ارشيف من :أخبار لبنانية

«الحيتان» تنتصر.. والنواب يتبرأون من دم «السلسلة»

«الحيتان» تنتصر.. والنواب يتبرأون من دم «السلسلة»

إيلي الفرزلي - صحيفة "السفير"

لمعظم الكتل رأيان. رأي في العلن ورأي في القاعات المقفلة. في العلن، يسهل الإقرار بحقوق الناس، ويصبح من الممكن مناقشة «سلسلة الرتب والرواتب»، بما يتيح إعطاء أصحاب الحق حقوقهم. وفي السر، تُرجَم الحقوق وأصحابها ويُعلى شأن الريوع وأصحابها.

لم يكتب للجلسة التشريعية أمس أن تعقد، بالرغم من أن انعقادها لا يحتاج إلى نصاب النصف زائدا واحدا، لكونها تعتبر استكمالاً لجلسة سابقة. حضر 55 نائباً، لم يكن عددهم كافياً لتأمين نصاب التصويت، فأجلت إلى 19 الجاري.

غابت «14 آذار» بكاملها، مع خرق وحيد سجلته النائبة بهية الحريري، الذي أغضب حضورها بعض نواب «المستقبل»، فيما أعادت بخطوتها التذكير بوقوفها بوجه الرئيس فؤاد السنيورة في العام 1996 عندما سعت لإعطاء الأساتذة أربع درجات استثنائية وكان الأخير يرفضها. النائب روبير غانم حضر أيضاً، إلا أنه بدا مربكاً بين رفضه مقاطعة المؤسسات ورفضه حضور الجلسة لأن «السلسلة خطرة». كما غاب من غير المقاطعين النواب: ميشال عون، سليمان فرنجية، طلال ارسلان، أسعد حردان وعصام صوايا، فيما اقتصر حضور كتلة «النضال الوطني» على 4 نواب.

وبالرغم من أن الحضور الكامل لقوى «8 آذار» لم يكن ليغير شيئاً في مسألة النصاب، الذي عرف النائب وليد جنبلاط مجدداً كيف يتحكم به (اكتفى بحضور 4 نواب من أصل 11)، إلا أن أضعف الإيمان بمن رفع الصوت مؤيداً لـ«السلسلة» كان أن يحضر الجلسة، بغض النظر عما إذا كانت ستعقد أم لا.

حماية الحيتان مستمرة

بدا واضحاً أن تأمين النصاب كان سيؤدي إلى إقرار المشروع الذي عجن وخبز في اللجان لنحو سنتين من الزمن. ولكن بالرغم من ذلك، فقد تنبهت «14 آذار» فجأة إلى أن المشروع يهدد البلد بالخراب. علماً أن هذه القوى نفسها شاركت بفاعلية في جلسات اللجان المشتركة التي أقرته قبل أن تعود وتنقلب على موقفها. حينها وصف هذا الموقف بـ«الثوري»، لأن أصحابه أوحوا أنهم رفعوا الحماية، للمرة الأولى منذ عشرين سنة، عن أصحاب الريوع، من خلال موافقتهم على إنهاء مرحلة تهرب المصارف وشركات الأموال من الضرائب وموافقتهم على وضع حد لسرقة الأملاك البحرية. كل ذلك تحول إلى سراب عند الانتقال إلى الهيئة العامة. تبين سريعاً أن من شبّ على شيء.. في الأغلب يشيب عليه. سعى «المستقبل» إلى لملمة ما سقط من يده. ابتز «التيار الوطني الحر» فنجح في مسعاه. وبشكل مفاجئ انضم العونيون إلى جبهة المتآمرين على أصحاب الحقوق. أقنعوا الناس وأقنعوا أنفسهم أن إنشاء لجنة فرعية لإعادة دراسة المشروع هو الحل كي لا تسقط «السلسلة». شاركوا في مسرحية اللجنة التي لم تكن مهمتها إلا تضييع الوقت، فيما بقي ابراهيم كنعان وحيداً يصارع طواحين الهواء، بعدما تخلى فريقه عما أنجز في اللجان المشتركة.

خائفون على الفقراء!

