ارشيف من :أخبار لبنانية
حدث ما يلي .. انتخابياً
صحيفة "السفير" - نصري الصايغ
إلى وزير الداخلية
الأستاذ زياد بارود
ذات يوم انتخابي سالف، حدث ما يلي:
المطران مكسيموس الصائغ (تبوأ سدة البطريركية في ما بعد) دعا المرشح الكاثوليكي يوسف سالم (نائب ووزير سابق) ودار بينهما الحوار التالي:
ـ هل تعلم يا يوسف أن أصحابك ضدك؟
قال يوسف: أعلم كل العلم.
سأله المطران: هل تعرف من هم؟
أجاب: بشارة الخوري، رياض الصلح وهنري فرعون.
قال المطران: ولماذا إذاً تستمر في المعركة؟ لماذا تتكبد نفقات قد تكون طائلة هذه المرة، وأنت تعرف سلفاً أنك لم تنجح؟
ويضيف يوسف سالم في كتابه «50 سنة مع الناس» قال المطران: يا يوسف، «إني مكلف أن أقنعك بالانسحاب، وقد وضعوا في تصرفي خمسة وسبعين ألف ليرة لأقدمها إليك عندما تسترجع ترشيحك. فحدقت إليه وقلت بنبرة عتب: يا سيدنا، لو لم يكن لشخصك في نفسي احترام كبير، لأدرت ظهري وانصرفت. فهل ترضى لي، يا صاحب السيادة، أن أبيع حياتي السياسية وسمعتي بالمال؟ لماذا يعرضون عليّ هذا المبلغ الكبير؟ أوليس لأبيعهم ثقة أصحابي وأنصاري بي؟ مستحيل أن أقبل».
ولم ييأس المطران: لكن لماذا لا تنسحب من تلقاء نفسك؟
أجابه يوسف سالم: ومن عساه يصدق أنني انسحبت لوجه الله الكريم؟ من يصدق أنني لم أقبض مالاً، وفي ميدان المعركة هؤلاء الأثرياء؟
ذات يوم انتخابي راهن، حدث ما يلي:
تناولت الألسنة عموما، ووسائل الإعلام، والأحاديث السرية، أخباراً عن مبالغ طائلة أنفقت في معركة الانتخابات. «النيوزويك» تحدثت عن 750 مليون دولار من مصدر واحد. إلا أن هناك من يؤكد أن هذا المبلغ ليس يتيماً، وأنه يبز المليار ونيفاً.
في مقارنة بين يومين انتخابيين، واحد في العام 1947، وآخر في العام 2009، تتظهر الصورة لبنانية بحذافيرها. وسحنتها ما يلي:
أ ـ علامة فارقة أولى: الفساد المالي الانتخابي مزمن. من يملك المال، يملك التمثيل. المال منصة لبلوغ البرلمان. المال هو الناخب الأول. والمقترعون إن كانوا يعلمون، فقد جرفت ضمائرهم، وإن كانوا لا يعلمون، فهم صُمّ بكم الخ.
ب ـ علامة فارقة ثانية: رجال الدين ليسوا مرجعيات روحية ووطنية. قد يكونون كذلك لغة، أما في الواقع، فهم يتدخلون بكل شاردة وواردة. إنهم مفاتيح انتخابية مذهبة. ويقال، على ذمة الرواة الكثر، إن المبالغ التي تقاضاها رجال الدين، من طوائف ومذاهب مختلفة، لم تكن بحجم إيمانهم بالله. (لأنه ضعيف)، بل بحجم الارتكاب... «فاغفر لنا خطايانا»، كما جاء في الصلاة الربانية. «وان الله غفور رحيم» كما جاء في الآيات.
ج ـ علامة ثالثة: يلعب الأثرياء جداً، قديماً وحديثاً، دوراً حاسماً في الانتخابات، فكم عدد ممولي لوائح اليوم؟ كم مرشحاً انسحب؟ من قبض منهم؟ (يقال الاستثناءات قليلة).
د ـ لم تبطل نيابة أحد، بسبب التزوير الأعظم: إفساد الضمائر، وشراء الأصوات، عبر مفاتيح من كل العيارات، الدينية والمذهبية والإقطاعية والسلطوية وجاليات من الشبيحة اللبنانيين.
استنتاج أخير:
زعماء الميلشيات، جرفوا حياة اللبنانيين حتى بالسلاح، وتبوأوا مراكز مفتاحية في السلطة، بدءا من رأس الهرم. زعماء الميلشيات المالية، جرفوا الضمير اللبناني. وبات المواطن خرقة انتخابية. وعذراً من هذا الوضوح.
وذات يوم ديموقراطي فرنسي، حدث ما يلي:
نقلت جريدة «لوموند» الفرنسية القصة التالية: رغب الملياردير، سيرج داسو، صاحب معامل ومصانع إنتاج الطائرات (ومنها طائرة الميراج) بأن يجرب حظه انتخابياً. المتمولون يحبون السلطة. زواج السلطة والمال، شبيه بالزنى العلني. قصد داسو أصدقاءه ليدلّوه على بلدة أو مقاطعة أو قرية يترشح عنها، على أن تكون البلدة مدارة من قبل شيوعيين. أراد أن يهزم الشيوعيين في عقر دارهم. نصحه الأصدقاء الغيورون بالترشح عن دائرة «كوربيل ديسون»، وعدد سكانها 40 ألف نسمة.
تنافس برونو بيريو، المناضل الشيوعي المزمن، والفقير جداً، مع مالك المصانع والإعلام وما تيسر من القصور والناس. وخاضا المعارك القاسية، وفاز الشيوعي «المعتر» على داسو في ثلاث دورات (1977، 1983، 1989) غير أن داسو استطاع أن ينتزع الفوز، بفارق 167 صوتاً، ولكنه لم يهنأ به أخيراً.
اتهم الفائز بمخالفة القانون الانتخابي، وأنه أنفق على معركته، فوق ما يسمح به القانون. وبدأت معركة من نوع آخر، عبر القضاء. مفيد الاطلاع على حيثيات القرار، لأن المحكمة أصدرت قراراً بإعلان بطلان النتائج. وقال داسو تعليقاً على الحكم «كنت أود مواصلة التحليق، (في السياسة) لكنهم، قصوا جناحيّ، وتركوني معلقاً في الهواء».
هذا يسمى قضاءً يعدل ولا يخاف سطوة المال وإرهاب الأقوى. هل يأتي ذات يوم يرتفع فيه القضاء اللبناني الى مستوى العدالة؟
لدينا قضاء، أصدر أحكاماًً ببطلان نيابة غبريال المر ونيابة هنري شديد. لماذا؟ كيف؟ من أجل من؟ كم كلفة ذلك؟ قيل الكثير. أنا أصدقه بحذافيره. هذا هو القضاء... العدالة لم تقترن بعد بالقرارات.
ذات يوم انتخابي، احتفل العالم الحر بالانتخابات النيابية اللبنانية، وشهد على نظافتها واحترافها وشفافيتها وصدقيتها. لجان دولية قدمت وثيقة حسن سلوك، ولم تصدق.
العملية الانتخابية برمتها، من أولها إلى آخرها، مزورة تزويراً لا سابقة له.
ويحتفلون بالزعبرة... نحن نحب أن نكذب على أنفسنا، وأن نتبهور، فيما نحن في القاع الذي لا قاع بعده.
هل كان بالإمكان منع التزوير؟
رجاء: الجواب عن هذا السؤال، يمكن طرحه في بلد آخر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018