ارشيف من :أخبار لبنانية
حرب خلافة المفتي عودة إلى ما قبل زمن الحريري الأب
قاسم س. قاسم - صحيفة "الأخبار"
عادت أزمة دار الفتوى الى الواجهة مجدداً. هذه المرة عدّل المجلس الشرعي مرسوماً أقرّ في عهد الرئيس الراحل رفيق الحريري. بالنسبة الى المجلس الموالي لتيار المستقبل، اقترف المجلس الشرعي المنتخب خطيئتين: الاولى تعديل ما أقرّه الحريري الأب، والثانية توسيع عدد الهيئة الناخبة من 106 الى 4500.
تصاعدت حدة الأزمة بين مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وتيار المستقبل. والعنوان هذه المرة انتخاب مفت خلفاً لقباني الذي يغادر موقعه في 15 أيلول المقبل. بادر المفتي، عبر المجلس الشرعي المنتخب (الداعم له) إلى تعديل أنظمة سُنّت أيام رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري. زاد التعديل الجديد عدد الهيئة الناخبة، ما يجعل من الصعب على أي جهة سياسية «إغراء أعضاء الهيئة الناخبة»، كما يقول أحد أعضاء المجلس المنتخب. كذلك سحبت التعديلات حق الدعوة الى انتخاب مفت من رئيس الحكومة، وجعلتها في يد مدير الأوقاف الاسلامية، إضافة الى حصر تقديم طلبات الترشح بالهيئة القضائية في المجلس الشرعي بعدما كانت الترشيحات تزكى من أعضاء في المجلس الشرعي.
بالطبع لن تمر هذه التعديلات مرور الكرام، لذلك سيرد أعضاء المجلس الشرعي المنتهية ولايته غداً، وسيعقدون اجتماعاً في السراي الحكومي بحضور رئيس الحكومة تمام سلام ورؤساء الحكومات السابقين. هذا الاجتماع «سيؤكد شرعية مجلسنا، وأن قرارات المجلس باطلة»، كما قال محمد مراد، عضو المجلس الشرعي (الممدّد لنفسه والموالي لتيار المستقبل).
خطوة المفتي والمجلس الشرعي الموالي له أتت بعدما انتهت بداية الشهر الجاري المهلة التي حددها قباني لتيار المستقبل لاتخاذ خطوات إيجابية لحل أزمة دار الفتوى. ففي الأسابيع الماضية، لم تصل لقاءات الشيخ راغب قباني (ابن المفتي) ونادر الحريري (ابن عمة الرئيس سعد الحريري) إلى أي نتيجة.
وخلال اجتماعهما في بيت الحريري في وادي أبو جميل، لم يقدم الحريري «خارطة طريق» لحل الأزمة. وكانت الأحاديث بينهما «تدور حول العموميات ولم تتطرق الى المسائل الخلافية»، كما يقول مقرّبون من المفتي. كذلك رأى بعض أعضاء المجلس الشرعي في هذه اللقاءات «مضيعة للوقت من قبل المستقبل للوصول الى 15 أيلول من دون إيجاد حل».
وبناءً على ذلك، اجتمع المجلس الشرعي المنتخب (الداعم للمفتي) السبت الماضي لإعادة ترتيب البيت الداخلي. فأعادوا العمل بنصوص المواد 7 و8 و13 من المرسوم الاشتراعي رقم 18/55 الذي عدّل بالقرار رقم 50/96. وتعني هذه الخطوة نسف كل ما كان قد أقرّ خلال تولي الراحل رفيق الحريري رئاسة الحكومة عام 1996. فإعادة العمل بالمادة 13 من المرسوم 18/55 يعني منع أي رئيس حكومة من الدعوة الى انتخاب مفت للجمهورية، وحصر هذا الحق بمدير عام الأوقاف الاسلامية. أما المادة الثامنة فقد زادت عدد «مجلس الانتخاب الاسلامي» الذي يحق له انتخاب المفتي من 106 أعضاء الى ما يقارب 4 آلاف وخمسمئة عضو. فبعد تعديل عام 1996 أصبح انتخاب المفتي محصوراً بـ«رئيس الحكومة العامل ورؤساء الحكومات السابقين، الوزراء السنّة العاملين، النواب السنّة، أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، المفتين المحليين العاملين، قضاة الشرع العاملين والمتقاعدين، أمين دار الفتوى في بيروت وطرابلس، والمدير العام للأوقاف الإسلامية».
