ارشيف من :أخبار لبنانية

’الدولة الإسلامية’ لا يقبل الشركاء.. إلا تحت عباءته!

’الدولة الإسلامية’ لا يقبل الشركاء.. إلا تحت عباءته!

عبد الله سليمان علي ـ "السفير"

ما يميز تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أو ما كان يسمى بـ«دولة العراق الإسلامية» أنه صاحب مشروع خاص لا يقبل الشركاء فيه إلا إذا دخلوا تحت عباءته، كما أنه لا يتردد في التضحية بكل شيء من أجل الوصول إليه وتحقيقه. فهو مستعد للدخول في صراعات دموية مع أقرب المقربين منه إذا لمس منه تنكّراً لمشروعه، في المقابل لا يمانع أن يصافح ألدّ أعدائه إذا شعر أن هذه المصافحة من شأنها خدمة المشروع.

وبعد «حرب الصحوات» التي امتدت بين عامي 2007 و2009 خسر «داعش» الكثير من قوته ومناطق سيطرته التي كانت تمتد عندما أعلن عن تأسيس «دولة العراق الإسلامية» في تشرين الأول من العام 2006 من بغداد إلى ديالى وصلاح الدين ونينوى وبابل والأنبار، لكنه بعد سنتين من الحروب والمعارك اضطر أن ينكفئ على نفسه في بقع معزولة متباعدة يحاول امتصاص الصدمات التي كانت تنهال عليه من كل جانب والتي بلغت ذروتها مع مقتل أميره أبي عمر البغدادي ووزير حربيته أبي حمزة المهاجر في عملية نوعية قامت بها أجهزة الأمن العراقية في نيسان 2010.

شارك الكثير من الفصائل المسلحة في العراق بتشكيل «الصحوات» بتوجيه مباشر من قيادة قوات الاحتلال الأميركي لقتال «داعش»، أهمها «الجيش الإسلامي» و«جيش المجاهدين» و«كتائب ثورة العشرين» و«حماس العراق» وغيرها الكثير من الفصائل والجماعات التي كانت تتكاثر كالفطر فوق الأراضي العراقية في أعقاب الاحتلال الأميركي وما استتبعه من شيوع الفوضى وعدم الاستقرار. والجدير بالذكر هنا أن فصيلين اثنين لم يساهما في تلك المرحلة بقتال «داعش» لا تحت راية «الصحوات» ولا غيرها، هما «أنصار الإسلام» و«جيش النقشبندية»، بينما كانت غالبية الفصائل المتواجدة على الساحة العراقية ضالعة في القتال بشكل أو بآخر. بل يمكن التذكير أن «الجيش الإسلامي» باشر في قتال «داعش» منذ العام 2004 عبر تأسيسه «كتيبة الحمزة» ومن ثم كتيبة «ثوار الأنبار» العام 2005.

ثلاثة عوامل مكّنت «داعش» من استعادة قوته بعد الضربات الموجعة التي تلقاها على أيدي «الصحوات» والتي كادت تطيح به. العامل الأول استلام أبو بكر البغدادي منصب الأمير خلفاً لأبي عمر والذي أثبت أنه يتمتع بخبرات عسكرية وأمنية عالية جداً، والثاني سياسة اجتثاث «حزب البعث» التي اتبعتها الحكومة العراقية والتي سمحت لـ«داعش» باستقطاب أعداد كبيرة من البعثيين المدنيين والعسكريين الذين كان من بينهم ضباط كبار لديهم خبرات فنية وقتالية مع الإشارة إلى أن هؤلاء الضباط إنما انتسبوا إلى «داعش» ويقاتلون تحت رايته بناءً على سلفيتهم الجديدة وليس على بعثيتهم القديمة. والعامل الثالث وهو الأهم التبدل في الأجندة الأمنية لدى قيادة الاحتلال والحكومة العراقية وتغيرها من استثمار «الصحوات» إلى استهدافها وتصفية قادتها وتفكيك بنيتها، هذا الأمر شكّل إحدى الثغرات الهامة التي استغلها قادة «داعش» من أجل العودة بقوة إلى الساحة العراقية، وكان ذلك بين أيلول 2009 ونيسان 2010 هذه الفترة التي شهدت العديد من العمليات النوعية التي دلت على استرجاع «الدولة» لجزء من قوتها، برغم أنها كانت ما تزال تعاني من عوارض التراخي الأمني في بنيتها والذي أدى إلى مقتل أميرها السابق ليحل الأمير الحالي أبو بكر البغدادي محله.

