ارشيف من :أخبار لبنانية
إنهم يخاطبون العرب
ساطع نور الدين، السفير
غطّ بعض الحضور في نوم عميق. سمع شخير بعيد في طرف القاعة. كانت الساعة قد قاربت الثامنة مساء. كان التكييف معتدلاً جداً، بالمقارنة مع درجات الحرارة والرطوبة العالية في الشارع. وكذلك كانت المقاعد الوثيرة مريحة جدا، ولم يكن من الصعب التحكم بأجهزة نقل الترجمة الفورية ولا في الميكروفونات المنتشرة امام كل واحد منهم.
باختصار كانت امسية لطيفة من امسيات القاهرة التي لا تنسى. لم يشعر أحد بأدنى حرج في ان يتكئ على حاجز اللغة لكي ينصرف الى سباته. ولم يشعر أحد بالحاجة الى التمثيل امام الكاميرات التي لم تدخل القاعة سوى بضع دقائق، وغادرتها مسرعة لكي لا تتورط في نقل حي ليس له جمهور ولا معلن، يمكن أن يمتد لأكثر من ساعة ويتطلب الكثير من الوقت والجهد والمال.. والبروتوكول الدبلوماسي.
بعض الصحافيين الذين علقوا في الداخل، راقبوا باهتمام بعض الوجوه المألوفة وأدركوا على الفور ان التثاؤب لم يكن بقرار رسمي، ولا بتعليمات تلقاها الدبلوماسيون المنتدبون لتمثيل بلدانهم في تلك القاعة المهيبة وفي ذلك المقر التاريخي. كان رد فعل طبيعياً، عفوياً، ازاء الضيف والتوقيت والمناسبة، التي ارتبطت في الاذهان بمناسبة مشابهة جرت في الرابع من حزيران الحالي وفي مكان قريب جداً لا يبعد سوى بضعة كيلومترات، واعتبرت حدثاً تاريخياً لم تشهد القاهرة مثله من ايام الحملة الفرنسية، ونقل على الهواء مباشرة وبترجمة فورية لمئات الملايين من المشاهدين، الذين لا يزالون يذكرون ادق تفاصيله، ويحفظون عن ظهر قلب نص الخطاب المؤثر الذي القاه يومها الرئيس الاميركي باراك اوباما.
كانت المقارنة مغرية بين ذلك الخطاب، وبين الخطاب الذي قرر الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف ان يوجهه من القاهرة ايضا، ولكن من مقر الجامعة العربية، الى العالم العربي.. عبر سفرائه الذين استغربوا قبل سواهم ان يجري اختيارهم لكي يستمعوا الى الخطاب، او الى الاسطر الاولى منه قبل ان يغرقوا في النوم، وان يتولوا في ما بعد مهمة نقله الى عواصمهم، التي لم تكن في الأصل تلحّ في طلب النص الكامل.
هل اراد ميدفيدف ان يسير على خطى اوباما نحو القاهرة بالتحديد؟ ام انه شعر ان العرب دخلوا في موسم الخطابة وباتوا جاهزين لسماع اي خطيب يأتيهم من الخارج فقرر ان ينتهز الفرصة ويلقي عليهم بما عنده قبل ان ينتهي الموسم ويتفرق الجمع؟ لماذا اختار الجامعة العربية بالذات وهو الذي يفترض ان يعرف انها لم تعد مصدر كلمة العرب ولا قرارهم؟ ولماذا اكتفى بالمندوبين الدائمين ولم يعمد على الاقل الى دعوة وزراء الخارجية الذين كانوا يستعدون للتوجه الى المقر لعقد دورة استثنائية خاصة بالخطيب السابق الذي انهال على العرب باقصى ما عنده من آيات قرآنية وسير نبوية، باعتبارهم امة مؤمنة لا تقطع فريضة؟
كان كل ما جرى بين الرئيس الروسي والعالم العربي غريباً.. مع ان خطابه كان أكثر موضوعية ومصداقية من خطاب سلفه الاميركي، لكن احداً لم يسمعه، لا في القاعة ولا في خارجها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018