ارشيف من :ترجمات ودراسات
فلسطين : الاحتلال هو العنف الأول
Pingouin094 الكاتب :
Agoravox عن موقع
4 تموز / يوليو 2014
ثلاثة شبان من المستوطنين جرى اختطافهم وقتلهم في الضفة الغربية المحتلة داخل منطقة خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. الدولة الإسرائيلية توجه اصبع الاتهام إلى حماس أو، على الأقل، إلى اثنين من أعضائها، لكن حماس كذبت ذلك، ولم تقم أية جهة بتبني عملية الاختطاف. وعليه، فإن الحذر في توجيه الاتهامات يظل مطلوباً.
عملية عسكرية غير مسبوقة
ومع هذا، جاء الرد الإسرائيلي أمنياً وعنيفاً بشكل حصري، وأخذ شكل عملية عسكرية غير مسبوقة منذ نهاية الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية المحتلة. وقد اشتملت العملية حتى على المناطق التي لا يسمح فيها للجيش الإسرائيلي بالتدخل وفقاً لاتفاقيات أوسلو. ولم تكن عملية البحث عن المستوطنين الثلاثة مجرد عملية هدفها العثور عليهم، بل تجاوزت ذلك لتصبح عملية هدفها ضرب حماس بالحد الأدنى ، وفيما يبدو إنزال عقاب جماعي بالشعب الفلسطيني.
وهكذا، فإن عدداً كبيراً من القرى تم إغلاقها وعزلها عن العالم، بما فيها قرى تفصلها مسافات طويلة عن منطقة اختفاء المستوطنين الثلاثة. وهناك العديد من الشهادات التي تتحدث عن لجوء غير مبرر إلى العنف، وعن أعمال تخريب وحتى عن أعمال نهب قام بها الجنود الإسرائيليون خلال عمليات البحث. كما تم اعتقال مئات الفلسطينيين بمن فيهم نواب في البرلمان الفلسطيني، إضافة إلى رئيس هذا البرلمان. وبالطبع، لا يمكن لأحد أن يتصور كيف يمكن أن يشتبه بمشاركة كل هذا العدد الكبير من الأشخاص في عملية الاختطاف.

المستوطنون الثلاثة
وقد نجمت عن ذلك ردود أفعال دفاعية مشروعة من قبل الفلسطينيين وحدثت، بالتالي، مواجهات مع الجيش الإسرائيلي أدت إلى مقتل 12 فلسطينياً.وهنا تنبغي الإشارة إلى أن السلطة الفلسطينية قد جللت نفسها بالعار عندما انبرت للدفاع عن الجنود الإسرائيليين : من أجل الدفاع عن جيش الاحتلال، قام أفراد من الشرطة الفلسطينية باستخدام السلاح ضد أبناء شعبهم !
لا أحد يعلم شيئاً حتى اليوم عن السبب في قتل المستوطنين الثلاثة بعد عدة أيام من اختطافهم. ولن أجازف بوضع فرضيات حول هذا الموضوع. على كل حال، فإن ما تثبته الوقائع هو أن لجوء الإسرائيليين إلى الرد من خلال استخدام العنف الأقصى لم يكن الحل الأفضل. فهذا الرد مني بأكبر قدر ممكن من الفشل المأساوي بالنسبة لمن كان يفترض بأنه يهدف إلى الدفاع عنهم. فالدولة الإسرائيلية لا تعرف غير القوة كرد وحيد. واليوم، فإن الإسرائيليين هم الذين يدفعون الثمن.
والأسوأ من ذلك هو الخطابات الرسمية التي تصدر عن الحكومة الإسرائيلية والتي تدعو إلى "الانتقام" وإلى جعل الفلسطينيين "يدفعون الثمن". فهذه الخطابات شجعت الجماعات الإسرائيلية الأكثر تطرفاً وأسهمت في دفع بعض من لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى هذا المستوى من التطرف نحو الحقد والعنصرية.
أما النتائج، فكانت مأساوية أيضاً. فتى فلسطينياً على الأقل تم اختطافه وقتله. وكثيرون غيره جرحوا، ومنازل كثيرة جرى نهبها وحتى تدميرها. ولا شك بأن ذلك لن يقف عند هذا الحد. فكل شيء في موقف الحكومة الإسرائيلية يعزز استمرار مسلسل العنف ولا شيء ينحو نحو التهدئة.
تواصل مسلسل العنف
ولكن، ربما يقول قائل بأن مسلسل العنف قد بدأ مع اختطاف الإسرائيليين الثلاثة الذين اشتبه بأن حماس أو بعض أعضائها هم من يقفون وراءه. لكن مثل هذا القول هو تعبير عن قصر النظر.
ولم ؟ لأن التساؤل ضروري عن هوية هؤلاء الأشخاص. إذ، في ما يتعدى كونهم "شباناً" صغار السن (وهذا ما سأعود إليه لاحقاً)، فإن هؤلاء الشبان هم مستوطنون. والمستوطنون الإسرائيليون اختاروا أن يأتوا إلى أرض، أو على الأصح، أن يغتصبوا أرضاً ليست ملكهم وأن يحرموا منها الشعب الذي يعيش فوقها. وإذ يفعل المستوطنون الإسرائيليون ذلك، إنما يفعلونه لأسباب إيديولوجية ودينية. ولا بد من التذكير هنا بأن جميع المستوطنات غير شرعية في نظر القانون الدولي (على ما ذكر به مؤخراً وزير الخارجية الفرنسي). فالمستوطنون ليسوا مجرد مدنيين، بل إنهم أحد مكونات القوة التي تحتل فلسطين.
وربما يقول قائل بأن هؤلاء المستوطنين الثلاثة كانوا صغار السن، بعمر 16 و19 عاماً، بحيث لا يمكن اعتبارهم مسؤولين عن سياسة حكومتهم أو عن خيارات ذويهم. ولكن هذا ليس رأي الحكومة الإسرائيلية عندما يكون الأمر متعلقاً بصغار السن من الفلسطينيين. فالشاب الفلسطيني من عمر 16 عاماً أو أقل لا تعتبره الحكومة صغيراً إلى الحد الذي يمنع الجيش الإسرائيلي من توقيفه وسجنه، هذا إذا لم يقم قناصو الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار عليه كما فعلوا، على الأقل في شهر أيار / مايو الماضي. واليوم، يقبع عدة مئات من المراهقين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
وعلى هذا الأساس، فإن العنف الأول ليس في اختطاف ثلاثة مستوطنين بل في مجرد وجودهم في الضفة الغربية المحتلة. وعن هذا العنف، نشأت أشكال العنف الأخرى. وليس هنالك من طريق نحو السلام غير التراجع عن الاستيطان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018