وبينما كان «داعش» يستعيد قوته شيئاً فشيئاً كان الكثير من الفصائل والجماعات إما يسلم سلاحه إلى الحكومة للمشاركة في العملية السياسية، وإما يتعرض لهجمات من الجيش العراقي والأجهزة الأمنية تؤدي إلى إضعافه، وإما يهادن قليلاً بناء على توجيهات من الدول الداعمة له.
ويمكن القول أنه في العام 2012 كانت غالبية أسماء الفصائل المسلحة قد غابت عن الساحة العراقية باستثناء القليل منها مثل «أنصار الإسلام» و«جيش النقشبندية» و«أنصار السنة». وبينما يؤكد خصوم «داعش» أنه يتحمل مسؤولية ذلك بسبب انتهاجه سياسة قتال كل من لا يتوافق معه، يرى البعض أن «داعش» ليس السبب الوحيد في اختفاء الفصائل المسلحة، مشيرين إلى أن انقطاع التمويل والدعم ورغبة بعض الفصائل في الانخراط في العملية السياسية بالإضافة إلى «داعش» كل ذلك أدى إلى غياب الفصائل واختفائها.

وانعكست تطورات الأزمة السورية ووصولها إلى نقطة المواجهة بين «داعش» من جهة وباقي الفصائل الجهادية من جهة ثانية، على الأحداث في العراق وطبيعة العلاقة بين «داعش» وبين من بقي من الفصائل ولاسيما «أنصار الإسلام». حيث بدأت العلاقة بين الطرفين تنحو باتجاه التوتر والاحتقان، في ظل عمليات اغتيال متبادلة لقيادات من الطرفين، بينما تسربت أنباء عن تقارب بين «أنصار الإسلام» من جهة وبين زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري من جهة ثانية. وتطورت العلاقة بينهما في مرات عدة إلى اشتباكات مسلحة عنيفة سقط خلالها قتلى وجرحى، الأمر الذي دفعهما إلى عقد هدنة سرعان ما انهارت بعد مقتل أحد قيادات «أنصار الإسلام» في شهر شباط الماضي. ويسود الاعتقاد أنّ «داعش» يرفض أي تقارب بين «القاعدة» وبين «أنصار الإسلام» لأنه يعتبر ذلك تهديداً مباشراً للدولة التي ينوي إقامتها على طرفي الحدود بين سوريا والعراق.

أما في ما يتعلق بـ«النقشبندية»، فقد بدا غريباً أنه بعد أحداث الموصل الأسبوع الماضي جرى الزجّ باسم «جيش النقشبندية» ووصفه بـ«البعثي»، والقول إنه متحالف مع «داعش» في الهجوم على نينوى، بل ذهبت بعض وسائل الإعلام إلى حد القول أن النقشبندية هي من تقود المعارك من وراء ستار «داعش». ثم عادت لتروج عن خلاف بدأ ينشب بين الطرفين أي «داعش» و«النقشبندية» على خلفية سياسة «داعش» في تطبيق الشريعة الإسلامية.
والحقيقة أنّ العلاقة بين «داعش» من جهة وبين «جيش النقشبندية» من جهة أخرى علاقة ملتبسة وغير واضحة، وهذا ربما ما سهّل للبعض أن يربط بين الطرفين لتمرير فكرة أنّ «البعثيين» لهم دور كبير في ما يجري في العراق. إلا أن الالتباس لا يعني وجود تحالف بين الطرفين وإنما يرجع إلى طبيعة سياسة النقشبندية التي تنطلق من عدم التقاتل مع أي طرف داخلي لأنها كانت تقصر عملياتها القليلة نسبياً- على مواجهة الاحتلال الأميركي فقط. مع العلم أنّ الرأي الشرعي لدى «داعش» هو أن النقشبندية كفار ومرتدون، لسببين الأول لأنهم «بعثيون» والثاني لأنهم صوفيون.

وفي هذا السياق قد يكون مما له أهميته الإشارة إلى أن بعض التقارير الإعلامية نقلت منذ حوالي شهرين تصريحات منسوبة إلى مصدر مقرب من «النقشبندية» يؤكد فيها أن جماعته أفتت مؤخراً بإباحة «تصفية داعش أينما تم الظفر بهم»، الأمر الذي يثبت أن العلاقة بين الطرفين لم تكن على ما يرام قبل أسابيع فقط من الهجوم الأخير على الموصل، فكيف يمكن التصديق بوجود تحالف بينهما؟ وسؤال أخير: كيف يمكن لـ«داعش» التي لم تتفق مع من يوافقها في المنهج والعقيدة مثل «القاعدة» أن تتفق مع البعثيين المرتدين كما تصفهم؟
2014-06-17