ارشيف من :أخبار لبنانية

«داعش» في العراق: حرب أوكرانيا الثانية

«داعش» في العراق: حرب أوكرانيا الثانية
نائل حريري - صحيفة السفير


ما زلنا نحتفظ في ذاكرتنا بمشهد مدينة بغداد وهي تنهار بلا أدنى مقاومة في التاسع من حزيران العام 2003، ومشهد آخر لمدينة الرقة السورية وهي تسلم تسليماً إلى كل من «حركة أحرار الشام» و«جبهة النصرة» ومنها إلى تنظيم «داعش» بالدرجة نفسها من اللامبالاة. تتكامل الصور مع مشهد الجيش العراقي وهو ينسحب من مدينة الموصل باتجاه إقليم كردستان العراق، بالتزامن مع أوامر بقصف المدينة جواً، وطلب من البرلمان العراقي إعلان حالة الطوارئ في البلاد. إلا أن البرلمان فشل في عقد جلسة لذلك.

كان ذلك متوقعاً، فالعراق يكاد يكون النموذج الأكثر تطابقاً مع سوريا، حيث يعمل تنظيم «داعش» في أماكن متفرقة، بالتوازي مع ثورة شعبية انطلقت بشكلها الأوضح من الأنبار ومنحت غطاء سياسياً في بدايات هذا العام لبدء معارك «كسر العظم» بين العشائر والتنظيم الوليد، في حين أن قوات المالكي نأت بنفسها تماماً كما فعل النظام السوري، منتظرة استمرار تصفية الأطراف في ما بينها، ومكتفية بالقصف الجوي عن بعد (الذي نستطيع الآن الجزم بأنه لم يكن يستهدف تنظيم «داعش» على الإطلاق ولم يؤد إلى أي انحسار للسلطة الداعشية). كان الهم الأكبر للمالكي آنذاك هو الحصول على التفويض الشعبي على الطريقة السورية «للضرب بيد من حديد»، وكانت العشائر العراقية تعيش النموذج السوري ذاته، حيث تحارب على جبهتين في آن واحد: تنظيم «داعش» من جهة، وقوات المالكي من جهة أخرى. بالنسبة للمالكي نفسه كان الطرفان محصورين في خانة واحدة باعتبارهما يمثلان «المتمردين السنة» في وجه «السلطة الشيعية»، لذلك لم يعرض أبداً أي صيغة من صيغ التحالف أو التعاون مع هذه العشائر ضد داعش موقتاً بانتظار أي تسوية سياسية لاحقة، وفضل تسويق المسألة على أنها خطر «داعشي» في الأعين الإعلامية، بغض النظر عن وجود أطراف أخرى سوى داعش تم إجمالها ضمن صورة الإرهاب المتمدد بناء على خلفيتها الإسلامية السنية.

ويبدو أن توقيت الحدث ليس أقل تشكيكاً من الحدث ذاته، إذ يجتمع البرلمان العراقي يوم الخميس ـ قبل انتهاء انعقاد دورته بأيام ثلاثة ـ لإقرار فرض حالة الطوارئ التي قد تغير من وجه العراق لفترة قادمة، وهو الأمر الذي يعني استغلال المالكي آخر أنفاس البرلمان في الحصول على التفويض الذي لطالما سعى إليه منذ أشهر. ولا يمكن التعويل على أن فرض حالة الطوارئ هو العنصر الأهم في الحرب ضد داعش، إذ إن هذه القوات لم تكن تنتظر الغطاء القانوني طيلة الأشهر الماضية التي قامت فيها باستهداف مناطق عدة كانت على رأسها الأنبار والفلوجة والرمادي، بل قد تكون أهم البنود التي يتضمنها النص المزمع إقراره في نص قانون الطوارئ متعلقة بإعادة تفعيل قرار مجلس الأمن 1546 العام 2004 الذي يندرج تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وينص على الاستعانة بقوات متعددة الجنسيات تعمل بالتعاون مع السلطة المتمثلة بالحكومة الموقتة آنذاك، مع تعديل بسيط هو أن إعلان حالة الطوارئ سيضع السلطة بأكملها في يد رئيس الحكومة، بدلاً من سلطة الحكومة الموقتة. إنها عودة صريحة إلى عراق 2004 الموقت، وليست على الإطلاق عودة للسيادة كما تدعي الحكومة العراقية.

