ارشيف من :ترجمات ودراسات
بين الاستعلاء الأميركي وجبن الأوروبيين... المجتمع الدولي يتخلى عن الفلسطينيين
الكاتبة: مريم بن رعد، باحثة في شؤون الشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومشاركة في أعمال مركز الدراسات والأبحاث الدولية في باريس
عن موقع alterinfos
16 حزيران/ يونيو 2014
مرة أخرى، يحيق الفشل بمفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكان هذا الفشل مقرراً في واقع موازين القوى : تفوق إسرائيلي على الأرض، دعم لا يتزعزع من واشنطن لتل أبيب. تنحية الاتحاد الأوروبي التي سمح بها جبن بروكسل والأحادية الأميركية أسهمت في الوصول إلى الحائط المسدود.
في أواخر نيسان/ أبريل، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال جولته الآسيوية، عن فاصل في المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، وذلك بعد تسعة أشهر من إطلاقها على يد وزير خارجيته جون كيري. ومع اقتراب استحقاق التاسع والعشرين من نيسان/ أبريل 2014، كان التقدم ضعيفاً، بل غير موجود بالمرة، نحو اتفاق-إطار أولي. لذا راهنت واشنطن على إجراءات متبادلة من أجل إنقاذ عملية السلام من الإخفاق الكامل. وتقوم الإجراءات المذكورة على قبول السلطة الفلسطينية بتأجيل المدة المتفق عليها للمفاوضات مقابل قيام "إسرائيل" بإطلاق عدد من السجناء الفلسطينيين وبتجميد جزئي للاستيطان بالشكل الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تعهد به في تموز/ يوليو 2013.
ولكن الحوار بين الطرفين لم يلبث أن اتجه نحو الفشل. فقد تراجع الإسرائيليون عن تعهداتهم، ما أثار غضب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي فاجأ تل أبيب وواشنطن عندما تقدم بطلبات انضمام إلى حوالي 15 اتفاقية دولية دفعة واحدة. ووسط مفاجأة الجميع، قامت منظمة التحرير الفلسطينية أيضاً بالتوقيع، في 28 نيسان/ أبريل، على اتفاق مصالحة مع حركة حماس الإسلامية بهدف تشكيل حكومة توافق مهمتها تنظيم الانتخابات المقبلة. وعلى الفور، رد نتنياهو بتعليق المفاوضات.
من هي الجهة التي فشلت انطلاقاً من هذه الأحداث المتلاحقة؟ الأكيد أن أطراف النزاع لم يظهروا أي رغبة أو حماسة للعودة إلى المفاوضات في ظل إصرار إسرائيل على تعنتها. فقد كان نتنياهو قد وصف الخطة الأميركية منذ لحظة إطلاقها بعبارة "عفى عليها الزمن"، رافضاً بذلك الاعتراف بأن الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية يشكل عائقاً أمام كل حل سلمي على أساس الدولتين. وعلى خلفية أعمال الهدم والممارسات العدائية تجاه الفلسطينيين، ارتفع بناء المستوطنات بوتيرة سريعة وبنسبة 123 منذ العام 2012. وكما ولو أن كل ذلك ظل غير كاف، وافقت وزارة الدفاع الإسرائيلية مؤخراً، وللمرة الأولى منذ الثمانينيات، على إطلاق أعمال بناء يهودية جديدة في الخليل.
أما في الجانب الفلسطيني، فلا مجال للقبول بنظام الاحتلال بأي صورة كانت، ولا بالاعتراف بـ "إسرائيل" كـ "دولة يهودية"، أو للتراجع على هذا الأساس عن حق العودة.
فالواقع أن الاعتراف بهوية الدولة هو، من وجهة نظر الإسرائيليين، عنصر أساس في أي اتفاق للسلام. فهم يعتقدون أن جذور الخلاف تعود تحديداً، لا إلى الاحتلال، بل إلى رفض الدولة اليهودية من قبل المعسكر الغربي. وعليه، وفي حين تنكر " إسرائيل" على الدوام أنها تطبق سياسة تمييز عنصري، وبالرغم من عدم وجود توافق حول تعريف مفهوم "الدولة اليهودية"، فإن مشاريع قرارات عديدة تتنافى مع ذلك جرى تقديمها إلى الكنيست منذ العام 2010، ومنها مشروع قرار يقضي بإلغاء استعمال العربية كلغة رسمية، وبفرض الشريعة اليهودية كمصدر أول للقانون. وفي شهر مايو/ أيار 2014، طرحت حكومة نتنياهو نفسها مشروعاً يهدف إلى إقرار وضع "إسرائيل" في الدستور بصفتها دولة-أمة للشعب اليهودي، منحية بذلك مفهوم الدولة بقوميتين، يهودية وعربية، داخل حدود "إسرائيل". وقد أدى طرح هذا المشروع الذي جاء متزامناً مع إحياء ذكرى النكبة إلى قيام العديد من التحركات الاحتجاجية في الضفة الغربية.
