ارشيف من :أخبار عالمية

ماذا بقي من البرلمان؟

ماذا بقي من البرلمان؟
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية


يبدو - والله أعلم- أن هناك من كان يراهن على دخول المعارضة الانتخابات المقبلة، واثقين تماماً بنجاحهم التام في مسعاهم لجذب المعارضة وإغرائها بالمشاركة.

طبعاً لسنا خبراء في السياسة ودهاليزها، ولا ندّعي علم الغيب، لكن المؤشرات الظاهرة تدل على وجود هذه الرهانات. لكن المراقبين الأجانب للشأن البحريني يرون أن هذه الرهانات قد لا تكون في محلها، فالواقع المأزوم بعمق، لا تعالجه المهدّئات؛ وأن الانتكاسة الكبيرة في المجالين السياسي والحقوقي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لا يمكن معالجتها بعلاجات مؤقتة. بل إن الحراك الذي هزّ الساحة في فبراير/ شباط 2011، إنما كان نتيجة انسداد الأفق السياسي، وجمود الوضع حتى على مستوى البرلمان. يومها صرّح عدد من رؤساء الكتل بالبرلمان بأنهم «لم يفعلوا شيئاً»، «وأن الحكومة كسّرت مجاديفهم»، وأن «نتيجة المشاركة كانت صفراً»!

كانت تلك التصريحات في العام 2009، ولم يحقق البرلمان شيئاً ملموساً للجمهور، ولم ينجح إلا في تحريك ملف الأراضي المنهوبة، وشركة ألبا، وطيران الخليج. وكان ذلك مؤذياً جدّاً للسلطة، وخصوصاً أنه جاء نتيجة تلاقٍ بين الوفاق والسلف والاخوان.

في انتخابات 2010، ردّت السلطة للموالاة الصاع صاعين، فقصّت أجنحتهم وأخرجتهم من البرلمان بضربة تكتيكية واحدة، فباتت كتلهم مجرد أفراد يتحركون مثل الأشباح. أما المعارضة فقد خرجت من البرلمان في استقالة جماعية احتجاجاً على القمع الذي تعرض له الحراك.

خروج المعارضة، ووجود كتلة هلامية كبيرة ليس لها وزن سياسي، يسمون أنفسهم «المستقلين»، أطلق يد الحكومة للتحكّم في البرلمان. لقد وجدت الحكومة نفسها في خندق واحد، مع برلمان وديع جدّاً أدرد، ليس له مخالب ولا حتى أسنان لبنية! كانت السلطة مسرورة جدّاً، لقد انتهت اللعبة كما كانت تحلم وتريد، وكانت تردّد مع نفسها أبيات طرفة بن العبد وهو يخاطب القبّرة التي كانت تحوم في أحد البساتين وتتحاشى الوقوع في الفخ حتى ملّ من اصطيادها فحمل فخه وانصرف:

خلا لكِ الجو فبيضي واصفري

ونقّري ما شئتِ أن تنقري

قد رحل الصيّاد عنك فابشري!

هذه الأبيات الموسيقية الرقيقة جدّاً، أصبحت مثلاً يُضرب «في الحاجة يتمكن منها صاحبها» كما قال أبو عبيد. وقد تمكنت السلطة من البرلمان تماماً، حتى صرّح وزير العدل الأسبوع الماضي بأن السلطات الثلاث في البحرين إنما هي «سلطة واحدة»، تعبيراً عن حالة الاندغام التام والكينونة المتماهية بين السلطات!

في الأسابيع الأخيرة، لاحظ المراقبون نشاطاً غير معهود في البرلمان، من أجل تمرير مجموعةٍ من القوانين قبل انتهاء فترته، وكان هناك من لايزال يراهن على دخول المعارضة الانتخابات، وجرى تسريب أخبار عن احتمال تمديد البرلمان، فلما جاء الجواب بالنفي، أعلن في اليوم التالي فضّ البرلمان وإجراء الانتخابات في الموعد المقرر.

مع ذلك بقي الرهان على المشاركة، وفسّر بعض المراقبين تصويت البرلمان على تقليص صلاحياته طوعاً، وهو ما لم يحدث في أي برلمان آخر في العالم، فضلاً عن إجراء تعديلات رجعية تجعل من المستحيل استجواب وزير، على أنه تمهيد لمشاركة المعارضة. أما البعض الآخر من المراقبين فرأى أن الرهان لم يكن في محله، فهو لم يأخذ في حساباته كلّ ما تدفق من مياهٍ تحت الجسر.
2014-06-22