ارشيف من :أخبار عالمية

إنكار الواقع... قضية العبّار مثالاً

إنكار الواقع... قضية العبّار مثالاً
ريم خليفة - صحيفة الوسط البحرينية

قد تكون قضية عائلة عبدالعزيز العبار البحرينية مثالاً لواحدة من القصص في مشهد إنكار الواقع في البحرين. ويكفي أن ترى حجم معاناة فئة ليست بصغيرة من البحرينيين ممثلة كشاهد على أسارير وجهي والد ووالدة الشاب الراحل العبّار. ولقد جاء الإقرار الرسمي بسبب إصابته الحقيقية متأخرا جدا، وعلى أساسه أعلنت عزمها استلام جثمانه وتشييعه مساء الخميس المقبل (ليلة الجمعة)، وذلك بعد 130 يوماً من المعاناة، تتكون من 55 يوماً فترة الإصابة، 75 يوماً فترة تعطيل الدفن.

فطوال 75 يوماً سعت عائلة العبار للحصول على ما يثبت السبب الحقيقي لوفاة ابنهم (اصابته بسبب رصاص الشوزن)، وتواصلوا مع النيابة العامة، ووحدة التحقيق الخاصة، ومكتب الطبيب الشرعي المعاين، ومسئول قسم الأدلة الجنائية، والامانة العامة للتظلمات، وعدد من المحامين والشخصيات، والمؤسسة الوطنية لحقوق الانسان، ومكتب وكيل وزارة الصحة، ومركز شرطة البديع، الخ، وبعد مماطلة معقدة جدا، حصلت عائلة العبار بشكل رسمي من النيابة العامة (وحدة التحقيق الخاصة) تقريراً يفيد بأن وفاته «قد حدثت من مضاعفات الإصابات النارية الرشية بالوجه والرأس بما أحدثته من أنزفة بالمخ ومضاعفات التاهبية وتوقف بالقلب أدى إلى الوفاة».

ان ملفات قضايا حقوق الإنسان تعتبر واحدة من الملفات التي إما أن ترفع شأن الحكومات أو تشوه سمعتها، على اعتبار أن حقوق الإنسان مسألة لا يمكن تجاهلها تحت أي عذر كان، والمشكلة ان هذا يخالف ثقافة إنكار الواقع التي تسيطر على المشهد السياسي الراهن، ويعتقد البعض ان اللجوء إلى شركات العلاقات العامة والبهرجة يمكن ان تخلق واقعا مغايرا، وهو امر غير صحيح.

ان إنكار الواقع يخلق حالة من التوهم وثقافة «هم» و «نحن»، بمعنى آخر العيش في معزل عن قضايا ومطالب الناس الأساسية، وهي لا ترتبط بفئة واحدة فقط وإنما بكل إنسان يسعى للعيش الكريم، وفق ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن ثقافة انكار الواقع تدفع البعض نحو العمل باستمرار على سياسة تفرّق الناس وتخلق الاستقطاب بين أفراد المجتمع الواحد، في محاولة عبر التاريخ البحريني لضرب أي مطلب لن يساعد على تغيير هذا الواقع وهذا المشهد، وهو لن يقود إلا إلى مزيدٍ من البؤس وتفاقم المشكلات.

إن من الضروري العمل على تحسين أوضاع المواطن المعيشية ضمن تفعيل حقيقي للقوانين بما يضمن الحقوق المعتمدة في الاتفاقيات الدولية، وهذا مطلب أساسي للشعوب في كل مكان.

ولعل المشهد التونسي يعد مثالاً قد يُستفاد منه من ناحية التخلص من حالة إنكار الواقع، وهذا لم يتم إلا بعد مراحل واردة وتوافق بين جميع الأطراف داخل المجتمع التونسي. وفي هذا الجانب كتب الباحث التونسي وأستاذ الفلسفة بجامعة صفاقس بتونس سمير حمدي في مقال نشر في موقع العربي الجديد (28 يونيو/ حزيران 2014) عن تونس قائلاً: «خلافاً للمسارات التي اتخذتها الثورات العربية الأخرى، استطاع المسار الانتقالي في تونس أن يحقّق تقدماً فعلياً نحو بناء نظام ديمقراطي ناشئ، لا يمكن إنكار تشكّله بصورة جنينية، على رغم بعض التعثّر الطبيعي، الناجم عن التحوّل من حالة الاستبداد المطلق وحكم الحزب الواحد إلى حالة التعددية الحزبية والتنافس الانتخابي الشفاف. وهذا النموذج السياسي التونسي، وما حققه من نجاحات، يمكن أن نعزوه إلى عوامل متعددة، أساسها مبدأ مركزي واحد هو فكرة التوافق».

ببساطة، التوافق والاعتراف بوجود المشكلة أهم بكثير ممن ينكر معرفته بما يجري من انتهاكات وممارسات غير إنسانية ومعاناة للمجتمع بمختلف صنوفه، معناه تهرب من المسئولية وعدم اللجوء إلى الحلول التي تلزم الأنظمة المعنية باحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير. وإلا فإن حالة الإنكار تتطور تبعاً لاتباع سياسات وإجراءات لعرقلة مسيرة الحياة الطبيعية، وغض الطرف عن أولئك الذين يرتكبون الانتهاكات، وإغلاق الآذان والأعين، وعدم الاستماع لأية وجهة نظر أو رأي.
2014-07-02