استنفدت كل الحجج من أمام «المستقبل» قبل جلسة أمس. ووقفوا بالمرصاد أمام كل الحلول التي قدمت لإقرار «السلسلة»، قبل أن يعلنوا بالفم الملآن تمسكهم بمكتسبات أصحاب الريوع، ولامبالاتهم بحقوق الموظفين. هاجموا المواقف الشعبوية لرئيس المجلس، ناقلين عنه قوله في هيئة مكتب المجلس «صحيح ان السلسلة مطلب حق ولكنه يؤدي الى خراب البلد». أعادوا تكرار لازمة التوازن بين الإيرادات والكلفة، ليخلصوا إلى أن «إقرار السلسلة ليس خراباً على البلد فحسب انما سينعكس تدميراً للفقراء وللمساكين واصحاب الحاجة».

كان طيف الرئيس فؤاد السنيورة ومطالعته «العاطفية» التي ألقاها أمس الأول حاضراً في كلمات نواب «المستقبل». صارت مصالح الفقراء فجأة متناغمة مع مصالح أصحاب الريوع أكثر من تناغمها مع مصالح أصحاب الدخل المحدود! ذلك جعل عدداً من نواب الكتلة يبلع الموسى ويعطي الأولوية لالتزامه السياسي على قناعاته المؤيدة لـ«السلسلة» التي عبر عنها في أكثر من مناسبة، قبل أن يضطر ليس إلى نسيان هذه القناعات فحسب إنما للتنظير بعكسها أيضاً.

وفر لا عجز

مَن أصرّ على التوازن بين الإيرادات والنفقات كان على حق. إلا أن العلة ظهرت في استنسابية تحديد هذا التوازن. في الاجتماعات التي سبقت الجلسة، أصر «المستقبل» على أن يكون الرقمان متطابقين، كي لا يزيد العجز، إلا أن وزير المال وضع النقاط على الحروف بالإعلان إن العجز سيخف عند إقرار «السلسلة» لا العكس. وأوضح أنه بالرغم من أن الإيرادات تقل عن كلفة السلسلة» بنحو 200 مليار ليرة إلا أنه لا بد من التذكير أن 850 ملياراً منها (غلاء المعيشة) تدفعها الدولة منذ العام 2012، بوصفها عجزاً يضاف إلى عجز الميزانية، وبالتالي فإن إقرار «السلسلة» سيؤدي عملياً إلى وفر يتراوح بين 650 مليار ليرة و700 مليار. وعليه، عاد خليل إلى أصل المشكلة: ثمة واردات محرمة جعلت النقاش يأخذ منحى تعطيلياً. تلك هي القضية الأم، مهما حاول البعض التعمية عنها. بري نفسه كان أبدى اعتقاده أن «ما وافقنا عليه بموضوع المصارف والضريبة على الفائدة قبل به البعض ليعطله في النهاية لأنه في الميدان ليس بالسهولة أن تأخذ اللقمة من قلب الحيتان».

امتحانات بالتوافق مع «التنسيق»

كان المجلس أشبه بسوق عكاظ. حفلة مزايدات صاخبة سعى من شارك فيها إلى التبرؤ من دم الأساتذة والطلاب معاً. كل الكتل النيابية مسؤولة عما جرى، بطريقة أو بأخرى. الحزين على مصير الطلاب هو أكثر من يتحمل المسؤولية، وهو من أصر على إهدار حقوق الأساتذة عله ينجح في ضرب الإسفين بينهم وبين الأهالي. وزير التربية الياس بو صعب لم يتوقف عن تأكيد دعمه للأساتذة تماماً كتأكيده أن الامتحانات ستجري غداً الخميس. معظم من سمعه لم يصدق لا هذه ولا تلك. فمن يدعم الأساتذة لا يكون همه كيف يخرق صفوفهم ويشتتهم، ومن يصر على إجراء الامتحانات في موعدها يعرف أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو «هيئة التنسيق النقابية» لا الطرق «غير المسبوقة».

قالها الرئيس نبيه بري أمس في مستهل الجلسة التي لم تعقد، متوجهاً إلى وزير التربية: لا تستطيعون إجراء الامتحانات بهذا الشكل، وانتبهوا أيضاً من تخريب البلد وإيصاله إلى نقطة اللارجوع. وبالرغم من أن بو صعب يعرف ذلك ويعرف أن محاولات الالتفاف على «هيئة التنسيق» لن تجدي نفعاً، فقد أصرّ على موقفه، على حد تعبير أحد النواب، قائلاً: بدي أعمل الامتحانات في موعدها كما أراكم وتروني.

انتهى اليوم الطويل باتفاق بين وزير التربية وهيئة التنسيق على إجراء الامتحانات.. ولكن بتأجيل يوم واحد فقط.
2014-06-11