الإخفاق سلفاً
فالواقع، أن جهود السلام التي قادها جون كيري لم تكن تتمتع، بغير حظوظ قليلة للنجاح، وذلك رغم الدبلوماسية المحمومة التي أخذت شكل زيارات متواصلة قام بها إلى المنطقة. من هذه الزاوية، فإن وزير الخارجية الأميركي، وكل واحد من اللاعبين المعنيين بالموضوع، قد وضعوا أنفسهم في موقع الفشل المبرمج عبر سعيهم، أياً كان الثمن، إلى إحياء عملية سلام كانت قد أصبحت محتضرة إلى أبعد الحدود. وخلف تصريحات هادفة بشكل أساسي إلى حفظ ماء الوجه، فإن الخطاب الذي ألقاه كيري في 8 نيسان/ أبريل (جرى تقديمه في الولايات المتحدة على أنه أرضية لإطلاق جهود السلام)، والذي تكلم بعده عن خطر قيام نظام آبارتهيد في "إسرائيل"، قد انكشف بشكل مثير للسخرية بصفته اعترافاً شخصياً من قبله بعبثية خطة للسلام غير مرغوب بها من قبل الأطراف المعنية. إضافة إلى كون ذلك قد جاء تعبيراً عن فشل باراك أوباما الذي كان قد التزم بإحياء عملية السلام في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة عام 2009، وأدان فيه الاستيطان بقوة.
فالاستيطان هو ما يصادر بشكل متزايد كل يوم فرص التوصل إلى سلام على أساس دولتين تفصل بينهما حدود العام 1967، أي الحدود المعترف بها دولياً قبل حرب 5 حزيران. ويرفض الإسرائيليون العودة إلى هذه الحدود بذريعة أمن "إسرائيل" والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. ومن جهتها، تستمر السلطة الفلسطينية في المطالبة باسترجاع كامل الأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، كحيز جغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة. أما حماس، فإنها تريد لتلك الدولة أن تقوم في كامل فلسطين التاريخية، الأمر الذي تدينه واشنطن التي ترفض، بحسب تعبير أوباما، مبدأ كل مصالحة فلسطينية "لا تخدم عملية السلام".
ديبلوماسية أميركية غير مؤهلة للقيام بدور الحكم
لم تحقق الدبلوماسية الأميركية أي تقدم على مر السنين حيث إنها تركت لـ "إسرائيل"، حليفها الاستراتيجي المطلق في المنطقة، حقاً أسطورياً بالتصرف، واعتمدت على وصفاتها الشائخة وعلى الشخصيات الدبلوماسية ذاتها *. ففي طليعة الطرق الفاشلة التي اعتمدتها واشنطن والأخطاء التي وقعت فيها، نجد الأحادية الصارخة والتصرف كقوة فائقة السطوة والادعاء بأنها الوسيط الوحيد في صراع معقد ومتشابك العناصر. ولكن، كيف يمكن للأميركيين أن يستمروا، انطلاقاً من موقعهم كشريك تربطه علاقة وثيقة بـ "إسرائيل"، في ادعاء القدرة على تعديل اللاتوازن الملازم لكل مفاوضات بين جهة تمارس الاحتلال وجهة تقاوم الاحتلال؟ أوروبا التي تبدو، ظاهرياً، أكثر حيادية تجاه الفلسطينيين، كان بإمكانها أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في المفاوضات الأخيرة. ولكن جون كيري أخرج أوروبا من اللعبة شأن ما فعله سابقوه. لقد كانت أوروبا قد قررت، لحظة استئناف المفاوضات، عام 2013، استثناء المستوطنات اليهودية غير الشرعية في نظر القانون الدولي من مختلف أنواع المساعدات وبرامج التعاون التي يرعاها الاتحاد الأوروبي. وبذلك، كانت أوروبا قد امتلكت قدرة على ممارسة الضغط الاقتصادي تجاه الحكومة الاسرائيلية وذلك القسم من الإسرائيليين الذين لا يعتبرون أن فقدانهم للقارة العجوز خيار مناسب لهم.
