة واحدة، أصاب الشلل الكامل أمن المطارات لأربع مرات متتالية! خلال ساعة واحدة تفوقت على ما يمكن أن يحدث خلال 116232 ساعة في القرن الواحد والعشرين! ولأول مرة في تاريخه، كان سلاح الجو الأميركي عاجزاً عن الإقلاع بطائراته الاعتراضية! ولأول مرة في التاريخ، فقدت أجهزة المراقبة الجوية كل اتصال بأربع طائرات، ولم تعلم أحداً بذلك! ولأول مرة في التاريخ، تتسبب حرائق قصيرة الأجل في أربع طبقات لا أكثر، وعلى درجة حرارة منخفضة، في إحداث دمار في البنية الفولاذية كان كافياً لانهيار البرجين التوأمين! ولأول مرة في التاريخ، تنهار ثلاث ناطحات سحاب بسرعة السقوط الحر دون أن تكون هنالك عملية هدم مدروسة من الأسفل من أجل امتصاص مقاومة الانهيار!
أكثر من ثلثي الأميركيين صدقوا هذه القصة التي لا يصدقها حتى البلهاء. صدقها اليساريون لأنهم رأوا فيها قصة المضطهدين يثأرون لأنفسهم من إمبراطورية الشر الأميركية. وصدقها اليمينيون لأنهم رأوا فيها المسلمين المشيطنين يضربون طيبة أميركا. وقد عبر جورج بوش الابن، الرئيس الأميركي في تلك الفترة، أصدق تعبير عن رؤية اليمين هذه عندما قال : "هم يكرهوننا بسبب حريتنا وديموقراطيتنا".
لكن أحداً غير هؤلاء لم يصدق. وخصوصاً الإيطاليين. فقبل سنوات من أحداث 11/9، كان الإيطاليون علموا بحقيقة الأحداث التي اصطنعتها حكومتهم بقصد استخدامها بطريقة ذرائعية قذرة، وذلك عندما كشف رئيسهم عن الحقيقة في موضوع " عملية غلاديو". كانت تلك العملية مدبرة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والاستخبارات الإيطالية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. قنابل انفجرت وقتلت نساءً وأطفالاً أوروبيين بهدف تحميل المسؤولية للشيوعيين والنيل من ثم من تأييد الشعوب للأحزاب الشيوعية التي كانت مزدهرة في تلك الفترة.
وقد
| كان الإيطاليون بين السباقين إلى عرض أفلام فيديو تتحدى سردية واشنطن |
وقد تم إنتاج "صفر" كشريط تحقيق حول حول هجمات 11/9 من قبل الشركة الإيطالية "Telemaco". ويظهر في الشريط أشخاص معروفون وعدد لا بأس به من الخبراء، وكلهم يدحضون رواية الحكومة الأميركية حول الهجمات ويقدمون البراهين على بطلانها.
وقد تم عرض الشريط أمام البرلمان الأوروبي، ولا يمكن لكل من يرى هذا الشريط أن يصدق كلمة واحدة من التفسير الرسمي حول هذا الحدث.
أما الخلاصة من كل ذلك، فإن من المستحيل تجنبها: عناصر تابعة للحكومة الأميركية هي التي فجرت (من الداخل) ثلاثة أبراج في نيويورك بهدف استخدام ذلك كذريعة لتدمير العراق وأفغانستان وليبيا والصومال وسوريا وإيران وحزب الله، ومن ثم إطلاق أجندة المحافظين الجدد لفرض هيمنة الولايات المتحدة على العالم.
وقد احتجت كل من الصين وروسيا على ذلك ولكنهما قبلتا بتدمير ليبيا علماً بأن تدميرها يتنافى مع مصالحهما الخاصة. غير أن إيران أصبحت الخط الأحمر الذي لا مجال للسماح بتجاوزه. وهنا تعطل مشروع واشنطن التي قررت إثارة مشاكل كبرى في وجه روسيا عن طريق أوكرانيا، بغية إلهاء روسيا عن المشاريع الأميركية في مناطق أخرى من العالم.
ولم تكن الصين واثقة من المسار الذي ينبغى لها اعتماده بين فائضها التجاري مع الولايات المتحدة، وبين توسع تطويقها من قبل الولايات المتحدة بالقواعد العسكرية الجوية والبحرية. لكنها انتهت إلى حسم موقفها واقتنعت بأن لها، مع روسيا، عدواً مشتركاً هو واشنطن.
خيار من خيارين مرجح جداً. إما أن يصار إلى التخلي عن الدولار، ما سيؤدي إلى هبوط أسعاره وبالتالي إلى ضرب موقع الولايات المتحدة كقوة عظمى ووضع حد أمام خطر حرب عالمية. وإما أن تعمد واشنطن إلى قيادة المرتبطين بها نحو حرب كبرى ضد روسيا والصين. ونتيجة مثل هذه الحرب ستكون أشد تدميراً من انهيار الدولار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018