وبغض النظر عن إقرار البرلمان فرض حالة الطوارئ، فإن الأحداث الحالية لن تسير بالعراق في اتجاه فرض سطوة وهيبة العراق واستقلال قراره في محاربة الإرهاب كما يحاول إعلام السلطة في العراق تصوير المسألة، بل إن ذلك سيسير بالاتجاه المعاكس تماماً، خصوصاً مع موقع إيران من المعادلة وأنباء عن عرضها تقديم الدعم اللازم لمكافحة الإرهاب على الأراضي العراقية. سيفرض هذا الواقع بلا أدنى شك نموذجين اثنين لا ثالث لهما: إما النموذج السوري الذي يتضمن انخراط قوات إيرانية غير رسمية في الحرب على أرض العراق كما هو حال الكتائب المتفرقة في سوريا وعلى رأسها لواء أبي الفضل العباس، أو النموذج الأوكراني الذي يتضمن دخولاً رسمياً لجيش الدولة الإيرانية لفرض احتلال على المناطق الحدودية، والتبرير بضرورة حماية الشريط الشرقي ذي الأغلبية الشيعية من محافظات العمارة والناصرية جنوباً حتى واسط وبابل وكربلاء شمالاً وصولاً إلى النجف، خصوصاً إذا تطورت المؤشرات باتجاه انتقال التوتر بشكل متسارع متجاوزاً محافظة صلاح الدين ـ حيث توجد «داعش» حالياً ـ إلى محافظة بغداد المجاورة لها، حيث تقف على حدود المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، الأمر الذي سيخلق المبرر الأكيد لإيران في تدخلها العسكري، ويؤسس في الوقت نفسه لتحويل المسألة من حرب ضد «داعش» أو ضد الإرهاب إلى حرب طائفية سافرة تعتمد سياسة أساسية هي الحفاظ على توتر الحرب واختناقها في المحافظات ذات الأغلبية السنية، وعند هذه النقطة فقط تتوضح تماماً أهمية إقرار حالة الطوارئ في البلاد بالنسبة للمالكي في تلك المحافظات.

مرة أخرى تثبت «داعـش» أنـها ورقـة رابحـة عابـرة للحدود، وهذه هي النقطة الأهم والكبرى التي جعلت منها تهديداً يفوق «جبهة النصرة» والتنظيمات الجهادية الأخرى في سوريـا، وجذبت أنـظار المجتـمع الدولي في فتـرة قياسـية اعتـماداً على أن أولويته الوحيدة كانت «احتواء الحرب داخلياً» دون تفكير جدي في إنهائها بأي وسيلة سياسية. لقد استغلت دول إقليمية عديدة ملف «داعش» لتبييض صورتها في أحداث كانون الثاني الماضي وجمع كتائبها المخـتلفة تحت لواء مكافحـة الإرهاب الداعشي (بما فيها جبهة «النصرة» ذاتها)، لكن ثمة أطرافاً مقابلة ليست عاجزة عن ممارسة اللعـبة ذاتها بالاتجاه المعاكس، واستخدام الحرب على «داعش» كغطاء لأوراقهـا السياسـية على طاولـة التفاوض القادمة، التي لن تكون كطاولة «جنـيف 2» ولن تسمح بالتعامل مع ملف الشرق الأوسط عبر إحياء تلك المسارات المنقرضة. لن تكون «الهـزة» التي يتلقاها المجتمع الدولي في العراق أقل فداحة وضرراً للجهود السياسيـة مـن الهـزة التي تلقـاها من قبل في أوكرانيا، ومن الآن فصاعـداً ثمة واقع جديد لم يكن ليتشكل لولا «اللامبالاة» التي كرسها المجتمع الدولي تجاه قضايا الشرق الأوسط في المقام الأول.
2014-06-14