الصمت الأوروبي
في الوقت نفسه، بقيت هذه الرافعة الأوروبية حروفاً على الورق، لأن القنصليات الأوروبية افتقدت الشجاعة اللازمة للسير على الطريق التي انفتحت أمامها. كما إن التفكير الذي بدأ في بروكسل وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي في موضوع تصنيف المنتجات القادمة من المستوطنات لم يحرز بدوره أي تقدم، لأن عدداً كبيراً من بلدان الاتحاد الأوروبي ما زال يمانع في ممارسة الضغط على "إسرائيل". فأوروبا منهمكة، بوجه عام، برهانات أخرى، سواء كانت متعلقة بظروف ما بعد الأزمة المالية، أم بالضجيج على أبوابها لجهة الأزمة الأوكرانية أو الحرب السورية. أما الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني فلا مكان له على سجل أولوياتها، الأمر الذي يسمح لواشنطن بالتفرد في إدارة هذا الشأن.
هل تستطيع الولايات المتحدة -التي فقدت مصداقيتها في الشرق الأوسط بعد أن قامت، منذ اتفاقيات أوسلو 1993، بالعديد من المحاولات غير المثمرة لحل الصراع- أن تفتح آفاقاً جديدة عبر رفض المناورات الالتفافية الاسرائيلية والتواصل اللانهائي لعملية مفاوضات تسمح في الواقع للإسرائيليين بالاستمرار، بشكل غير محدود، ومن دون اعتراض من أحد، في بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة؟ على الولايات المتحدة أن تعود بلا إبطاء إلى إشراك أوروبا في حوار يعنيها بالدرجة الأولى سبق لها أن ابتعدت عنه بفعل ما تعرضت له من تهميش. لكن كل هذا لا يعني الخروج من المأزق الذي ينبغي للفريقين أن يخرجا منه بفعل جهد ديبلوماسي أكثر مصداقية.
----------------
• على هذا الأساس تم اختيار مارتن إنديك، السفير السابق للولايات المتحدة في "إسرائيل" والقريب من اللوبي المؤيد لـ "إسرائيل"، إيباك، ليكون مبعوثاً أميركياً إلى الشرق الأوسط. وإضافة إلى كون الفلسطينيين لا ينظرون إليه بالكثير من التقدير، فإن خصومه غالباً ما يأخذون عليه إخفاقاته الديبلوماسية العديدة في أوقات سابقة.
عن موقع alterinfos
16 حزيران/ يونيو 2014
مرة أخرى، يحيق الفشل بمفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكان هذا الفشل مقرراً في واقع موازين القوى : تفوق إسرائيلي على الأرض، دعم لا يتزعزع من واشنطن لتل أبيب. تنحية الاتحاد الأوروبي التي سمح بها جبن بروكسل والأحادية الأميركية أسهمت في الوصول إلى الحائط المسدود.
في أواخر نيسان/ أبريل، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال جولته الآسيوية، عن فاصل في المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، وذلك بعد تسعة أشهر من إطلاقها على يد وزير خارجيته جون كيري. ومع اقتراب استحقاق التاسع والعشرين من نيسان/ أبريل 2014، كان التقدم ضعيفاً، بل غير موجود بالمرة، نحو اتفاق-إطار أولي. لذا راهنت واشنطن على إجراءات متبادلة من أجل إنقاذ عملية السلام من الإخفاق الكامل. وتقوم الإجراءات المذكورة على قبول السلطة الفلسطينية بتأجيل المدة المتفق عليها للمفاوضات مقابل قيام "إسرائيل" بإطلاق عدد من السجناء الفلسطينيين وبتجميد جزئي للاستيطان بالشكل الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تعهد به في تموز/ يوليو 2013.
ولكن الحوار بين الطرفين لم يلبث أن اتجه نحو الفشل. فقد تراجع الإسرائيليون عن تعهداتهم، ما أثار غضب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي فاجأ تل أبيب وواشنطن عندما تقدم بطلبات انضمام إلى حوالي 15 اتفاقية دولية دفعة واحدة. ووسط مفاجأة الجميع، قامت منظمة التحرير الفلسطينية أيضاً بالتوقيع، في 28 نيسان/ أبريل، على اتفاق مصالحة مع حركة حماس الإسلامية بهدف تشكيل حكومة توافق مهمتها تنظيم الانتخابات المقبلة. وعلى الفور، رد نتنياهو بتعليق المفاوضات.