أما إعادة العمل بالمادة 8 فيعني إشراك شريحة أكبر من فاعليات الطائفة السنّية، وهم «رئيس الحكومة الحالي، ورؤساء الحكومة السابقون، الوزراء العاملون، النواب الحاليون، رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا وأعضاؤها والقضاة الشرعيون والمفتون، والقضاة العدليون والاداريون السنّة من الدرجات الثماني العليا، ونائب رئيس وأعضاء المجلس الشرعي، ورؤساء وأعضاء مجالس الأوقاف الإدارية في العاصمة والمحافظات، رؤساء وأعضاء المجالس البلدية السنّة في بيروت والمحافظات، مندوبون ثلاثة عن كل من الغرف التجارية والزراعية وجمعيتي التجار والصناعيين من السنّة في بيروت والمحافظات، ومندوبون ثلاثة عن كل نقابة من نقابات المحامين والاطباء وأطباء الاسنان والصيادلة والمهندسين والمعلمين والصحافيين ومحرري الصحف من السنّة وعن كل من جمعيتي المقاصد في بيروت وصيدا، والجمعية الخيرية الاسلامية وإسعاف المحتاجين في طرابلس، ومندوب واحد عن كل من اتحادات نقابات العمال وأرباب العمل المعترف بها رسمياً، والأساتذة الجامعيون اللبنانيون السنّة من حملة الشهادة الجامعية العليا، والخطباء والأئمة والمدرسون اللبنانيون الحائزون شهادة دينية أو الذين مضى عليهم عشر سنوات في الوظيفة ومدرّسو الافتاء، وكل لبناني يحمل شهادة دينية عالية ولو لم يكن يعمل في السلك الديني». ورأى أعضاء في المجلس أنهم لم يعدلوا المرسوم، «وكل ما فعلناه إعادة العمل به، كما كان قبل تعديله عام 1996».
وأضافوا أن «فكرة تعديل المرسوم طرحت أمام رئيس الحكومة تمام سلام الذي قال: لا يمكنني إلغاء أي شيء أقرّ في عهد الرئيس الحريري». كذلك عدّل المجلس المادة 7 من المرسوم 50/96، ما يعني أن من حق «كل عضو من أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى أن يرشح في جلسة الانتخاب الشخص الذي تتوافر فيه الشروط المنصوص عليها في المادة الخامسة، ولا يكون الترشيح مقبولاً إلا إذا أثنى عليه عضوان آخران من المجلس». وأصبحت المادة بعد التعديل تسمح للمرشح «لمركز الإفتاء بتقديم تصريح خطي إلى مديرية الأوقاف العامة في العاصمة مرفقاً بالمؤهلات العلمية المطلوبة، وذلك قبل خمسة عشر يوماً على الأقل من موعد الانتخاب، يعطى به إيصالاً خطياً موقّعاً من المدير العام أو من يقوم مقامه، ممهوراً بختم الدائرة إثباتاً للترشيح»، ما يعني أن الترشح الى منصب المفتي لم يعد يحتاج إلى تزكية بعض أعضاء المجلس، وأصبحت الطلبات تقدم أمام اللجنة القضائية للنظر في أهلية المرشح. وخلال لقائه وفداً من الجمعيات والهيئات الإسلامية وممثلين عن قطاعات مهنية وثقافية ومؤسسات أهلية من بيروت وسائر المحافظات اللبنانية، أعلن قباني أن «المجلس الشرعي اتخذ قراره بإعادة عمل الهيئة الناخبة الموسعة لانتخاب مفت للجمهورية، كما كانت قبل كانون الاول 1996». وبذلك، أصبح للعلماء وكل من يحمل شهادة شرعية الحق في انتخاب المفتي، مشيراً إلى أنّ تقليص عدد الهيئة الناخبة عام 1996 حرمهم هذا الحق.
من جهته، رأى مراد أن «ما صدر عن سماحة المفتي لجهة ما يسمى إبطال قرار تحديد الهيئة الناخبة الصادر عام 96 باطل». وفي اتصال مع «الأخبار»، قال إن القرار «صدر عن المفتي شخصياً، وليس عمّا يسمى مجموعة تصف نفسها بالمجلس الشرعي». وذكّر بأن «مجلس شورى الدولة اعترف وأكد شرعية مجلسنا، وبالتالي فإن كل ما يقال وكل ما يصدر من هنا ومن هناك منعدم الوجود وباطل بطلاناً مطلقاً ولا وجود له بالمعنى القانوني». وأكّد أن «هذا التصرف صادر عن سماحة المفتي من خلال مطبخ يعمل في الغرف المظلمة بلباس أشخاص تنسب إلى نفسها صفة غير موجودة أصلاً». وسأل مراد المفتي «كيف سمح لنفسه أن ينتخب على أساس قرار 96 وعبر الهيئة الناخبة المنصوص عليها في ذلك القرار، إذا كان يعتبر اليوم، بعد 18 عاماً، أن هذا القرار باطل، فبالتالي وجوده في الأصل باطل، وعليه أن يرحل». ورأى أن الهدف من هذا التعديل هو «التمديد، والدليل على ذلك أولاً أن المفتي ليس على خلاف مع جهة واحدة في الطائفة بل مع الغالبية العظمى منها، وسبب الخلاف أنه خرج من طائفته ليستقر في مكان ما ويقوم بتنفيذ مطالب معينة، ضارباً عرض الحائط بكل القيم ومقاصد ومعاني دار الفتوى».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018