من هي الجهة التي فشلت انطلاقاً من هذه الأحداث المتلاحقة؟ الأكيد أن أطراف النزاع لم يظهروا أي رغبة أو حماسة للعودة إلى المفاوضات في ظل إصرار إسرائيل على تعنتها. فقد كان نتنياهو قد وصف الخطة الأميركية منذ لحظة إطلاقها بعبارة "عفى عليها الزمن"، رافضاً بذلك الاعتراف بأن الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية يشكل عائقاً أمام كل حل سلمي على أساس الدولتين. وعلى خلفية أعمال الهدم والممارسات العدائية تجاه الفلسطينيين، ارتفع بناء المستوطنات بوتيرة سريعة وبنسبة 123 منذ العام 2012. وكما ولو أن كل ذلك ظل غير كاف، وافقت وزارة الدفاع الإسرائيلية مؤخراً، وللمرة الأولى منذ الثمانينيات، على إطلاق أعمال بناء يهودية جديدة في الخليل.
أما في الجانب الفلسطيني، فلا مجال للقبول بنظام الاحتلال بأي صورة كانت، ولا بالاعتراف بـ "إسرائيل" كـ "دولة يهودية"، أو للتراجع على هذا الأساس عن حق العودة.
فالواقع أن الاعتراف بهوية الدولة هو، من وجهة نظر الإسرائيليين، عنصر أساس في أي اتفاق للسلام. فهم يعتقدون أن جذور الخلاف تعود تحديداً، لا إلى الاحتلال، بل إلى رفض الدولة اليهودية من قبل المعسكر الغربي. وعليه، وفي حين تنكر " إسرائيل" على الدوام أنها تطبق سياسة تمييز عنصري، وبالرغم من عدم وجود توافق حول تعريف مفهوم "الدولة اليهودية"، فإن مشاريع قرارات عديدة تتنافى مع ذلك جرى تقديمها إلى الكنيست منذ العام 2010، ومنها مشروع قرار يقضي بإلغاء استعمال العربية كلغة رسمية، وبفرض الشريعة اليهودية كمصدر أول للقانون. وفي شهر مايو/ أيار 2014، طرحت حكومة نتنياهو نفسها مشروعاً يهدف إلى إقرار وضع "إسرائيل" في الدستور بصفتها دولة-أمة للشعب اليهودي، منحية بذلك مفهوم الدولة بقوميتين، يهودية وعربية، داخل حدود "إسرائيل". وقد أدى طرح هذا المشروع الذي جاء متزامناً مع إحياء ذكرى النكبة إلى قيام العديد من التحركات الاحتجاجية في الضفة الغربية.
الإخفاق سلفاً
فالواقع، أن جهود السلام التي قادها جون كيري لم تكن تتمتع، بغير حظوظ قليلة للنجاح، وذلك رغم الدبلوماسية المحمومة التي أخذت شكل زيارات متواصلة قام بها إلى المنطقة. من هذه الزاوية، فإن وزير الخارجية الأميركي، وكل واحد من اللاعبين المعنيين بالموضوع، قد وضعوا أنفسهم في موقع الفشل المبرمج عبر سعيهم، أياً كان الثمن، إلى إحياء عملية سلام كانت قد أصبحت محتضرة إلى أبعد الحدود. وخلف تصريحات هادفة بشكل أساسي إلى حفظ ماء الوجه، فإن الخطاب الذي ألقاه كيري في 8 نيسان/ أبريل (جرى تقديمه في الولايات المتحدة على أنه أرضية لإطلاق جهود السلام)، والذي تكلم بعده عن خطر قيام نظام آبارتهيد في "إسرائيل"، قد انكشف بشكل مثير للسخرية بصفته اعترافاً شخصياً من قبله بعبثية خطة للسلام غير مرغوب بها من قبل الأطراف المعنية. إضافة إلى كون ذلك قد جاء تعبيراً عن فشل باراك أوباما الذي كان قد التزم بإحياء عملية السلام في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة عام 2009، وأدان فيه الاستيطان بقوة.
فالاستيطان هو ما يصادر بشكل متزايد كل يوم فرص التوصل إلى سلام على أساس دولتين تفصل بينهما حدود العام 1967، أي الحدود المعترف بها دولياً قبل حرب 5 حزيران. ويرفض الإسرائيليون العودة إلى هذه الحدود بذريعة أمن "إسرائيل" والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. ومن جهتها، تستمر السلطة الفلسطينية في المطالبة باسترجاع كامل الأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، كحيز جغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة. أما حماس، فإنها تريد لتلك الدولة أن تقوم في كامل فلسطين التاريخية، الأمر الذي تدينه واشنطن التي ترفض، بحسب تعبير أوباما، مبدأ كل مصالحة فلسطينية "لا تخدم عملية السلام".
ديبلوماسية أميركية غير مؤهلة للقيام بدور الحكم
لم تحقق الدبلوماسية الأميركية أي تقدم على مر السنين حيث إنها تركت لـ "إسرائيل"، حليفها الاستراتيجي المطلق في المنطقة، حقاً أسطورياً بالتصرف، واعتمدت على وصفاتها الشائخة وعلى الشخصيات الدبلوماسية ذاتها *. ففي طليعة الطرق الفاشلة التي اعتمدتها واشنطن والأخطاء التي وقعت فيها، نجد الأحادية الصارخة والتصرف كقوة فائقة السطوة والادعاء بأنها الوسيط الوحيد في صراع معقد ومتشابك العناصر. ولكن، كيف يمكن للأميركيين أن يستمروا، انطلاقاً من موقعهم كشريك تربطه علاقة وثيقة بـ "إسرائيل"، في ادعاء القدرة على تعديل اللاتوازن الملازم لكل مفاوضات بين جهة تمارس الاحتلال وجهة تقاوم الاحتلال؟ أوروبا التي تبدو، ظاهرياً، أكثر حيادية تجاه الفلسطينيين، كان بإمكانها أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في المفاوضات الأخيرة. ولكن جون كيري أخرج أوروبا من اللعبة شأن ما فعله سابقوه. لقد كانت أوروبا قد قررت، لحظة استئناف المفاوضات، عام 2013، استثناء المستوطنات اليهودية غير الشرعية في نظر القانون الدولي من مختلف أنواع المساعدات وبرامج التعاون التي يرعاها الاتحاد الأوروبي. وبذلك، كانت أوروبا قد امتلكت قدرة على ممارسة الضغط الاقتصادي تجاه الحكومة الاسرائيلية وذلك القسم من الإسرائيليين الذين لا يعتبرون أن فقدانهم للقارة العجوز خيار مناسب لهم.
الصمت الأوروبي
في الوقت نفسه، بقيت هذه الرافعة الأوروبية حروفاً على الورق، لأن القنصليات الأوروبية افتقدت الشجاعة اللازمة للسير على الطريق التي انفتحت أمامها. كما إن التفكير الذي بدأ في بروكسل وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي في موضوع تصنيف المنتجات القادمة من المستوطنات لم يحرز بدوره أي تقدم، لأن عدداً كبيراً من بلدان الاتحاد الأوروبي ما زال يمانع في ممارسة الضغط على "إسرائيل". فأوروبا منهمكة، بوجه عام، برهانات أخرى، سواء كانت متعلقة بظروف ما بعد الأزمة المالية، أم بالضجيج على أبوابها لجهة الأزمة الأوكرانية أو الحرب السورية. أما الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني فلا مكان له على سجل أولوياتها، الأمر الذي يسمح لواشنطن بالتفرد في إدارة هذا الشأن.
هل تستطيع الولايات المتحدة -التي فقدت مصداقيتها في الشرق الأوسط بعد أن قامت، منذ اتفاقيات أوسلو 1993، بالعديد من المحاولات غير المثمرة لحل الصراع- أن تفتح آفاقاً جديدة عبر رفض المناورات الالتفافية الاسرائيلية والتواصل اللانهائي لعملية مفاوضات تسمح في الواقع للإسرائيليين بالاستمرار، بشكل غير محدود، ومن دون اعتراض من أحد، في بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة؟ على الولايات المتحدة أن تعود بلا إبطاء إلى إشراك أوروبا في حوار يعنيها بالدرجة الأولى سبق لها أن ابتعدت عنه بفعل ما تعرضت له من تهميش. لكن كل هذا لا يعني الخروج من المأزق الذي ينبغي للفريقين أن يخرجا منه بفعل جهد ديبلوماسي أكثر مصداقية.
----------------
• على هذا الأساس تم اختيار مارتن إنديك، السفير السابق للولايات المتحدة في "إسرائيل" والقريب من اللوبي المؤيد لـ "إسرائيل"، إيباك، ليكون مبعوثاً أميركياً إلى الشرق الأوسط. وإضافة إلى كون الفلسطينيين لا ينظرون إليه بالكثير من التقدير، فإن خصومه غالباً ما يأخذون عليه إخفاقاته الديبلوماسية العديدة في أوقات سابقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018